الصهيونية المسيحية

الصهيونية المسيحية
كانت المسيحية الكاثوليكية تتمسك بنظرية القديس أوغسطين بأن ما ورد في الكتاب المقدس بشأن مملكة الله قائم في السماء وليس على الأرض، وبالتالي فإن القدس وصهيون ليسا مكانين محددين على الأرض لسكن اليهود، ولكنهما مكانان سماويان مفتوحان أمام كل المؤمنين بالله. بعد حركة الإصلاح الديني وضعت تفسيرات أخرى تقول بالواقع الأرضي لمملكة الله، وبوعد الله المقدس لليهود وبوكالتهم عن الله في إقامة مملكته، وبالعودة الثانية للمسيح وشروطها، وبالألفية وحتميتها.
ومنذ منتصف عام 1600 م، بدأت الحركة البروتستنتية دعوة اليهود إلى مغادرة أوروبا والعودة إلى فلسطين لإقامة مملكة الله. أوليفر كرمويل راعي الكومنولث البريطاني في انطلاقته الأولى دعا إلى تهويد فلسطين تمهيداً لعودة المسيح. وفي عام 1655 م نشر كتاب للقس البروتستني الألماني بول فليجن هوفر قال فيه: «إن اليهود سوف يتحولون إلا المسيحية بمجرد الظهور الثاني للمسيح لأنهم سوف يعتبرونه واحداً منهم، وإن من مستلزمات هذا الظهور الثاني عودة اليهود إلى البلد الذي منحهم الله إياه عبر إبراهيم وإسحاق ويعقوب.
وهكذا تكونت الأدبيات الدينية التي تجعل من اليهود مؤتمنين على الخطة الإلهية التي يتحدد بمقتضاها مصير البشر جميعهم، والتي تجعل من إقامة دولتهم المدخل الوحيد الذي لا بد منه للعودة الثانية للمسيح، وهي العودة التي تحسم مصير صراع الإيمان والكفر، والتي تنتهي بانتصار المسيح وسيادته على العالم مدة ألف عام ومن ثم تقوم الساعة.
من خلال هذه الأدبيات أصبح الإيمان بمساعدة اليهود في إقامة دولة في فلسطين نوعاً من العبادة التي تعبر عن المشاركة الإنسانية في تحقيق الإرادة الإلهية، حتى إن اللورد أنطوني أشلي كوبر الإصلاحي الإنكليزي الشهير قال في عام 1839 م: إن اليهود رغم أنهم غلاظ القلب وغارقون في المعصية وينكرون اللاهوت فإنهم ضروريون بالنسبة للأمل المسيحي في الخلاص». والرغبة في الخلاص المسيحي كانت الحافز الديني وراء قيام الحركة الصهيونية المسيحية بمعنى مساعدة اليهود على إقامة دولتهم في فلسطين بالذات. وحتى لا يتعرض الضمير المسيحي البروتستنتي إلى أي عذاب، رفع اللورد كوبر الشعار الذي تبناه من بعده كل الصهاينة المسيحيين وهو أن فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض. تولى الترجمة العملية الأولى لهذا الشعار اللورد بالمرستون، وزير الخارجية البريطانية في ذلك الوقت (وكان عم اللورد كوبر) وذلك من خلال إنشاء قنصلية بريطانية في القدس في عام 1839 م، وتعيين وليم يونغ أحد المؤمنين بالصهيونية المسيحية نائباً عاماً للقنصل، وقد حددت مهمة نونغ برعاية مصالح اليهود وحمايتهم وتسهيل إقامتهم وتشجيع عودتهم. في ذلك الوقت كان عدد اليهود في فلسطين كلها، والتي كانت جزءاً من الأمبراطورية العثمانية، يبلغ حسب وثائق القنصلية البريطانية حق حماية اليهود الأجانب في فلسطين بموجب اتفاق إذعان فرض على السلطنة العثمانية إلا أن الحماية البريطانية سملت اليهود العثمانيين أيضاً أدى هذا الأمر لأول مرة في التاريخ الحديث إلى اعتبار إلى اعتبار كل اليهود أمة واحدة مهما اختلفت إثنياتهم وجنسياتهم.
في السادس من شباط (فبراير) 1985 م، ألقى بنجامين بتنياهو، وكان وقتها سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة، خطاباً في الجمعية العامة للمنظمة الدولية قال فيه: «إن كتابات المسيحيين الصهيونيين من الإنكليز والأميركان، أثرت بصورة مباشرة على تفكير قادة تاريخيين مثل لويد جورج وآرثر بلفور وودرو ويلسون، في مطلع هذا القرن. إن حلم اللقاء العظيم أضاء شعلة خيال هؤلاء الرجال، الذين لعبوا دوراً رئيسياً في إرساء القواعد السياسية الدولية لإحياء الدولة اليهودية».
بعد 88 عاماً على المؤتمر الصهيوني الأول، عقد في نفس المدينة السويسرية بال، وفي الفندق نفسه، وفي القاعة ذاتها من الفندق، وفي شهر آب (أغسطس) أيضاً، مؤتمر صهيوني، من نوع آخر ضمَّ الكنائس الإنجيلية التي تعتبر قيام «صهيون» أمراً لا بد منه تمهيداً للعودة الثانية للمسيح.
وجه الدعوة إلى «المؤتمر الصهيوني المسيحي» الدكتور دوغلاس يونغ مدير المعهد الأميركي لدراسات الأرض المقدسة، وترأسه الدكتور فان ديرهوفين رئيس الكنيسة الإنجيلية الهولندية وحضر المؤتمر التأسيسي 589 شخصية دينية من الولايات المتحدة وأوروبا، ومن كنائس مماثلة في دول أفريقية وآسيوية أخرى بلغ عددها 27 دولة.
ومنذ ذلك الوقت يعقد مؤتمران في شهر آب (أغسطس) الأول للحركة الصهيونية ـ اليهودية استكمالاً لمسيرة المؤتمر الأول الذي نظمه ثيودور هرتزل في عام 1897 م والثاني للحركة الصهيونية المسيحية الذي أعدَّه دوغلاس يونغ في عام 1985 م.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الغنوصية

الغنوصية هذه الكلمة Gnosticisme يونانية الأصل معناها: المعرفة الباطنية لعلم ما فوق الحس. فهي فلسفة ...