أهل الردة

أهل الردة
لما توفي النبي صلى اللّه عليه وسلم واستفحل أمر المتنبئين الكذابين مسيلمة وطلحة الأسدي وغيرهما استضعف العرب مركز الخلافة فهم بعضهم بالامتناع عن دفع الزكاة لأنهم كانوا يستثقلونها ويعدونها كالأتاوة أو الجزية فلما نمي الخبر إلى أبي بكر استشار أصحابه في أمر من منع الزكاة فاختلفوا. فقال قوم لا نقاتلهم قتال الكفرة وقال آخرون بل نقاتلهم ومن هؤلاء أبو بكر وقد أثر عنه أنه قال لو منعوني عقالاً مما أعطوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لقاتلتهم عليه ومضى بنفسه إلى قتالهم ووافقه الصحابة بأسرهم.
إلا أن عمر قال له كيف تقاتل الناس وقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللّه وأن محمداً رسول اللّه، فمن قالها عصم مني ماله ودمه إلا بحقها وحسابهم على اللّه».
فقال أبو بكر: واللّه لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال وقد قال إلا بحقها. قال عمر فواللّه ما هو إلا أن رأيت اللّه قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق.
قال عبد اللّه بن مسعود: لقد قمنا بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مقاماً كدنا نهلك فيه لولا أن اللّه من علينا بأبي بكر. أجمعنا على أن لا نقاتل على ابنة مخاض وابنة لبون وأن نأكل قرى عربية وأن نعبد اللّه حتى يأتينا اليقين. فعزم اللّه لأبي بكر على قتالهم فواللّه ما رضى منهم إلا بالخطة المخزية أو الحرب المجلية. فأما الخطة المخزية بأن يقروا بأن من قتل منهم في النار ومن قتل منا في الجنة وأن يردوا قتلانا ونغنم ما أخذنا منهم، وأن ما أخذوا منا مردود علينا؟ وأما الحرب المجلية فإن يخرجوا من ديارهم.
أرسلت قبائل عبس وغطفان وأسد وطيء وفداً بأنهم يصلون ولكن يمنعون الزكاة فردهم خائبين فرجعوا وأصر أقوامهم ثقة بضعف المسلمين وقلتهم.
خاف أبو بكر أن تهاجم هذه القبائل المدينة فجعل علياً وطلحة والزبير وابن مسعود على أنصار المدينة وأمرهم بملازمة المسجد خوف إغارة العدو فما مضت أيام ثلاثة حتى غشى العدو المدينة ليلاً وتركوا بضعهم بذي حسي ليكونوا لهم ردءاً فصدهم المسلمون وخرج أبو بكر بالمسلمين فردوا العدو واتبعوهم إلى ذي حسي (وهي أماكن كان يسكنها القوم) فخرج عليهم الردء بقرب قد نفخوها وفيها الحبال ثم دهدهوها على الأرض فنفرت إبل المسلمين وهم عليهم ورجعت بهم مذعورة.
ثم خرج أبو بكر ليلاً فما طلع الفجر إلا وهم والعدو وجهاً لوجه فتقاتلوا فانهزم مانعوا الزكاة واتبعهم أبو بكر حتى نزل بذي القصة وكان أول الفتح ووضع بها النعمان بن مقرن في عدد ورجع إلى المدينة.
وقدم في أثناء ذلك أسامة بن زيد الذي كان يقود جيشاً للمسلمين في بعض الغزوات ومعه الجنود فاستخلفه أبو بكر على المدينة ثم خرج بمن كان معه فقام إليه علي والمسلمون فناشدوه اللّه ليقيم فأبى وقال واللّه لأواسينكم بنفسي وسار إلى ذي حي وذي القصة حتى نزل بالإبريق فقاتل من به فهزمهم وغلب على بني ذبيان وبلادهم وحماها لدواب المسلمين ثم رجع إلى المدينة فلما استراح أسامة وجنوده وكان قد جاءتهم زكاة من بلاد كثيرة بادر أبو بكر إلى تسيير الجيوش إلى أهل الردة.
فعقد احد عشر لواء فأعطى الأول خالد بن الوليد وأمره أن يقصد طليحة بن خويلد فإذا فرغ سار إلى مالك بن نويرة بالبطاح.
وأعطى الثاني لعكرمة بن أبي جهل وأمره بالمسير إلى مسيلمة الذي ادعى النبوة.
وأعطى الثالث للمهاجر بن أبي أمية وأمره أن يقصد الأسود العنسي الذي ادعى النبوة باليمن ثم يمضي إلى كندة بحضرموت.
وأعطى الرابع لخالد بن سعيد بن العاص وبعثه إلى مشارف الشام.
وأعطى الخامس إلى عمرو بن العاص وأرسله إلى قضاعة.
وأعطى السادس لحذيفة بن محصن وأمره بأهل دبا.
وأعطى السابع هرثمة بن عرفجة وأمره بقتال أهل مهرة.
وأعطى الثامن لشرحبيل بن حسنة وأرسله في أثر عكرمة بن أبي جهل وإذا فرغ يلحق بقضاعة.
وأعطى التاسع لمعن بن حاجز وأمره ببني سليم ومن معهم من هوازن.
وأعطى العاشر لسويد بن مقرن وأمره بتهامة اليمن.
وأعطى الحادي عشر للعلاء بن الحضرمي ووجهه إلى البحرين.
أرسل أبو بكر هؤلاء القواد وكتب إليهم عهداً وكتب للمرتدين كتاباً.
فأما عهده لقواده فهو:
بسم اللّه الرحمن الرحيم هذا عهد من أبي بكر خليفة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لفلان حين بعثهُ لقتال من رجع عن الإسلام وعهد إليه أن يتقي اللّه ما استطاع في أمره كله سره وجهره، وأمره بالجد في أمر اللّه، ومجاهدة من تولى عنه ورجع عن الإسلام إلى أماني الشيطان بعد أن يعذر فيهم فيدعوهم بدعاية الإسلام فإن أجابوه أمسك عنهم وإن لم يجيبوه شن غارته عليهم حتى يقروا له ثم ينبئهم بالذي عليهم والذي لهم لا ينظرهم ولا يرد المسلمين عن قتال عدوهم فمن أجاب إلى أمر اللّه وأقر له قبل ذلك منه وأعانه عليه بالمعروف. وإنما يقاتل من كفر باللّه على الإقرار بما جاء من عند اللّه. فإذا أجاب الدعوة لم يكن عليه سبيل وكان اللّه حسيبه بعد فيما استسر به. ومن لم يجب إلى داعية اللّه قتل وقوتل حيث كان وحيث بلغ مراغمة لا يقبل اللّه من احد شيئاً مما أعطى إلا الإسلام فمن أجابه وأقر قبل منه وأعانه ومن أبى قاتله فإن أظهره اللّه عليهم عز وجل قتلهم فيه كل قتلة بالسلاح والنيران. ثم قسم ما أفاء اللّه عليه إلى الخمس فإنه يبلغه ويمنع أصحابه بالعجلة والفساد وأن لا يدخل فيهم حشواً حتى يعرفهم ويعلم ما هم لئلا يكونوا عليهم ولئلا يؤتى المسلمون من قبلهم. وأن يقتصد بالمسلمين ويرفق بهم في السير والمنزل ويتفقدهم ولا يعمل بعضهم عن بعض ويستوصي بالمسلمين في حسن الصحبة ولين القول. انتهى.
أما كتابه إلى المرتدين فهو هذا:.
بسم اللّه الرحمن الرحيم من أبي بكر خليفة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى من بلغه كتابي هذا من عامة أو خاصة أقام على الإسلام أو رجع عنه. سلام على من اتبع الهدى ولم يرجع بعد الهدى إلى الضلالة والردى. فإني أحمد اللّه إليكم الذي لا إله إلا هو وأشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله وأؤمن بما جاء به.
(أما بعد) فإن اللّه أرسل محمداً صلى اللّه عليه وسلم بالحق من عنده بشيراً ونذيراً وداعياً إلى اللّه بإذنه وسراجاً منيرا، لينذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين. يهدي اللّه للحق من أجاب إليه وضرب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بإذنه من أدبر عنه حتى صار إلى الإسلام طوعاً أو كرهاً. ثم توفي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقد نفذ لأمر اللّه، ونصح لأمته، وقضى الذي عليه. كان اللّه قد بين ذلك لأهل الإسلام فقال:{إنك ميت وإنهم ميتون}[الزمر: 30] وقال: {وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون}[الأنبياء: 34] وقال للمؤمنين:{وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم، ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر اللّه شيئاً وسيجزي اللّه الشاكرين}[ال عمران: 144] فمن كان يعبد اللّه وحده لا شريك له فإن اللّه بالمرصاد حي قيوم لا يموت ولا تأخذه سنة ولا نوم حافظ لأمره منتقم من عدوه بحزبه، وإني أوصيكم بتقوى اللّه، وحظكم ونصيبكم من اللّه وما جاء به نبيكم وأن تهتدوا بهديه وأن تعتصموا بدين اللّه عز وجل فإنه من لم يهتد ضل، وكل من لم يعافه مبتلٍ وكل من لم ينصره مخذول فمن هداه اللّه كان مهدياً، ومن أضله كان ضالاً { من يهدي اللّه فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً}[الكهف: 17]. ولم يقبل له في الآخرة عمل حتى يقربه، ولم يقبل له في الآخرة صرف ولا عدل، وقد بلغني رجوع من رجع منكم عن دينه بعد أن أقر بالإسلام وعمل به اغتراراً باللّه عز وجل وجهالة لأمره وإجابة للشيطان. وقال جل ثناؤه: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا}[الكهف: 50]، وقال جل ذكره:{إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير}[فاطر: 6]. وإني قد أنفذت لكم فلاناً في جيش من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان وأمرته أن لا يقاتل أحداً ويقتله حتى يدعوه إلى داعية اللّه فمن استجاب وأقر وكف وعمل صالحاً قبل منه وأعانه عليه ومن أبى أن يقاتله على ذلك ولا يبقى على ذلك ولا يبقى على احد منهم قدر عليه. وأن يحرقهم بالنيران ويقتلهم كل قتلة ويسبي النساء والذرية ولا يقبل من احد إلا الإسلام فمن آمن فهو خير له ومن تركه فلن يعجز اللّه وقد أمرت رسولي أن يقرأ كتابي في كل مجمع لكم والداعية لآذان فإن أذن المسلمون فأذنوا كفوا عنهم وإن لم يؤذنوا فاسألوهم بما عليهم فإن أبوا عاجلوهم وإن أقروا أقبلوا منهم واحملوهم على ما ينبغي لهم.
حروب قواد أبي بكر مع أهل الردة: قصد خالد بن الوليد طليحة بن خويلد الأسدي وكان قد تنبأ في عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وتبعه خلق كثير من بني أسد وغطفان وطيء. فهزمه خالد وفرق جنوده وأسر منهم عيينة بن حصين الفزاري.
فاجتمع المنهزمون من جنود طليحة إلى أم زمل سلمى بنت مالك بن حذيفة بن بدر وكانت سبيت في زمن رسول اللّه ووقعت لعائشة فأعتقتها فرجعت إلى قومها فلما اجتمع إليها أولئك المنهزمون قاتلت خالداً بهم فهزمها شر هزيمة وقتلها.
ثم سار خالد بن الوليد إلى مالك بن نويرة فقبض عليه وعلى جماعة من قومه وقتلهم. وتفصيل خبر مالك هذا أنه كان النبي صلى اللّه عليه وسلم أمر على بطون بني تميم ستة أمراء وهم الزبرقان بن بدر وقيس بن عاصم وصفوان بن صفوان وسبرة بن عمرو ووكيع بن مالك ومالك بن نويرة فلما بلغهم خبر وفاة النبي صلى اللّه عليه وسلم سار صفوان ابن صفوان إلى أبي بكر بزكاة بني عمرو ووافى الزبرقان فاتبع صفوان بصدقات الرباب وهي ضبة بنت أد بن طاعة وعدي وتيم وعكل وثور بنو عبد مناة بن أد بزكاة عوف والأبناء وكلها من بطون تميم ومنها قيس بن عاصم ومالك بن نويرة فأما سبرة فندم فلما أظله العلاء الحضرمي أخرج الزكاة فتلقاها بها ثم خرج معه. وأما مالك فتحير فتشاغلت تميم بعضها ببعض فقام من بقي على الإسلام في وجه من ارتد وبينما هم على اختلافهم إذ جاءته من الجزيرة سجاح بنت الحرث بن سويد بن عقفان التميمية وكانت ورهطها في أخوالها من بني تغلب في الجزيرة فادعت النبوة وجاءت تريد غزو أبي بكر فطلبت من مالك بن نويرة الوادعة فوادعها وردها عن غزو المدينة وحملها على غزو المسلمين من بني تميم فجاءهم أمر أعظم مما هم فيه لاختلافهم ففروا أمامها أما هي فسارت تريد المدينة حتى بلغت النباج وهي قرية بالبادية فأغار عليها أوس بن خزيمة الهيجمي في بني عمرو من تميم وأسر بعض رجالها ثم تحاجزوا على أن يطلقوا أسراها وتطلق أسراهم وترجع فلا تجتاز عليهم فيئست بذلك من الذهاب إلى المدينة وانقلبت تريد اليمامة ثم رجع إلى الجزيرة ولم تزل في تغلب حتى نقلهم معاوية عام المجاعة وجاءت معهم فأسلمت وأسلموا.
ثم ندم بنو تميم على ما صنعوا أو تراجعوا إلى الإسلام وأدوا الصدقة إلا مالك بن نويرة فإنه بقي متردداً واجتمع إليه قومه بالبطاح فسار إليه خالد فهزمه وقبض عليه وقتله كما تقدم.
مسيلمة وأهل اليمامة: كان مسيلمة ممن وفد مع قومه من بني حنيفة على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولما رجع إلى اليمامة ادعى النبوة وزعم أنه أشرك مع محمد في الأمر واجتمع عليه بنو حنيفة وكانوا أربعين ألف مقاتل ولما توفي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعث قواده وكان عكرمة بن أبي جهل هو المرسل إليه وأمده أبو بكر بشرحبيل ابن حسنة فلم يتلبث ريثما يصله المدد بل تقدم فقاتل القوم فكسر فكتب إلى أبي بكر بالخبر فغضب أبو بكر عليه وكتب إليه بالمقام حتى يأتيه المدد مع خالد فإذا فرغوا من مسيلمة لحقوا بعمرو بن العاص ليعينوه على قضاعة.
فسار خالد للقاء مسيلمة فأمده أبو بكر بسليط ليكون ردأ له لئلا يؤتى من خلف فلما سمع مسيلمة بقدومه خرج إليه وخرج معه خلق كثير فتقدم خالد وعلى مقدمته شرحبيل ثم سار خالد حتى التقى بجيش مسيلمة وجرت معارك عنيفة مات فيها رجال من كبراء المسلمين وانتهى الأمر بهزيمة بني حنيفة وقتل مسيلمة.
ردة أهل البحرين: كان أهل البحرين قبائل من ربيعة أميرهم المنذر بن ساوى أمّره رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عليهم حين أسلموا فلما توفي رسول اللّه وتوفي المنذر ارتد أهل البحرين إلا الجارود بن المعلى العبدي وصفوان بن صفوان التميمي وعدي بن حاتم الطائي وغيرهم. فأرسل أبو بكر إلى المرتدين العلاء بن الحضرمي فقاتلهم حتى هزمهم شر هزيمة ثم تتبعهم إلى جزيرة دارين في الخليج الفارسي فقاتلهم فيها وظفر بهم وتم له النصر.
ردة عمان ومهرة: كان نبغ في عمان رجل اسمه ذو التاج لقيط بن مالك الأزدي فادعى النبوة فتبعه خلق كثير فلم يقبل دعوته جيفر وعيان ابنا الجلندي فعاذا بالجبال وبعث جيفر إلى أبي بكر يخبره خبر هذا المتنبىء فأرسل إليه حذيفة بن محصن وعرفجة بن هرثمة كما تقدم وأرسل في إثرهما عكرمة بن أبي جهل بعد هزيمته في اليمامة فلحقها قبل أن يصلا عمان فلما قاربوها كاتبوا جيفر فأتاهم وعسكرا بصحارى عاصمة عمان. أما لقيط فإنه عسكر بدبا فالتقى الفريقان واقتتلا قتالاً شديداً كاد المسلمون ينهزمون فيه لولا أن تداركهم اللّه بمدد من بني ناجية ومن بني عبد قيس فهزموا المشركين ثم سبوا ذريتهم وقسموا غنيمتهم.
وأما مهرة فإن عكرمة بن أبي جهل سار إليها ومعه جمع من بني ناجية وبني عبد قيس وراسب وسعد فاقتحم بلادهم فوافق بها جمعين من مهرة مختلفين أحدهما مع سخريت وهو واحد منهم والثاني مع المصبح أحذ بي محارب وكان معظم الناس معه فكاتب عكرمة سخريتا فأسلم وكاتب المصبح فلم يجب فقاتل المرتدين فهزمهم وقتل رئيسهم وأصاب المسلمون غنائم كثيرة واستتب هنالك أمر الإسلام.
ردة اليمن: كان على اليمن باذان الفارسي عاملاً من قبل كسرى وذلك حين دعا رسول اللّه أهل اليمن إلى الإسلام فأسلم باذان فولاه عليها فلما مات باذان قسم النبي صلى اللّه عليه وسلم عمله على ولده شهره وجماعة من الصحابة منهم أبو موسى الأشعري وخالد بن سعيد بن العاص وغيرهم فثار عليهم رجل من بني عنس اسمه الأسود العنسي فادعى النبوة فأجابه بعض العرب فانتهى الأمر بهزيمته وقتله وبقي أتباعه لا ينضمون إلى احد بين صنعاء وعدن.
فلما توفي رسول اللّه ارتد قيس ابن عبد يغوث وكاتب المنهزمين من جنود الأسود فاجتمعوا عليه. فأرسل إليهم أبو بكر المهاجر بن أبي أمية وعلى إثره عكرمة ابن أبي جهل بعد أن تم ما عهد إليه بمهرة وعمان فانهزمت جنود قيس بعد يغوث وأسر قيس وعمرو بن معد يكرب الزبيدي الذي كان أسلم فأرسلا إلى الخليفة فرجعا إلى الإسلام وأبلى عمرو بن معد يكرب بلاء حسناً في فتح نهاوند للمسلمين.
ردة كندة وحضرموت: كان زياد بن لبيد الأنصاري نائباً عن المهاجر ابن أبي أمية في ولاية كندة وحضرموت وكان المهاجر المذكور متولياً من قبل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وذهب زياد لأخذ زكاة بني عمرو بن معاوية من كندة فوقع بينه وبينهم خلاف على بكرة (ناقة) وقع عليها ميسم الزكاة فطلبوا إليه استبدال غيرها بها فأبى وأغلظ القول للشيطان بن حجر وأخيه العداء بن حجر فاستغاثا بحارثة بن سراقة بن معد يكرب فأقبل حارثة إلى زياد وحل عقال البكرة (أي الناقة) وبعثها وقام دونها فأمر زياد رجالاً فكتفوه وكتفوا من معه وأخذوا الناقة ثانية فغضبت بنو كندة وبنو معاوية لحارثة وغضب حضرموت والسكون لزياد وقدم من كل قبيل جيش عظيم فأمرهم زياد بوضع السلاح فلم يفعلوا فهجم عليهم ليلاً ففرق جموعهم ثم أطلق حارثة ومن معه من الأسر فلما رجع هؤلاء إلى قومهم أعلنوا العناد وصرحوا بمنع الزكاة.
ثم اجتمع ملوكهم الأربعة ونزلوا المحاجر مصارحين بالحرب إلا شرحبيل ابن السمط وابنه فإنهما قالا لبني معاوية «إنه لقبيح بالأحرار التنقل. إن الكرام ليلزمون الشبه، فتكرمون أن ينتقلوا إلى أوضح منها مخافة العار فكيف الانتقال من الأمر الحسن الجميل إلى القبيح، ومن الحق إلى الباطل. اللهم إنا لا نمالىء قومنا على ذلك».
ثم انتقل شرحبيل وابنه إلى المسلمين ومعهما امرؤ القيس بن حابس فأشاروا على زياد بالهجوم على القوم ليلاً ففعل وطرقوهم في محاجرهم وجاؤوهم من خمسة أوجه وهم جلوس إلى نيرانهم فقتلوا الملوك الأربعة وفر من قومهم من نجا من القتل. وعاد زياد بن لبيد بالسبي واجتاز الأشعث بن قيس فسار في قومه وجمع الجموع لزياد فكتب زياد إلى المهاجر بن أبي أمية يستحثه فلقيه الكتاب في الطريق فاستخلف على الجند عكرمة بن أبي جهل وتعجل المسير وقدم على زياد وسار إلى كندة فالتقوا بمحجر الأبرقان فاقتتلوا فانهزمت كندة وخرجوا هاربين إلى ملجأ لهم يسمى النجير وسار المهاجر فنزل عليهم وحاصرهم وقدم عكرمة فاشتد عليهم الحصار فذلوا وخشعوا فخرج الأشعث من النجير مع تسعة نفر فطلبوا من زياد أن يؤمنهم وأهليهم على أن يفتحوا لهم فأجابهم إلى ذلك وقال اكتبوا ما شئتم ثم هلموا الكتاب حتى أختمه ففعلوا ونسي الأشعث نفسه فأخذ وأرسل مع السبي إلى أبي بكر فوبخه أبو بكر على ما فعل فطلب إليه الأشعث أن يقيله عثرته ويرد عليه زوجته على أن يكون خير رجل لدين اللّه فحقن أبو بكر دمه ورد عليه أهله وأقام بالمدينة حتى فتح العراق فدان العرب كلهم للإسلام.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

أصحاب الرس

أصحاب الرس قال تعالى: {وعاداً وثمود وأصحاب الرس وقروناً بين ذلك كثيراً} والرس هو البئر ...