الربا

الربا
هو ربح المال خاصة في الاصطلاح العصري وهو قاعدة من قواعد الشؤون الاقتصادية العصرية وهو محرم في الاسلام قليله وكثيره وعلى الآخذ والمعطي.
حجة أهل أوروبا في حله انه منظم حركة التعامل في العالم ومحدث للتكافل بين أصحاب رؤوس المال وبين أصحاب المشروعات. قالوا هب أن جماعة من المهندسين أمامهم عمل نافع للعالم ووراءه لهم فائدة مالية كبيرة ولكن ليس لديهم مال يعملون به ذلك المشروع الهام فهل عليهم من حرج لو استدانوا مالاً من أصحاب المال الوفير وأربحوهم في كل مئة خمسة أو أربعة وربحوا هم من فضل أموالهم عشرين أو ثلاثين؟ اذا تقاعس أصحاب المشروعات عن اعطاء ربح لأصحاب المال تقاعس هؤلاء عن اقراضهم. ومتى لم يجد أصحاب المشروعات مالاً تعطلت مشروعاتهم ووقفت بذلك حركة صناعات ومشاريع جسيمة وحرم الناس فوائدها ووقفت تبعا لذلك حركة الرقي في الأمة وسبقها غيرها في ميادين المدنية والإرتقاء.
هذه أكبر الشبه التي يقدمها أنصار الربا ويزيدون عليها قولهم: إن الربا المحرم في الشرائع والقوانين الوضعية معا هو الربا أضعافاً مضاعفة والمعنيون بقوله تعالى {لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس}البقرة: 275]هم أولئك العتاة القساة الذين يسكنون القرى والمدن ويقرضون النسوان والضعفاء بفائدة كبيرة ويرتهنون في نظير القرض حلى أولئك النسوة ومساكن أولئك الضعفاء فينتهي الامر بذهاب الرهن وضياع ثروة أولئك العجزة. قال هذا هو الذي حرمه الشرع والوضع والطبع. أما بالنسبة للأعمال الجسيمة التي تحتاج والتكافل ويعوزها التكاتف والتضامن بين أصحاب المال وأهل العلم فلماذا يحرّم ربح المال بهذا المعنى وهو إن أفاد صاحبه 4 في المائة أفاد المقترض 25 أو زيادة؟
هذا قول أنصار الربا فيقال لهم: إن الربا حرام بتاتا قليله وكثيره على آخذه ومعطيه لأن الأدلة متوافرة على تحريمه والقرائن متوازرة على ذلك. منها أن الربا حرم في القرآن بتاتا ولم يعقب تحريمه بتفصيل أو تفريق بين الربا الفاحش والربا المعتدل أو الداخل في حركة المشروعات الجسيمة. ولو كان في تحريمه هوادة لكان ذكره اللّه على النحو الذي ذكر به غيره. ومنها أن هذا الشكل من التعامل بالمال انمحى أثره من الهيئة الاجتماعية الاسلامية في صدر الاسلام ولم يعد أحد يذكره. فان قلت إن حركة المشروعات المدنية إذ ذاك كانت ضعيفة. قلنا قد حدثت بعد ذلك حركة نشيطة للدرجة القصوى ولم يكن الربا من لوازم التعامل فيها مطلقا. بل لم يشعر بالحاجة إليه أحد. هذه الحركة المدنية العربية لو بقيت للآن لما شعر بالحاجة إلى الربا أحد.
كل هذا فيما يظهر لنا لأن البواعث لحركة المدنية العربية والعوامل في تقويمها ليست من جنس البواعث لمدنية الغرب وعواملها. السائق لمدنية الغرب لا ينكره أحدهم ايثار العاجلة وتوفير اللذات الطبيعية الجسمية والذهاب بالابداع الصناعي إلى غاية ليس وراءها غاية. من هذه البواعث نشأت عوامل مناسبة لها وهي المزاحمات والمضاربات واغتناء بيوت لدرجة تكاد تكون خيالية وفقر السواد الأعظم من الامة فقرا مدقعا وصار التآزر بين الأمم تابعا للمصلحة المالية الاقتصادية لا للحق والعدل. والساسة المعاصرون لا يخجلون من التصريح بذلك حتى قالوا إن السياسة لا دين لها ولا خلق.
ولكن المدنية العربية لم تستمد روحها من هذه البواعث ولا نشأ فيها ما ذكرناه من العوامل فالباعث الأول لتكون المسلمين كان لتكوين أمة فاضلة تنصر الحق وتؤيده وتخذل الباطل وتبدده وتدعو إلى كلمة اللّه وتنصرها وتؤدب الطغاة وتسحقهم وتحدث في العالم انقلابا نتيجته الخير والفلاح. قال تعإلى {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون باللّه}[آل عمران: 110]وقال تعالى {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا}[البقرة: 143].
من هذا الباعث الكبير نشأت العوامل الاجتماعية لتلك الحركة المدنية العربية. من آثار تلك العوامل الاندفاع لإحقاق الحق وازهاق الباطل والسعي لاقامة حكومة عادلة تقيم أمر القرآن وتبطل سنة الشيطان. والعمل للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والاجتماع لاقامة الصلوات وبذل الصدقات والتآزر لترقية الروح واعدادها للكمال الاقدس بنشر الفضيلة وبث الحكمة والتساعد لافتتاح الممالك والبلدان بقصد امداد الطائفة الاسلامية بالمادة لتقوى على نشر ما نيط بها من الدعوة للمعروف والنهي عن المنكر لا لتسهيل سبل التجارة وابتزاز المال من الأمم المقهورة كما هو الباعث للاستعمار في هذا القرن.
على أمثال هذه البواعث والعوامل قامت المدنية العربية فدارت فيها حركة الحياة لا على التزاحم والتنافس والمضاربة بل على التراحم والتساهل والملاينة. وأن كلمة تزاحم وتنافس لا يؤاخذ من قالها ولا يلام من عمل بها حتى صارت تكتب فوق الدكاكين لاستجلاب الشارين، بل صارت إسما لألوف مؤلفة من محلات تجارية، كانت هذه الكلمة في أبان الحركة المدنية العربية من المخازي لا يقولها إلا الساقط البعيد عن الفضيلة. ولئن قالها فهمسا في أذن مشاكله ولا يجسر على كتابتها عنوانا لمحل تجارته.
نعم لا أنكر أن هذه العوامل في المدنية العربية لم تكن مراعاة كل المراعاة وأعترف ان أكثر الناس كان يلوكها رياء وسمعة ولكن مما لا يستطاع أن ينكره عليّ احد أنها كانت عوامل تلك الحركة ولا عوامل لها سواها في المبدأ. ثم أقر بأن تلك العوامل انقلبت كلها إلى أضدادها وصار التراحم الاول تزاحما في الحقيقة والتواهب تناهبا في الواقع وآل الأمر بتلك العوامل حتى صارت عين العوامل العصرية ولكن لا ينكر على أحد ان مبدأ استحالة تلك العوامل إلى أضدادها كان أيضاً مبدأ فتور تلك الحركة وسكونها لأنها غير عواملها وسوى بواعثها الأصلية.
من هنا يتضح أن شكل المدنية العربية لا يقتضي وجود الربا فيه ولو كان يقتضيه لنشأ فيه، وأن شكل مدنية العصر الحاضر يقتضي الربا ولا يمكن سلامته منه كما يتضح لكل متأمل في حركة آلاتها الحيوية فان كنا نريد مدنية انسانية بواعثها التراحم والتواهب والتضامن في الحياة والتكافل في المعائش والتآزر بين جميع أفراد الأمة لإيصال أنفسهم إلى كمال مقدس ونيل سعادة روحية تامة وهذا يقتضي عقيدة باللّه واليوم الآخر وبالرسل، إن أردنا هذا الشكل من المدنية ارتفع الربا من بيننا وزال أثره. وإن أردنا مجاراة أوروبا في حركتها والاستمداد بفضل حياتها والدخول في حزبها، بل والفناء في جسم شعوبها فلنجعل الربا أصلاً من أصول مذاهبنا الاقتصادية.
إن قلت وكيف العمل والحركة قد خرجت من أيدينا وصار وقفها في غير وسعنا؟ نقول: لا، هذه كلمة عجز فإن في كل أمة من أمم الأرض رجالاً يقال لهم الاشتراكيون لهم في علم الاقتصاد مبادىء عالية يكاد مذهبهم يعد خيالياً انظر:
ـ اشتراكية ـ ـ مادة ـ ـ شرك ـ ومع ذلك فهم يدافعون عن مبدئهم ويكسبون كل يوم أحزاباً على أن مذاهبهم لم تزل نظرية محضة. وبعد إن طبقت الشيوعية في الاتحاد السوفييتي لحقول، تهاوت وثبت فشلها. أفلا نساويهم نحن في ثباتهم هذا ونضمر في أنفسنا عقيدة راسخة بسمو مبادئنا على مبادىء هذه المدنية ونزيد تلك العقيدة كل يوم قوة بأبحاث جديدة وكتابات سديدة حتى نهيء الرأي العام لقبولها انتظارا للفرص كما ينتظر اشتراكيو أوروبا الفرص أيضاً؟ على أن الفرق بيننا وبين الاشتراكيين أن مذهبهم لم تؤيده التجربة للآن ومذهبنا قامت به أمة قرونا عديدة كانت فيها مثال الكمالات والحياة والأبهة الاجتماعية فما معنى تأويلنا لنصوص كتابنا بعد هذا لتنطبق على أصول مدنية أوروبا في جهاتها السقيمة؟ وما معنى تحليلنا لما حرم في ديننا القويم لنطبق على مبادىء معوجة لا حياة لها إلا في دور من أدوار الانسانية دون سواه؟
لعل قائلاً يقول هذا الكلام جيد، ولكنه إلى الخيال أقرب. نقول لا يصح أن نريح أنفسنا من حيث يتعب الكرام فان كنا في دعوتنا إلى دين متين قامت الأدلة على حقيقته وشهد الوجود بعلو مكانته ننسب إلى الخيال فبماذا يصف معارضنا اشتراكي أوروبا وهم يدعون إلى أصول تنافي أصول مدنية أووربا الاقتصادية بالمرة؟ على أن تلك الأصول لم تطبق على أمة للآن ومع ذلك فهم دائبون على نشر مذهبهم وأعداد النفوس لقبوله حتى صار لهم الآن الأغلبية في بعض الممالك؟ هل كانت أصول ديننا أدنى من أصولهم أم اسعفتهم التجربة بما لم تسعفنا؟ ألا يصعب على انفسنا أن نرتاح من حيث تعب الكرام؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

النفقة

النفقة حق الزوجة في النفقة أو الانفاق على الزوجة: والمقصود بالنفقة هنا: توفير ما تحتاج ...