الثورة الشيوعية الحمراء

الثورة الشيوعية الحمراء
روسيا القيصرية:
كانت تسيطر على تلك البلاد جماعات وقبائل هندو أوروبية منهم «السبميريون والسلاف والسلثيون والجرمان، وقد كانت تتنازع فيما بينها من أجل السيطرة على تلك البلاد، وقد استلم الإمارة لأول مرة في تلك البلاد «فلاديمير الأول» الملقب «بالشمس المضطربة» وقد عرفت إمارة كييف في عهده ازدهاراً واضحاً. وقد كان ينازع الروس بالسيطرة على تلك البلاد المغول الذين كانوا ذو قوة عظمى.
وابتداء من عام 1250م بدأ دور موسكو يتعاظم حتى أصبحت العاصمة ابتداء من سنة 1300م وكانت يحكمها ملك مغولي لُقِّب ب ـ «أمير موسكو الكبير» وفي 8 أيلول عام 1380م انتصر الأمير ديمتري الرابع دونسكري (ابن إيفان الثاني) على الإمبراطور المغولي «ماحائي» في معركة دارت في «كوليكوفو»، فاستلم الإمارة فاسيلي الثاني، واستبدل لقب «أمير موسكو الكبير» ب ـ «أمير روسيا الكبير» عام 1505 م.
والذي حمل هذا الإسم هو الأمير إيفان الرابع الملقب بالرهيب والذي بدأ معه ملك «القياصرة».
ـ القيصر: بدأت القيصرة مع إيفان الرابع والذي لقب «بالرهيب» وذلك بسبب شدته وحزمه وقمعه بقوة وعنف للاقطاعيين.
وقد كان كثير التسرع لدرجة أنه قتل ابنه البكر، وقد ازدهرت روسيا في عهده اقتصادياً وعمرانياً وتوسعت حدودها.
بعد وفاته عاشت روسيا ثلاثة عقود من الاضطرابات الداخلية والتي انتهت بوصول أسرة رومانوف إلى الحكم القيصري.
أسرة القياصرة رومانوف: (1613 ـ 1917 م)
بدأت مع القيصر ميخائيل الثالث رومانوف (1596 ـ 1645 م) احد أحفاد القيصرة أناستازيا زوجة إيفان الرهيب» وقد انتخبه النبلاء قيصراً لهم.
ثم توالى على الحكم عدد كبير من القياصرة من أهمهم بطرس الأكبر (1672 ـ 1725 م) الذي أرسى دعائم الدولة القوية فعمد إلى تقوية الصناعات. ومن الناحية العسكرية فقد حمل لواء الصليبية وهاجم العثمانيين وحاول ضم الدول الإسلامية الواقعة في آسية الوسطى إلى حكمه، ويعود لبطرس الأكبر الفضل في بناء مدينة سان بطرسبرغ عام 1703م، وقد أنشأ فيها «أكاديمية سان بطرسبرغ للعلوم» وتوفي بعد ذلك بأيام قليلة.
ثم وليت الحكم من بعده زوجته كاترين الأولى، ثم تعاقب بعدها عدد من القياصرة أهمهم الكسندر الأول (1777 ـ 1825 م) الذي حارب إيران وأخذ منها أذربيجان الشمالية وداغستان، ثم قام بحرب أخرى ضد نابليون بونابرت وقد تكبد الروس خلالها آلاف القتلى. واحتل الفرنسيون موسكو عام 1813م ثم ما لبثوا أن هُزموا في معركة «بيريزينا».
ثم تسلم العرش من بعده شقيقه نقولا الأول (1796 ـ 1855 م) الذي قمع العديد من الثورات في موسكو (ثورة الضباط) وفي بولونيا وفي داغستان وقد شجع الصناعة على كافة أنواعها.
وقد نشبت في عهده حرب القرم المشهورة إذ واجهت روسيا حلفاً ضم: تركيا وبريطانيا وفرنسا وسردينيا والتي انتهت بهزيمة الروس. وقد كان القيصر نقولا الأول مصراً على أن يكون الحامي للرعايا الأرثوذكس في الأراضي المقدسة (فلسطين)، وإزاء رفض السلطان عبد الحميد الاعتراف للقيصر بهذه الحماية شن الروس عليهم حرباً شرسة احتلوا خلالها إمارات: مولدافيا وفالاكيا (رومانيا) وحطموا الأسطول التركي في سينوب عام (1853 م) مما أدى إلى وقوف فرنسا وإنكلترا إلى جانب العثمانيين فنزلت جيوشهما في مدينة «أوباتوريا» على الساحل الغربي لجبل القرم عام 1854م وهزمت الجيش الروسي وفي الوقت نفسه كان أسطول الدولتين يدك مدينة أوديسا. الأمر الذي أدى إلى هزيمة الجيش الروسي، كما أدت هذه الهزيمة لإجراء سلسلة من الإصلاحات الاجتماعية في روسيا ارتبطت باسم القيصر «الكسندر الثاني» الذي اعتلى العرش عام 1855 م. وفي عهده تم توقيع معاهدة باريس عام 1856 م. كذلك ألغي في عهده نظام العبودية عام 1861 م. ثم ورثه ابنه الكسندر الثالث (1845 ـ 1894 م) الذي عمل على إصلاح النظام الاستبدادي. ثم استلم العرش من بعده ابنه «نقولا الثاني» 1868 ـ 1918 م: تزوج من الكسندرا فيدروفنا أميرة «أليكس دوهيس والدين». ولهما أربع بنات: أولفا ـ تاتيانا ـ ماري ـ أناستازيا، وابن واحد هو الغزاندوق «الكسي» الذي كان مريضاً لعدم توازنه النفسي. وقد أعدموا جميعاً ليلة 16 ـ 17 تموز 1918م في بيت إيباتيف في مقاطعة «ايكاتر ينبوزغ» وتسمى اليوم «سيفير دلوفسك» وقد كان نقولا الثاني ضعيف الشخصية وقد سيطرت عليه زوجته والتي سيطر عليها راهب ادعى القوة الروحية الخارقة «راسبوتين»، والذي رغم فسقه ومجونه استطاع أن يؤثر على القيصر وأن يترك بصماته على القرارات السياسية ويتدخل في الإدارة الحكومية. الأمر الذي أثار غيظ الروس وسخطهم عليه مما ساهم إلى حد كبير في إزالة ثقة الشعب بالعائلة القيصرية إلى أن قُتل هذا «الراهب» على أيدي بعض الأمراء وألقيت جثته في نهر «نيغا».
لقد اتسم عهد نقولا الثاني بالضعف والسياسة الخاطئة فبدأت مصالح روسيا تتعارض مع مصالح فرنسا وإنكلترا اللتان تريدان الإبقاء على الدولة العثمانية على ما هي عليه من الضعف ولا تريد أن تنتقل ملكية هذه البلاد لروسيا.
كذلك كانت روسيا على الجهة المقابلة تخوض حرباً خاسرة مع اليابان الذي استطاع إلحاق خسائر فادحة بالجيش الروسي، وتتالت الضربات اليابانية للروس وتوالت الهزائم إلى أن توجت بسقوط بورت آرثر عام 1905م وتلت ذلك الهزيمة الروسية في آخر معركة برية خاضتها وهي معركة «فوكون» التي انتهت في 10 آذار 1905 م.
إثر هذه الخسائر المتتالية لجأ القيصر نقولا الثاني إلى المفاوضات، وكانت اليابان مكتفية بما حققته من انتصارات. وتم عقد مؤتمر سلام في «بوتسموث» في أميركا بإشراف الرئيس الأميركي «تيودور روزفلت» وأسفر عن اتفاقية «بورتسموث» التي سيطرت اليابان بموجبها على شبه جزيرة «لياتونغ» والخط الحديدي المنشوري الذي يصل إلى «بورت آرثر» ونصف جزيرة «سخالين». وقد كان هذا الانتصار الياباني في هذه الحرب نقطة تحول في اليابان إذ خرجت منها بقوة مهمة جعلتها تلعب دوراً مهماً في صناعة الأحداث العالمية فيما بعد. وبالمقابل كانت هذه الحرب بمثابة ضربة قوية لروسيا القيصرية ساهمت بقوة في إنهاكها ومهدت الطريق أمام إزالتها.
كانت هذه الأحداث في الجبهة الخارجية.
أما على الجبهة الداخلية فقد كانت الأمور تسير إلى الأسوء، فقد استفحل التذمر في صفوف الشعب الروسي نتيجة هزائم روسيا الخارجية مع اليابان سنة 1904 و 1905م وعمت البلاد موجة من الاضطرابات والمظاهرات فبدأ العمال بتحركهم وتبعهم الفلاحون وكثرت أحزاب المعارضة وأبرزها حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي وحزب الحرس الأحمر وحزب المناشفة الأمميين بقيادة «ليون تروتسكي».
وقد زاد الأمر سوءاً أحداث «الاحد الدامي» عندما تظاهر أكثر من 150 ألف عامل مع عائلاتهم باتجاه مقر القيصر في سان بطرسبورغ، فقام الجنود بضرب المتظاهرين بالمدافع والرشاشات الثقيلة فقتل في هذه المجزرة أكثر من ألف قتيل وخمسة آلاف جريح. فأثارت هذه المجزرة سخط الشعب والجيش معاً فهب العمال إلى السلاح ودعوا إلى الثورة وكان ذلك عام 1905 م. وتتالت الانتفاضات فمن العمال إلى الفلاحين في الأراضي الزراعية إلى البحارة والجنود إلى إضراب عمال سكة الحديد الذي لم يشهد العالم مثيلاً له في ذلك الوقت، ثم بدأ الحزاب السياسي الذي تحول إلى انتفاضة مسلحة استخدمت فيها الأسلحة واستمرت المعارك عشرة أيام سقط خلالها مئات الضحايا، ونتيجة لهذه الثورة وقع القيصر نقولا الثاني في عام 1906م بياناً عرف «بمثاق أوكتوبر» منح بموجبه البلاد مجلساً نيابياً.
وكانت ثورة 1905م ورغم فشلها مقدمة سياسية لتفجير ثورة 1917م، كما كان لها أثر كبير على الحركات الثورية خارج روسيا.
الثورة البلشفية: (1917 ـ 1918 م)
تفاقمت الأزمة السياسية في روسيا كثيراً وأصبح مجلس النواب الروسي (الدوما) يضم أهم الأحزاب السياسية والقوى الفاعلة في البلد فبدأ التحرك من مجلس الدوما هذا ففي 12 آذار 1917م طلب رئيس مجلس الدوما «رودجيانكو» من القيصر أن يدعو مجلس ممثلي الشعب التشريعي إلى الانعقاد. وكان هذا المجلس ينعقد بقرار من القيصر. إلا أن القيصر رفض هذا الطلب ـ التهديدي ـ فما كان من مجلس الدوما إلا أن اجتمع بقرار ذاتي منه. وبالمقابل كانت الساحة الشعبية تنذر بالخطر فقد شهدت «بتروغراد» إضراباً عمالياً ضخماً ونزل إلى الشارع أكثر من 200 ألف عامل. فما كان من القيصر إلا أن أمر بضرب هؤلاء المتظاهرين وإرغامهم على الانكفاء، فرفض الجيش والقوى الأمنية هذا الأمر وانضموا إلى صفوف المتظاهرين.
عند ذلك قام القيصر نقولا الثاني في 15 آذار بالتنحي عن عرشه وكلف الأمير «لفوف» تشكيل حكومة جديدة، كما أوكل إلى شقيقه الأمير ميشال شؤون الملك. لكن ميشال رفض هدية أخيه الملغومة فأصبحت السلطة بيد «روجيانكو» «وليفوف». وفي نفس الوقت كانت بتروغراد تشهد تأليف حكومة ثورية في أجواء تصاعد الاضرابات المصحوبة بأعمال عنف ومعارك مسلحة إضافة إلى تشكيل مجالس السوفيات المحلية في المدن والمناطق التي سيطر عليها المنشفيك (الجناح البورجوازي في الحزب الشيوعي والذي يقابله البلشفيك بزعامة لينين).
جرى بعد ذلك توقيف القيصر وفرضت الإقامة الجبرية عليه وعلى عائلته، مع ذلك فإن الحكومة لم تعلن إلغاء النظام الملكي ولم تستجب بالتالي لمطالب الشعب، ففسر موقفها وكأنها تنتظر الفرصة المناسبة لإعادة القيصر إلى مكانه، فكان هناك ازدواج واضح بين الحكومة في بتروغراد والسوفيتات المنتشرة في المناطق.
وفي 3 نيسان 1917م عاد لينين إلى روسيا من منفاه في سويسرا ومعه 30 شخصاً من رفاقه وبدأ على الفور تطبيق خطته الرامية إلى الانتقال بالثورة القائمة من مرحلتها البورجوازية الدميقراطية إلى الثورة الاشتراكية. فوقف جناح المنشفيك إلى جانب الحكومة في حين استمر البلشفيك تحت شعار: «كل السلطة للسوفيات»، وحاولت الحكومة لفت الأنظار إلى مخاطر الحرب الناشئة مع الألمان والتي راح ضحيتها في غضون أيام قليلة أكثر من 60 ألف قتيل روسي، إلا أنها فشلت في ذلك، فراحت تشدد الضغط على البلشفيك الذين بدأوا يقتنعون بأن «السوفيتات» أصبحت تابعة للحكومة فدعا لينين إلى تشديد الكفاح لكسب «السوفيتات» من سيطرة «المنشفيك» إلى «البلاشفة» ووضع خطة الانتفاضة المسلحة لإسقاط الحكم ونقله إلى الطبقة العاملة (البروليتاريا). وفي الأول من آب تم إبعاد نقولا الثاني وعائلته إلى سيبيريا حيث بقي هناك حتى إعدامه مع عائلته عام 1919 م).
ثم ازدادت الاضطرابات وتوسعت أعمال التخريب في الصناعة ووسائل النقل وأصبحت الحكومة المؤقتة مرتكزة بالكامل على القوى الغربية. وفي 21 ـ آب 1917م سقطت مدينة ريفا بيد الألمان. فاستغل الجنرال كورنيلوف (القائد العام للجيش) هذه الفرصة وقام بمحاولة انقلاب عسكري في 27 ـ آب وتحركت قواته العسكرية باتجاه العاصمة، إلا أن البلاشفة والحكومة أفشلوا هذا الانقلاب وألقي القبض على كورنيلوف وعين «كرنسكي» مكانه الذي سارع في أول أيلول إلى تشكيل حكومة مصغرة وأعلن «الجمهورية الروسية»، فاعتبر لينين أن الظرف صار مناسباً وأن الثورة قد نضجت تماماً، فدعا في 10/10/1917م إلى إشعال الانتفاضة المسلحة فأصدر أوامره إلى قوة الثورة بحسم الأمر والاستيلاء على المراكز الرسمية والدوائر الحكومية في البلاد فاكتظت بتروغراد بفصائل الحرس الأحمر والجنود والبحارة فاحتلوا محطات سكك الحديد والجسور ومراكز المواصلات والمصرف المركزي وتمركزت الحكومة في «قصر الشتاء» بينما هرب رئيسها «كيرنسكي». ودخل الثوار «قصر الشتاء» واعتقل الوزراء ورفرف العلم الأحمر فوق العاصمة بتروغراد.
لم تستسلم القوات المضادة للثورة، فقاد كيرنسكي وحدات عسكرية من القوزاق من مدينة «أوستروف» باتجاه «بتروغراد» إلا أن قوات الثورة استطاعت صد هذا الهجوم ودمرته، وفرَّ كيرنسكي مجدداً.
وفي موسكو وقعت معارك عنيفة بين الطرفين، استطاعت فيها قوى الثوار السيطرة على الكرملين وكذلك في «باكو» وبسكوف» وكييف» «وخاركوف» ومعظم أرجاء سيبيريا حيث تم انتقال السلطة إلى البلاشفة في باقي المناطق بشكل سلمي.
ومع بداية عام 1918م تم تأميم المشاريع الصناعية الكبرى والبنوك. وأعلنت السلطات السوفياتية المساواة والسيادة لشعوب روسيا كلها.
شكل إعلان حقوق العمال والشعوب المستغلة أساس الدستور السوفياتي الأول (1918 م) دستور «جمهورية روسيا الاشتراكية السوفياتية المتحدة»، وفتحت الثورة الروسية صفحة جديدة في تاريخ العالم وبها انقسم العالم إلى نظامين متعارضين: النظام الاشتراكي والنظام الرأسمالي.
وكانت هذه الثورة بداية عصر الثورات الاشتراكية في الدول الرأسمالية وشكلت بالتالي انعطافاً حاسماً في تاريخ البشرية.
في 17 تموز 1998م جرت مراسم دفن رفات نقولا الثاني آخر قياصرة روسيا في كاتدرائية القديسين بطرس وبولس في سانت بيترسبورغ بعد مرور 80 عاماً بالتمام على إعدامه على أيدي البولشفيك. ودفنت معه أيضاً رفات زوجته وثلاثة من بناته وطبيب العائلة وثلاثة من الخدم أعدموا جميعاً في 17 تموز يوليو (1918 م) في يكاترينبورغ.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الثورة السورية

الثورة السورية ثورة أعلنها السوريون عام (1925)م على الحكم الفرنسي. نشبت في جبل الدروز (جبل ...