أسباب النزول

أسباب النزول
هو ما نزلت الآية أو الآيات متحدثة عنه أو مبينة لحكمه أيام وقوعه. أي: أنه حادثة وقعت في زمن النبي صلى الله عليه وسلّم أو سؤال وُجِّهَ إليه فنزلت الآية أو الآيات من الله سبحانه وتعالى ببيان ما يتصل بتلك الحادثة، أو بجواب هذا السؤال.
والقرآن الكريم قسمان قسم نزل من الله ابتداء غير مرتبط بسبب من الأسباب إنما هو لمحض هداية الخلق إلى الحق، وقسم نزل مرتبطاً بسبب من الأسباب الخاصة.
فائدة معرفة أسباب النزول:
لمعرفة أسباب النزول فوائد كثيرة منها: معرفة حكمة الله عز وجل فيما شرعة من الأحكام والاستعانة على فهم وتفسير الآية ودفع الأشكال عنها ومعرفة مَنْ نزلت فيه الآية على التعيين حتى لا يشبه بغيره، ويفيد في تيسير الحفظ وتسهيل الفهم وتثبيت الوحي في ذهن كل من يسمع الآية إذا عرف سببها.
وأما طريق معرفة سبب النزول فهو النقل حصراً لأنه لا مجال لمعرفته بالعقل.
وأخيراً تجدر الإشارة إلى أن معنى الآيات الكريمة على ظاهره يشمل كل ما يتناوله اللفظ فلا يتخصص معنى الآية بسبب النزول ويتخصص حكم الآية بسبب النزول حصراً أو لما يماثلها تماماً بل القاعدة عند جمهور العلماء هي (العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب).
نزول القرآن:
نزل القرآن الكريم ثلاثة تنزلات:
1 ـ التنزل الأول إلى اللوح المحفوظ قال سبحانه وتعالى: {بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ} وهو سجل جامع لكل ما قضى الله وقدَّر وكل ما كان وما يكون من عوامل الإيجاد والتكوين.
وكان وجود القرآن في اللوح المحفوظ بطريقة وفي وقت لا يعلمهما إلا الله سبحانه وتعالى ومن أطلعه على غيبه وكان القرآن في اللوح المحفوظ جملةً لا مفرقاً.
2 ـ التنزل الثاني للقرآن كان إلى بيت العزة في السماء الدنيا، قال تعالى: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن}{إنا أنزلناه في ليلة مباركة}{إنا أنزلناه في ليلة القدر} دلت هذه الآيات الثلاثة على أن القرآن الكريم أنزل في ليلة مباركة هي ليلة القدر من شهر رمضان.
3 ـ التنزل الثالث: بواسطة جبريل أمين الوحي على قلب النبي صلى الله عليه وسلّم قال سبحانه وتعالى: {نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين}. وكان هذا التنزل منجماً أي مفرقاً تنزل الآية أو الآيات أو السورة حسب مقتضيات الأحوال والحاجات.
تنجيم القرآن الكريم:
بدأ إنزال القرآن الكريم على رسول الله صلى الله عليه وسلّم من مبعثه عليه الصلاة والسلام وانتهى بقرب انتهاء حياته الشريفة صلى الله عليه وسلّم وتقدر هذه المدة بـ ثلاثة وعشرين سنة وكان هذا التنزيل منجماً أي مفرقاً تنزل الآية أو الآيات أو السورة حسب الحاجة والحال، قال سبحانه وتعالى: {وقرآناً فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلاً} وقال سبحانه: {وقال الذين كفروا لولا نُزِّلَ عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلاً ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيراً}.
الحكم والأسرار في تنجيم القرآن:
1 ـ تثبيت فؤاد النبي صلى الله عليه وسلّم فقد كان خصوم دعوته عليه الصلاة والسلام كُثُرٌ وكان يشتد خصامهم وعداوتهم للنبي صلى الله عليه وسلّم ولا ريب أن تلك الشدائد كانت تحدث في أوقات متعددة وكذلك التسلية والتثبيت كانت في أوقات متعددة وتجيء تلك التسلية تارة عن طريق قصص الأنبياء والمرسلين وما حدث بينهم وبين أقوامهم يقول الله عز وجل: {وكلاً نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك} وتارة عن طريق وعد الله لرسوله بالنصر والتأييد والحفظ قال تعالى: {والله يعصمك من الناس} وقال: {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا}.
2 ـ التدرج بالتشريع والتيسير على هذه الأمة في حفظه فهم قوم أميون والتدرج في تربية وتهذيب هذه الأمة بأن يُروضوا على التخلي عن الأخلاق الذميمة والعقائد الفاسدة ويتحلوا بالأخلاق الفاضلة والعقائد الصحيحة، وتثبيت قلوب المؤمنين وتسليحهم بعزيمة الصبر واليقين بما يقصه الله عليهم من أنباء الأنبياء وأقوامهم والوعد بالنصر (وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم) وقال تعالى: {وقرآناً فرقناه لتقرأه على الناس على مُكْث ونزلناه تنزيلاً}.
3 ـ مسايرة الحوادث والطوارىء والإجابة عن التساؤلات في تجددها وتفرقها وكشف حال المنافقين وهتك أستارهم، قال سبحانه وتعالى: {يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي}.
وقال سبحانه: {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها} وقال تعالى: {ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين} وقال تعالى: {ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيراً}.
أول ما نزل من القرآن وآخر ما نزل:
أول ما نزل من القرآن على الإطلاق: هو قوله تعالى: {اقرأ باسم ربك الذي خلق…} إلى قوله تعالى: {علم الإنسان ما لم يعلم} وآخر ما نزل قول الله تعالى: {واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون} نزلت قبل وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلّم بتسع ليال وأما آ ية: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً} فهي آخر آية من الآيات التشريعية لا آخر آية على الإطلاق.
الأحكام الشرعية:
الحكم في اللغة: هو إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه.
واصطلاحاً: هو خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاءً (أي طلباً سواء أكان طلب فعل أم طلب ترك طلباً جازماً أم غير جازم) أو تخييراً (أي إباحة بين الفعل والترك) أو وضعاً (أي جعل شيء سبباً لشيء آخر أو شرطاً له أو مانعاً منه).
من خلال تعريف الحكم الشرعي في اصطلاح الأصوليين يؤخذ أنه ليس نوعاً واحداً لهذا اصطلحوا أن الحكم الشرعي ينقسم إلى قسمين:
الحكم التكليفي: هو ما اقتضى طلب فعل من المكلف أو كفه عن فعل أو تخييره بين فعل والكف عنه.
الحكم الوضعي:
هو ما اقتضى وضع شيء سبباً لشيء أو شرطاً له أو مانعاً منه.
فالأحكام هي: الوجوب والندب والحرمة والإباحة والكراهة والسبب والشرط والمانع.
الواجب (الفرض):
هو ما طلب الشارع فعله من المكلف طلباً حتميا بأن اقترن طلبه بما يدل على تحتيم فعله كما إذا كانت صيغة الطلب نفسها تدل على التحتيم، أو دل على تحتيم فعله ترتيب العقوبة على تركه أو أية قرينة شرعية أخرى.
ومثال الطلب الواجب: قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام} أي فُرِض.
وقوله تعالى: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة}.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن الحنفية ميَّزوا بين الواجب والفرض فقالوا: الفرض: هو ما ثبت بدليل قطعي الثبوت (قرآن ـ حديث متواتر) وقطعي الدلالة.
والواجب: ما ثبت بدليل ظني الثبوت أو الدلالة، ويسمى: الفرض العملي.
ويقسم الواجب بحسب المكلَّف بأدائه إلى واجب عيني (فرض عين) وواجب كفائي (فرض كفاية).
فالواجب العيني: هو ما طولب بأدائه كل مكلف بحيث لا يسقط الطلب عنه إلا إذا أداه هو ولا يسقط عنه إذا أداه غيره كالصلاة والصوم.
والواجب الكفائي: هو ما طولب بأدائه مجموع المكلفين بحيث إذا فعله بعضهم سقط الطلب عن الباقين.
حكم الواجب: هو الثواب على الفعل والعقاب على الترك، وأن الذمة مشغولة به حتى يؤدى فتفرغ بأدائه.
المندوب (المستحب، المسنون، النفل):
هو ما طلب الشارع فعله من المكلف طلباً غير حتم، بأن كانت صيغة طلبه نفسها لا تدل على تحتيمه، أو اقترنت بطلبه قرائن تدل على عدم التحتيم ومثال قوله تعالى: {والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً} فقوله تعالى: {فكاتبوهم} أمر بعقد المكاتبة مع العبد وهو بظاهرة يدل على الوجوب ولكن قوله سبحانه {إن علمتم فيهم خيراً} يصرف الوجوب إلى الاستحباب (الندب).
أنواعه: (أو أقسامه):
1 ـ مندوب مطلوب فعله على وجه التأكيد ويسمى السنة المؤكدة ومثاله: ما واظب عليه النبي صلى الله عليه وسلّم من الشؤون الدينية ولم يتركه إلا مرة أو اثنتين لبيان عدم الفرْضية، وحكمه: يثاب فاعله لا يعاقب تاركه ولكن يستحق اللوم والعقاب.
2 ـ مندوب مشروع فعله ومثاله ما فعله النبي صلى الله عليه وسلّم أحياناً وتركه أحياناً، وحكمه: الثواب على الفعل وعدم العقاب ولا العتاب ولا اللوم على الترك ويسمى السنن غير المؤكدة أو الزائدة أو النافلة.
3 ـ مندوب زائد: أي يعد من الكماليات للمكلف ومثاله الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلّم في أموره العادية كالأكل والشرب والنوم… وهذا يسمى المستحب أو الأدب أو الفضيلة ويثاب المسلم على فعله إذا وجدت نية التشبه والتأسي والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلّم.
المحرَّم:
هو ما طلب الشارع الكف عن فعله طلباً حتماً بالصيغة نفسها أو بقرينة معتبرة كأن يرتب على الفعل عقاباً دنيوياً كالحد أو أخروياً كالوعيد بالعذاب.
وللدلالة على التحريم طرق وصيغ أهمها:
1 ـ التعبير عن التحريم بنفس الصيغة كقوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة…} وقوله: {لا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن}.
2 ـ صيغة النهي عن الفعل أو عن قربانه: كقوله تعالى: {تلك حدود الله فلا تعتدوها}{ولا تقربوا الزنا}.
3 ـ صيغة الأمر باجتناب الفعل: كقوله تعالى: {فاجتنبوا الرجس من الأوثان}{وذروا ظاهر الاثم وباطنه}.
4 ـ التوعد على الفعل: كقوله تعالى: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً}.
ومما تجدر الإشارة به هنا أيضاً أن الحنفية قسموا الأفعال التي أُمِر المكلف بتركها إلى قسمين:
1 ـ ما ثبت وجوب تركه بدليل ظني الثبوت (في السند) أو ظني الدلالة فسمَّوْهُ مكروهاً تحريماً.
2 ـ ما ثبت وجوب تركه بدليل قطعي الثبوت والدلالة فسمَّوه حراماً.
والفائدة من هذا التقسيم هو أن منكر الحرام كافر ومنكر المكروه تحريماً فاسق.
المكروه
هو ما طلب الشارع من المكلف الكفَّ عن فعله طلباً غير حتم. وللدلالة عليه صيغ منها:
1 ـ التعبير عن الكراهة بنفس الصيغة: كقوله صلى الله عليه وسلّم: (إن الله كره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال).
2 ـ التعبير عن الكراهة بالنهي عن الفعل مع قرينة تصرفه عن الحرمة وذلك كقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إنْ تُبْدَ لكم تَسُؤْكُم} فقد اقترن هذا ا لنهي عن السؤال بقوله تعالى: {وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبدلكم}.
والحنفية قسَّموا المكروه إلى مكروه كراهة تحريم ومكروه تنزيهاً فالمكروه كراهة تحريم إلى الحرام أقرب لأنه قَسِيْمُ الحرام فهو ما دلَّ على تركه الدليل الظني الثبوت أو الدلالة. وحكم المكروه: أنه يثاب تاركه ويلام فاعله.
المباح:
هو ما خيَّر الشارع المكلف بين فعله وتركه، فلم يطلب الشارع من المكلف أن يقدم على الفعل ولا طلب منه تركَه.
والإباحة قد تثبت بالنص وقد تثبت بالأصل أي استصحاب الأصل بالأشياء وهو الإباحة وثبوت الإباحة بالنص يكون بالتعبير عنها بنفي الحرج أو الجناح أو الإثم كقوله تعالى: {ليس على الأعمى حرج} وقوله: {ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء}{فمن اضطر غير باغٍ ولا عادٍ فلا إثم عليه} أو بالتعبير عنها بمادة الحل كقوله تعالى: {أحلت لكم بهيمة الأنعام} أو بالأمر مع قرينة تدل على أنه للاباحة كقوله تعالى: {وكلوا واشربوا}.
حكم المباح: هو تخيير المكلف بين الفعل والترك فلا ثواب ولا عقاب ولا لوم عليه إن فعل أو ترك إلا أن يقصد بفعل المباح الاستعانة على الطاعة فإنه يثاب عليها حينئذٍ لأن الأعمال بالنيات.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

علم التفسير

علم التفسير عني المسلمون من لدن صدر الإسلام بتفهم معاني القرآن الكريم بالاستعانة بالأحاديث النبوية ...