الدولة العثمانية عام(905)هـ

الدولة العثمانية عام(905)هـ
وفي سنة (905) هـ تحرشت مملكة البندقية بتركيا ثانيا فأرسلت أسطولها فاستولى على جزيرة كفالونيا وهاجموا ميناء بريفيزة وأحرقوا قسماً من السفن العثمانية التي كانت راسية بها فأمر السلطان إرسال أسطوله فالتقى بأسطول البنادقة وحدثت بينهما موقعة هائلة كانت نتيجتها اندحار الأسطول الأجنبي وفراره.
ولكنه في فراره هاجم ميناء نافارين فتعقبه الأسطول العثماني فأسر منه ثماني سفن واسترد منهم القلعة وسحق ذلك الأسطول.
هذه الفواجع البحرية أثرت على البندقية أسوأ تأثير فاتحدت مع إسبانيا على مهاجمة الترك فداهمت عمارتها جزيرة كفالونيك واستولت على قلعتها فأرسل الترك أسطولهم فاسترد قلعة مديلي.
هذه المواقع البحرية جعلت البحر الأبيض المتوسط بحراً تركياً.
بلغت تركيا في عهد هذا السلطان مكانة عالية ولكن أولاده تعجلوا للملك وبدا منهم الميل لمنازعته ففرقهم في الولايات فعين الأمير قرقود بإحدى الولايات البعيدة والأمير أحمد على أماسيا والأمير سليم على طرابزون وعين سليمان ابن ابنه سليم على بعض بلاد القرم فلم يقبل ذلك من جده وطلب ولاية قريبة فعينه على سمندرة وودين فلما بلغ أولاده أنه ميز سليمان عنهم ثاروا عليه فأرسل إليهم الجيوش فقمعتهم ولكن ابن سليم كان محبوباً لدى الجنود فحسنوا له الخروج على أبيه فأطاعهم ولكن أباه تغلب عليه فهرب سليم إلى بلاد القرم فتوسل الجنود إلى أبيه وعفا عنه ورضي برجوعه إلى سمندرة وبينما هو عائد إليها إذ قابله الجنود وسهلوا له أمر التمرد فقبل منهم وقاومه أبوه فلم يقو عليه فاضطر للتنازل عن الملك لابنه سليم وطلب أن يذهب إلى مدينة ديموتيقة فشيعه ابنه سائراً بجانب مركبته على قدميه مسافة طويلة إلا أنه لم يصل إليها بل مات في الطريق.
وسبب تولي السلطان سليم مع أنه أصغر إخوته أن رجال الدولة لما طلبوا إلى السلطان التنحي عن العرش لعدم مقدرته على تحمل أعباء الملك وقع انتخابه على ابنه أحمد ووافقه كثير من أعيان الدولة إلا أن الجنود اضطربوا وطلبوا تعيين ابنه سليم فقبله.
في عهد هذا السلطان أرسل إيفان الثالث قيصر روسيا سفيراً إلى السلطان ومعه هدايا فاخرة سنة (1192) م.
السلطان سليم الأول: من سنة (918 إلى 926) هـ كان يلقب بياوز وكان سنه حين تولى الملك (46) سنة وكانت المملكة في أمر مريج فكان الأمير أحمد الولد الأكبر لبايزيد يطالب بحقه في الملك وكان اتبعه جمهور كبير من أمراء الأناضول وفي تلك الأثناء وفد على سليم من كان مقيماً ببروسة من أولاد السلاطين لتقديم واجب الطاعة ولما رجعوا أمر بذبحهم جميعاً وكانوا كثيرين، واتفق أنه قتل أخاه قرقود رغماً عن أنه تنازل عن جميع مدعياته فلما وصل خبر هذه المذابح إلى الأمير أحمد لم يسعه إلا الخضوع فوفد على أخيه معتذراً فأمنه ثم قتله. وكان لهذا الأمير ولدان التجأ أحدهما وهو الأمير مراد إلى الشاه إسماعيل ملك الفرس واحتمى الثاني وهو علاء الدين بقانصوه الغوري ملك مصر فطلبهما سليم ليقتلهما فأبى الملكان تسليمهما فعزم سليم على أخذهما بالقوة وتأهب لقتالهما.
حربه مع العجم: خرج السلطان بنفسه قاصداً بلاد الفرس بعد أن أناب عنه ابنه سليمان وسار هو بجيش يبلغ عدده (140,000) وتقدم في صحارى الفرس فلم يجد من يقاتله فأرسل خطابين للشاه إسماعيل يحرضه على ملاقاته فلم يرد عليه وتركه يتوغل في الصحارى حتى اعترى جيشه الكلال وتكلم بعض القواد في أمر هذه الحملة بما لا يرضاه السلطان فقتلهم ثم قال لجنوده من أراد منكم أن ينام في بيته هادئاً فليرجع وأنا أسير وحدي لملاقاة الفرس ثم أرسل للشاه مكتوباً ثالثاً يحرضه على الخروج إليه فكان بجوابه أن أرسل إليه كأساً به معجون فقابله السلطان بالمثل وأرسل إليه بثوب امرأة ليستفز حميته فعزم الشاه على محاربته وخرج إليه من نحو عدد الجيش التركي كلهم من الفرسان وكان يصحب الشاه أمهر القواد ورجال الدين والدولة ولكن لم يكن معهم أسلحة نارية فقسم الشاه جيشه إلى قسمين جعل قسماً تحت قيادته وقسماً تحت قيادة بعض قواده فهجم الشاه على ميسرة العثمانيين فمزقها كل ممزق وقتل قائدها حسن باشا ولكن الميمنة ثبتت أمام هجمات الفرس وأحدثت مدافعها لهم خسائر فادحة وسرى الضعف إلى قلب جيشهم فقتل منهم عدد كبير فولى الفرس الأدبار بعد أن قتل من أمرائهم اثني عشر أميراً واستولى الترك على ما كان في معسكرهم ووقعت نساء الشاه في قبضة السلطان. ثم تقدم الجيش التركي إلى تبريز فاستولى عليها فأفل بذلك نجم إسماعيل شاه.
ثم عاد سليم إلى بلاده آخذاً معه أمهر صناع الفرس لنشر الصنائع في بلاده وكان معه من الغنائم ما لا يقدر بمال منها التخت (السرير) أو (الكرسي) المرصع الذي يجلس عليه ملوك العجم وهو من أثمن الآثار وأغربها صنعة.
ثم جرد علي كردستان فيلقا تحت قيادة بيقلي محمد باشا وجعل معه المنلا إدريس البتليسي وكان كاتباً للسلطان وأصله من تلك البلاد فأخضعا أمراء الكرد إلا أن الشاه إسماعيل أمد كردستان بالمال والرجال فلما التقى الجمعان انهزم الفرس والكرد ودخلت تلك البلاد في حوزة الترك.
ثم التفت السلطان بعد عودته إلى القسطنطينية فنظم الجندية تنظيماً يضمن له حسن سلوك الجيش كيلا يدب إليه روح التمرد كما حدث في حرب إيران.
لما عاد السلطان سليم إلى القسطنطينية عقب هذه الحرب أرسل إليه ملوك البندقية والمجر وإيطاليا وأسبانيا سفراء يحملون إليه الهدايا ويعربون له عن تهاني ملوكهم وميلهم إلى مسالمته فقبل منهم ذلك.
حربه مع قانصوه الغوري: العلاقات كانت متوترة بين ملوك مصر والسلاطين الترك منذ سنين وزاد هذا الأمر شدة حمايته لابن أخيه الأمير علاء الدين ولما فتح السلطان بلاد ذي القدرية وكانت تلك البلاد حداً فاصلاً بين مصر وتركيا غضب قانصوه الغوري لذلك وطلب من السلطان الترضية فقابله سليم بخطاب كله تهديد ووعيد وأرسل إليه برأس الأمير علاء الدولة أمير بلاد ذي القدرية. فاشتد غضب قانصوه لذلك وتهيأ لتحكيم السيف وأرسل لشاه الفرس من يستثيره للقيام معه فصادف منه هوى في الفؤاد فقابل السلطان كل هذا بجنان ثابت ووجه إلى جهات الفرس سنان باشا ومعه أربعون ألفاً وتوجه هو بنفسه إلى مصر ومعه مائة وخمسون ألفاً وأرسل أسطوله إلى الإسكندرية.
عند ذلك خرج الملك قانصوه بجيش وتوجه به إلى حلب وبينما هو هناك إذ قدم عليه سفيراً السلطان وهما المنلا ركن الدين قاضي عسكر الروميل وقره جه باشا فأمر بالقبض عليهما وسجنهما ثم بعد أيام أفرج عنهما واعتذر إليهما وردهما إلى بلادهما.
ثم اتجه السلطان إلى عينتاب فتقدم إليه واليها المصري المدعو يونس بك مقدماً الطاعة فجعله دليلاً له ثم وصل إلى مرج دابق القريب من حلب في رجب سنة (922) هـ الموافقة لسنة (1516)م فالتقى هنالك بجيوش مصر وبعد مناوشات حدثت موقعة عظيمة انهزم فيها المصريون وقتل قانصوه فغنم السلطان أمواله وذخائره ثم استولى على حلب وحماه وحمص ودمشق وبعد أن مكث بالشام نحو أربعة أشهر سار إلى مصر ففتح في طريقه قلعة القدس وغزة. ثم بلغه أن طومان باي الذي تولي بعد قانصوه يستعد لمقاتلته فأرسل إليه بالكف عن القتال وفي مقابلة ذلك يبقيه على مصر على شرط الاعتراف بالتابعية للترك وضرب السكة باسم السلطان وبذكر اسمه في الخطبة فلم يقبل طومان باي فتقدم إليه السلطان فالتقى الجيشان قريباً من الخانقاه بمكان يسمى الريدانية فحدثت موقعة دموية انهزم فيها طومان باي بعد أن أظهر هو وجنوده من الشجاعة ما لا يوصف رغماً عن عدم وجود الأسلحة النارية بأيديهم وكانت هي أهم أسلحة عدوهم، أسر المصريون في هذه الموقعة سنان باشا فقتله طومان باي ببركة الحج وقتل من أمراء العثمانيين في هذه المعركة محمود بك ويونس بك والي عينتاب الذي خان وغيره ثم التقى الترك بجيش طومان فهزموه بعد أن أظهر المدهشات في الاستبسال وقبض على طومان باي وهو فار إلى الإسكندرية فسجنه السلطان أياماً ثم أطلقه وأباح له الحضور لمجلسه ليسأله عن الشؤون العامة ونوى تركه حياً لولا أن بعض وزرائه خوفه العاقبة فأمر بصلبه على باب زويله فانتهت به دولة الجركس بعد أن حكمت (139) سنة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

دولة الكويت

دولة الكويت تقع دولة الكويت في غرب آسية على الجانب الشمالي الغربي للخليج العربي، وعاصمتها ...