الحج

الحج
فرض على كل مسلم حر بالغ عاقل مستطيع، واختلفوا في العمرة فقال أبو حنيفة ومالك هي سنة وقال أحمد هي فرض كالحج. وللشافعي قولان أصحهما أنهما فرض. ويجوز فعل العمرة كل وقت بلا كراهة عند أبي حنيفة والشافعي وأحمد. وقال مالك يكره أن يعتمر في السنة مرتين وقال بعض أصحابه يعتمر كل شهر مرة إذا أراد والحج عند الشافعي يستحب المبادرة به لمن وجب عليه فإن أخره جاز فإنه يجب عنده عند التراخي وقال أبو حنيفة ومالك في المشهور عنه وأحمد في أظهر روايتيه يجب على الفور ولا يؤخر إلا لمن لا يستطيعه شرطه الاستطاعة ووجود الزاد والراحلة ومن لم يجدهما وقدر على المشي وله صنعة يكتسب بها استحب له الحج. وإن اضطر إلى السؤال كره له الحج إلا عند مالك فإن من كانت عادته السؤال وجب عليه الحج ومن استؤجر للخدمة أجزأه حجه. إلا عند أحمد ولا يجوز بيع المساكن للحج ولو كان معه ما يكفي للحج وهو محتاج إلى شراء مسكن له تقديم الشراء وتأخير الحج ولا يلزم المرأة الحج إلا متى كان معها من تأمن معه وقال أبو حنيفة وأحمد لا يجوز إلا مع زوجها ويجوز لها في جماعة نسوة.
أركان الحج:
للحج أركان ستة والأحرام والوقوف بعرفة والحلق أو التقصير والطواف والسعي وترتيب الأكثر ولو ترك الحاج واحداً منها بطل حجه. وأما واجبات الحج وهي الإحرام من الميقات والمبيت بمزدلفة وبمنى يومي العيد وأيام التشريق والتحرز من محرمات الإحرام كالصيد وطواف الوداع فإنه لو تركها عمدا أو سهوا صح حجه ولكن عليه فدية وأما عدا ذلك كالغسل للإحرام والتلبية وطواف القدوم ولبس الأبيض والذكر في الطواف والسعي وفي الرمل والاضطباع بثوبه وهو أن يجعل وسط ردائه تحت منكبه الأيمن وطرفيه على عاتقه الأيسر عند الطواف أول ثلاثة أشواط واستلام الحجر الأسود وتقبيله والسجود عليه واستلام اليماني وركعتي الطواف والهرولة في السعي والصعود على الصفا والمروة قدر قامة فهو من السنن إن لم يأت بها صح حجه.
كيفية الحج:
إذا قصد الحاج المدينة أولا فيلزمه أن يحرم بالحج أو بالعمرة من ذي الحليفة وهي قرية قريبة من المدينة، والإحرام هو أن يغتسل ثم يتجرد عن كل ثيابه ويلبس أزاراً ورداء أبيضين ويقول بقلبه ولسانه نويت الحج وأحرمت به للّه تعالى ثم يقول رافعا صوته لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك. والمرأة لا ترفع صوتها. وينبغي للمحرم أن لا يلبس ثوبا مخيطا وأن لا يغطى رأسه وعلى المرأة أن لا تغطي وجهها ولها أن تسدل عليه ثوبا لا يمس البشرة ولا يجوز التطيب ولا الأدهان ولا الجماع ولا مقدماته كتقبيل وغيره ولا الصيد ولا قلع شجر ولا حطبه ولا إزالة الشعر ولا قلم الأظافر. لأن المحرم يجب أن يكون أشعث اغبر يستوي فيه الملك الكبير والصعلوك الحقير.
وأما إن قصد مكة أولاً أحرم متى حاذى ميقاته المخصص له فمن جاء عن طريق الشام فميقاته الجحفة ومن جاء عن طريق العراق فميقاته ذات عرق ومن جاء عن طريق اليمن فميقاته يلملم ومن جاء عن طريق نجد فميقاته قرن. فإن كان الوقت متسعا وكان للحجاج قوة على مشقات الأحرام لحين الحج احرم بالحج وإن كان ضعيفا أحرم بعمرة ويسمى متمتعا وعليه فدية وإن كان الوقت ضيقا أحرم بالحج على الصورة المتقدمة ومكث بمكة إلى اليوم الثامن من ذي الحجة ثم يتوجه إلى جبال عرفة راكبا فيبيت بها ليلة التاسع احتياطيا ووقت الوقوف بها من زوال تاسع الحجة إلى فجر يوم العاشر الذي هو يوم العيد ولو وقف جزءا قليلا من ذلك الزمن الممدود كفاه فيدعو اللّه بما شاء ويلبيه ويمكث كذلك إلى ما بعد الشمس فينفر مع الناس بهدوء وسكينة حتى يصل المزدلفة فينزل بها ويبيت فيها داعيا ملبيا، ويسن أن يأخذ معه منها سبع حصيات قدر أنملة الأصبع ليرمي جمرة العقبة يوم النحر ثم يتوجه إلى منى فيحلق رأسه أو بعضه ولو ثلاث شعرات نتفا ثم يرمي السبع حصيات التي أخذها من المزدلفة وهي جمرة العقبة. ثم يلبس ثيابه ويحل له كل ما أمسك عنه إلا النساء ثم يركب من منى من طلوع النهار فيصل إلى مكة ويطوف بالبيت طواف الإفاضة وهو سبعة أشواط ويجب أن يكون طاهرا من الحدثين الأكبر والأصغر وأن يبدأ بالحجر الأسود جاعلا البيت عن يساره مارا تلقاء وجهه ويسن في هذا الطواف الرمل وهو الإسراع في المشي مع تقارب الخطوات في الأشواط الثلاثة الأولى ويسن الاضطباع بثوبه في الأشواط الثلاثة الأولى ويستلم الحجر الأسود في كل طوفة ويقبله ويستلم اليماني ولا يقبله بل يقبل يده ولا يستلم الشاميين ولا يقبلهما ويقول في جميع طوافه سبحان اللّه والحمد للّه ولا إله إلا اللّه واللّه أكبر ولا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم. ثم يصلي ركعتين سنة الطواف في أي مكان والأفضل كونه خلف مقام إبراهيم ثم يستلم الحجر الأسود ويقبله ثم يخرج من باب الصفا للسعي فيسعى سبعة أشواط من الصفا والمروة ذاهبا آيبا ماشيا بسكينة ووقار إلا ما بين الميل والميلين فيهرول قارئا القرآن في جميع سعيه، وهنا تم الحج كله وحل للحاج كل ما كان ماسكا عنه نفسه حتى النساء، ثم بعد السعي يعود إلى منى فيبيت بها ثلاث ليال إن لم ينفر النفر الأول وإلا فليلتين فيبيت أول ليلة وهي ليلة إحدى عشر من ذي الحجة حتى إذا مضى الزوال من اليوم المذكور أخذ من منى إحدى وعشرين حصاة ولا يأخذها من المرمى ثم يبتديء بالجمرة الأولى وهي التي تلي مسجد الخيف فيرمي إليها سبعا ثم يتوجَّه إلى الجمرة الوسطى فيرمي سبعاً ثم يتوجه إلى جمرة العقبة الكبرى وهي التي رمى إليها يوم النحر فيرمي إليها سبعاً. وفي اليوم التالي وهو اليوم الثاني عشر بعد مبيت ليلته بعد الظهر يفعل مثل اليوم الذي تقدم أي يأخذ من منى إحدى وعشرين حصاة فيرمي إلى الأولى سبعاً وإلى الوسطى سبعا وإلى العقبة سبعاً ثم ينفر مع الناس إلى مكة، ويسن له قبل فراق مكة أن يطوف بالبيت طواف الوداع أو يسمى طواف الصدر.
وبعد إن ذكر كيفية الحج بأركانه وواجباته وسننه معا فليحترس القارىء من أن يظن أن كل ما قلناه فرض لا يجوز ترك واحد منه بل الفرض الذي لا يجوز تركه هو هذا الاحرام والوقوف بعرفة والحلق والطواف والسعي وترتيب الأكثر وتسمى هذه الأعمال أركان الحج وما عداها فمنه واجب ومنه سنة يتم الحج بدونها.
أما حكمة فرض الحج على المسلمين فكثيرة منها أن أصحاب السلطة في المسلمين لو أرادوا أن يستخدموه في إحداث الوحدة الإسلامية لنجحوا فإن اجتماع عشرات الألوف من الوفود في صعيد واحد من سائر أقطار الأرض واتجاه قلوبهم وآذانهم في ذلك الموقف المهيب لكل ما يلقى اليهم يستوجب أن يتأثر الكل بروح واحدة ولا سيما إذا دعوا إلى ما فيه خيرهم فإذا رجعوا لأقطارهم وتشعبوا في قراهم وأمصارهم أذاعوا ما تعلموه بين ذويهم وكانوا لهم كأعضاء مؤتمر عام مشكل من جميع الأجناس والأجيال يجتمع أعضاؤه في كل عام مرة، فأي أثر تقدره لذلك الحادث الجلل في حياة هذه الأمة الضخمة وأية نتائج جليلة ترجوها منه؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

النفقة

النفقة حق الزوجة في النفقة أو الانفاق على الزوجة: والمقصود بالنفقة هنا: توفير ما تحتاج ...