العصر الجاهلي ما قبل الإسلام

العصر الجاهلي ما قبل الإسلام
كتب المسيو (جول لابوم) في مقدمة فهرسته الذي جمع فيه الآيات القرآنية الشريفة المتماثلة تحت عنوان محمد ما يأتي:
لأجل أن يفهم الإنسان تمام الفهم أي دعوة من الدعوات يلزمه أولا الإلمام بحال الداعي في ذاته. ولأجل أن يقدر قدر دعوته يجب عليه أن يدرس الجهة البشرية التي وجه همته للتأثير عليها. هذا هو الغرض من هذه النبذة الوجيزة التي خصصناها للمشرع العربي مؤسس ما يمكن تسميته بالجامعة الإسلامية.
»حول ميلاد محمد » في القرن السادس الميلادي كان جو العالم متلبدا بغيوم الاضطرابات والفتن فكان شعب (الويزيغو) الآريين في إسبانيا وفرنسا الجنوبية يحاولون الوصول إلى الملك وأما (كلوفيس) وأولاده الكاثوليكيين فكانوا من أجل ذلك يطلبون مساعدة أمبراطور مملكة الرومان الشرقية المدعو (جوستينيان) ثم جبروا إلى الدخول معه في حرب جديدة تخلصا من سلطة القواد الذين جاؤوهم بتلك المساعدة فقد كانوا يزعمون أن لهم حق الفاتحين لا مجرد ولاء المساعدين المحامين.
»أما في فرنسا نفسها فكان أولاد (كلوفيس) هذا متغادرين متسافكين وكانت الحروب التي شبت نيرانها بين الملكة الوزيغوتية (برونهو) والملكة الفرنكية (فيريديجوند) تهيء للتاريخ أشد الصحائف إثارة للأسى والكمد.
»أما في إنجلترا فكان (الأنجلو) ينازعون (السكسونيين) الأرض التي احتلوها واستبعدوا فيها ذرية (كيمريس) وهم أقدم المغيرين على تلك الجزيرة التي تتطلع اليوم للوقوف في مقدمة الأمم علما وصناعة وقوة، وهي التي كانت في ذلك الوقت مجالا للقوة الوحشية السائدة في تلك الغياهب الحالكة.
»أما في إيطاليا فكان اسم (الرومان) وهو ذلك الاسم الشامخ قد فقد أهميته القديمة وكانت رومة وهي الشظية الأخيرة أو رأس ذلك التمثال المتهشم (يعني مملكة الرومان) في حالة تململها من استحالة أمرها إلى مركز ديني بسيط ترتج وتضطرب كلما ألم بها طائف من ذكرى عظمتها القديمة أيام كانت مركزا دينيا أصليا فكانت تهيء نفسها لأن تكون مركز البابوية وهي تلك السلطة الزمنية كما اقتضت سياسة (شرلماني) أن يجعلها كذلك بعد قرنين من الزمان، ولكنها بعد ذلك لم يسعها حمل نير (الهيروليين)(والأستروغوتيين) وأمبراطورة المملكة الرومانية (واللومبارديين) الذين تداولوا السلطة عليها تداولا.
»أما مملكة اليونان التي كانت قد نسيت مجدها القديم فكانت تابعة لمملكة الرومان الشرقية مثلها منها كمثل الزينة ذات الضوضاء. وكان شرق أوروبا مقلقا جنوبها من أول مصب نهر (الران) من جهة الغرب لغاية مصب نهر (الدانوب) من جهة الشرق. فكان (الاسكندينافيون) و(النورفيجيون) و(الدانيماركيون) يتزاحمون في الطريق الذي سلكه (الجوتيون) و(الهونيو) الذين احتلوا (تارس) و(مقدونيا) و(لومبارديا) و(إيطاليا) سواء بالقوة أو بالخديعة.
»في ذلك الوقت بدأ ظهور الأتراك من أعماق آسيا الصغرى وهي تلك الأمة التي قصرت فيما بعد مملكة اليونان على أسوار القسطنطينية».
»التصوير البديع الذي جادت به قريحة المسيو (رينان) لبيان مركز الأمبراطورية الرومانية في القرن الأول من التاريخ المسيحي لا علاقة له البتة بالتصوير الممكن عمله لتجلية حال أوروبا في القرن السادس: تلك كانت مفاسد قيصرية مختمرة. أما هذه فوحشية حربية تلعب بالأرواح وتتمرغ في الأوحال.
»أما آسيا فلم تكن أهدأ بالا من أوروبا في شيء. فمملكة (تبيت) والهند التي اقتبست منها الأمم السائدة في أوروبا الآن قرائحها وأفكارها العامة ولغاتها، والصين التي تعد مسألتها أغرب المسائل السياسية والفلسفية، وبالاختصار أغرب المسائل الاجتماعية. كانت هذه الممالك كلها متمزقة الأحشاء بالحروب الداخلية والخارجية المتضاعفة بالمنازعات الدينية أما السفح الشمالي من الهضبة الآسيوية العالية التي هي في حوزة روسيا الآن فكانت غير معروفة على الإطلاق. أما مملكة الفرس التي كانت أحوالها مرتبطة بأحوال العرب خصوصا من لدن الإسكندر المقدوني فكانت مشتبكة في حروب مع اليونان الرومانيين في القسطنطينية الذين كانوا أصحاب السلطة في آسيا الغربية.
»أما في أفريقيا فكان هؤلاء اليونان الرومانيون أنفسهم وهم أخلاط من عساكر وتجار وحكام مجموعون من آفاق مختلفة دائبين على امتصاص دم القطر المصري وعاملين على جعل مصر العلمية ذات المجد القديم كالجثة المصبرة عديمة الحس والحراك وكان هذا شأنهم أيضاً في الأقاليم الخصبة وقتئذ الواقعة في الجهات الشمالية من أفريقيا التي انتزعوها من أيدي (الفنداليين).
»والخلاصة كان جو العالم الأرضي متلبداً بسحب الاضطرابات الوحشية في كل جهة، وكان اعتماد الناس على وسائل الشر أكثر من اعتمادهم على وسائل الخير، وكان أجمع الرؤساء للثقة والطاعة أشدهم صيحة في أصلاء نيران الحروب والمعارك ولم يكن يأخذ بعواطف القلوب ولا يؤثر عليها تأثيرا حادا وإن كان وقتيا إلا شيء واحد وهو الغنيمة وسلب الأمم والشعوب والمدائن والأعيان ورجال الحروب وفقراء الحراثين وبسطاء المتسولين. ولولا شعاع ضئيل من الحكمة كان يتألق في بعض صوامع الكهنة وبعض الجراثيم الفلسفية التي كانت بمعزل عن أعاصير تلك المشاغب وانتقلت من روح إلى روح أخرى بواسطة بعض أصحاب الجسارة من رسل الرقي في المستقبل لكانت البربرية أسرعت في خطاها مقودة بغطرسة زعماء البهيمية واستحالت إلى وحشية محضة.
»مع هذا كله كان هنالك ركن من أركان الأرض لم يصبه لفحة من هذه الحركة ولكن لم يكن ذلك لحكمة أهله ورجاحة عقولهم. بل بسبب موقعهم الجغرافي البعيد عن مضطرب الأمم التي كان يقال أنها متمدنة. ذلك الركن هو شبه جزيرة العرب التي ما كانت تسمع انفجار أعاصير تلك الفتن الهائلة في أوروبا إلا عن بعد وما كان يصلها ذلك اللغط إلا في غاية الضعف والضؤولة. وكانت تجهل وجود الهند والصين فلا تتعدى علاقاتها مع آسيا حدود بلاد الفرس، ولم تعرف لديها الفرس ألا بواسطة أخبار الانتصارات أو الهزائم التي كان من ورائها رد بعض الوديان العربية القريبة من روسيا إلى تبعية أمبراطورة القسطنطينية تبعية اسمية، أو رفع نير تلك التبعية الإسمية عنها، على أن ذلك الوادي الأخير كان يهم بلاد العرب جدا لأن أبناءها كانوا يذهبون إليه للتجارة وكان لها فيه أبناء استعمروا الشاطىء الغربي من نهر الفرات وصعدوا رويدا رويدا إلى بحر قزوين. ومما يشبه المساتير الدينية أنها بقيت منفصلة عن القطر المصري الذي أغار على جنوبه العرب الرعاة ولم ينجلوا عنه تماما إلا بعد أن انجلى عنه بعض إخوانهم المتأخرين وهم الإسرائيليون تحت قيادة موسى (عليه السلام) حينما استرد المصريون السلطة وعاملوهم معاملة البهائم.
»أما المملكة الوحيدة التي كان بينها وبين العرب صلة وعلاقه فهي بلاد الحبشة أما الجهة الشمالية من أفريقيا التي أغاروا عليها مرتين والتي كانت بجانبهم نقطة النزاع بين الرومانيين والقرطاجيين وبين يونان القسطنطينية والفنداليين فكانوا لا يحلمون بوجودها.
ثم قال: قال المسيو (كوسان دوبر سوفال) في كتاب تاريخ العرب: »إن المتحضرين من عرب البحرين والعراق كانوا خاضعين للفارسيين أما المتبدون منهم فكانوا في الحقيقة أحرارا لا سلطة عليهم وكان عرب سوريا دائنين للرومان. أما قبائل بلاد العرب الوسطى والحجاز الذين ساد عليهم التبابعة وهم ملوك بني حمير سيادة وقتية فكانت تعتبر أنها سيادة ملوك الفرس ولكنها في الحقيقة كانت متمتعة بالاستقلال التام الذي لا غبار عليه».
ثم قال (جول لابوم): »ولم يكن العرب أحسن استعدادا من غيرهم لقبول أي دين من الأديان قال المسيو »دوزي» في كتابه »تاريخ عرب أسبانيا»: كان يوجد على عهد محمد في بلاد العرب ثلاث ديانات الموسوية والعيسوية والوثنية. فكان اليهود من بين أتباع هذه الأديان أشد الناس تمسكا بدينهم وأكثرهم حقدا على مخالفي ملتهم، نعم يندر أن تصادف اضطهادات دينية في تاريخ العرب الأقدمين ولكن ما وجد فمنسوب إلي اليهود وحدهم. أما النصرانية فلم يكن لها أتباع كثيرون. وكان المتمذهبون بها لا يعرفونها إلا معرفة سطحية. وكانت هذه الديانة تحتوي على كثير من الخوارق والأسرار بحيث يعز أن تسود على شعب حسي كثير الاستهزاء. أما الوثنيون الذين كانوا هم السواد الأعظم من الأمة الذين كان لكل قبيلة بل أسرة منهم آلهة خاصة والذين كانوا يصدقون بوجود اللّه تعالى ويعتبرون تلك الآلهة شفعاء هم لديه فقد كانوا يحترمون كهانهم وأصنامهم بعض الاحترام. ولكنهم مع ذلك كانوا يقتلون الكهان متى لم يتحقق إخبارهم بالمغيبات أو لو عولوا على فضحهم عند الأصنام أن قربوا لها ظبية بعد أن نذروا لها نعجة وكان من العرب من كان يعبد الكواكب وخصوصا الشمس. فكنعان كانت تدين للقمر وللدبران وبنو لخم وجرهم كانوا يسجدون للمشتري وكان الأطفال من بني عقيل يدينون لعطارد وبنو طي يدعون سهيلا وكان بنو قيس عجلان يتوجهون للشعرى اليمانية. وكان علمهم بما وراء الطبيعة على نسبة أفكارهم الدينية. قال (كوساه دوبرسوفال) في كتابه تاريخ العرب: كان من يعتقد بفناء الإنسان إذا خلعته المنون من هذا العالم، ومنهم من كان يعتقد بالنشور في حياة بعد هذه الحياة. فكان هؤلاء إذا مات أحد أقربائهم يذبحون على قبره ناقة أو يربطونها ثم يدعونها تموت جوعا معتقدين أن الروح لما تنفصل من الجسد تتشكل بهيئة يسمونه الهامة أو الصدى وهي نوع من البوم لا تبرح تطير بجانب قبر الميت نائحة ساجعة تأتيه بأخبار أولاده فإذا كان الفقيد قتيلا تصيح صداه قائلة: »اسقوني» ولا تزال تردد هذه اللفظة حتى ينتقم له أهله من قاتله بسفك دمه».
قال المسيو لابوم بعد إيراده هاتين الجملتين عن الأستاذين السابقين: »وكانت طباع العرب وأخلاقهم لا تدل الناظر إليها إلا على أنهم شعب لم يكادوا يجوزون العقبة الأولى من عقبات الاجتماع لو لم تكن الأسرة عندهم بل القبيلة أيضاً ـ وهي نقطة تستلفت النظر تهتم اهتماماً عظيماً بحفظ سلسلة نسبها ولو لم يكن ـ وهو أمر أغرب من سابقه ـ إدراكهم للقوانين وسعة لغتهم من جهة أخرى داعيا إلى الالتفات بنوع أخص». ثم قال مباشرة: قال المؤلف يحقق الذي اقتبسنا منه أكثر هذه المعتقدات المتقدمة: كان العرب مغرمين بشراب الراح.
ويوجد في الشعر ما يدل على أنهم كانوا يفرحون به وبلعب الميسر. وكان عندهم أن الرجل له أن يتزوج من النساء بقدر ما تسمح له به وسائله المعيشية، وكان له أن يطلقهن متى شاء هواه، وكانت الأرملة تعتبر من ضمن ميراث زوجها، من هنا نشأت تلك الارتباطات الزوجية بين أولاد الزوج ونساء الأب وقد حرم ذلك الإسلام وعده زواجاً ممقوتاً… وكان هنالك عادة أفظع من كل ما مر وأشد معارضة للطبيعة وهي وأد الأهل لبناتهم (أي دفنهنَّ أحياء).
»هذا كله لا يشير إلى أن العرب لم يكن فيهم أي خصال خلقية صالحة يمكن تقويمها وتهذيبها، فقد كانوا يحبون الحرية حبا جما ويمارسون فعائل الكرم وبذل القرى».
»الأفراد الذين كانوا تابعين لأمم أرقى من الأمة العربية والذين كانوا مبعثرين هنا وهناك من جزيرة العرب كانوا قليلي العدد جدا ولا يظهر أنهم كلفوا أنفسهم بوظيفة الدعوة إلى مللهم فاليهود الذين كانوا متشبعين بالأثرة الشعبية على مثال الصينيين واليابانيين والمصريين لا يرى منهم لليوم خاصية التأثير على غيرهم إلا بالخضوع لقوانين الأمة التي يشتغلون تحت ظل حمايتها بالأمور المالية. ولئن شوهد أنهم أدخلوا إلى ملتهم بعض العرب. فلم يكن ذلك إلا نتيجة بسيطة لاشتراكهم في الأساطير التاريخية، وهو اشتراك يدل على قرابة قريبة بين الأمتين، تلك القرابة يستدل عليها أيضاً بتساويهم في حب الكسب وتآزيهم في الاستعداد لعدم الأنفة من سلوك أي طريق من الحيل والمكر لنيل كسب أو حطام ولا ينتظرون أن يكون من نتيجة الاجتماع بهذه الاعتبارات أدنى ترق أدبي. أما المسيحيون فكانوا يفدون شيئا فشيئا إلى بلاد العرب هربا من الاضطهادات الدينية التي كانت في مملكة الرومانيين ولكن لم يكن في حالهم نور يستلفت البصر تألقه، وفي حالة مسيحي الحبشة اليوم نموذج لذلك، فإنه لا يمكن أن يتحلى الإنسان بمدركات العقائد السامية من دين بمجرد التسليم بنص تلك العقائد.
»في عهد هذه الأحوال الحالكة وفي وسط هذا الجيل الشديد الوطأة ولد محمد بن عبد اللّه في 29 أغسطس سنة 570» انتهى.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

أهل الصفة

أهل الصفة كانوا قوما من الفقراء قيل كان يبلغ عددهم أربعمائة كانوا منقطعين في مسجد ...