القرامطة

القرامطة
هم فرقة من الباطنية نسبوا إلى حمدان قرمط. ولا بدّ لنا من ذكر طرف من تاريخ الباطنية.
«فضائح الباطنية أكثر من عدد الرمل والقطر وقد حكى أصحاب المقالات أن الذين أسسوا دعوة الباطنية جماعة، منهم ميمون بن ديصان المعروف بالقداح وكان مولى لجعفر بن محمد الصادق وكان من الأهواز منهم محمد بن الحسين الملقب بذيذان وميمون بن ديصان في سجن والي العراق أسسوا في ذلك السجن مذاهب الباطنية ثم ظهرت دعوتهم بعد خلاصهم من السجن من جهة المعروف بذيذان وابتدأ بالدعوة من ناحية فدخل دينه جماعة من أكراد الخيل من أهل الجبل المعروف بالبدين ثم رحل ميمون بن ديصان إلى ناحية المغرب وانتسب في تلك الناحية إلى عقيل بن أبي طالب وزعم أنه من نسله. فلما دخل في دعوته قوم من غلاة الرفض والحلولية منهم ادعى أنه من ولد محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق فقبل الأغبياء ذلك منه على خلاف قول أصحاب الانتساب فإن محمد بن إسماعيل بن جعفر مات ولم يعقب.
«ثم ظهر في دعوته إلى دين الباطنية رجل يقال له (حمدان قرمط) لقب بذلك لقرمطته في خطه أو في خطوه وكان في ابتداء أمره أكارا من أكرة سواد الكوفة وإليه تنسب (القرامطة).
ثم ظهر بعده في الدعوة إلى البدعة أبو سعيد الجنابي وكان من مستجيبة حمدان (قرمط) وتغلب على ناحية البحرين ودخل في دعوته بنوسنير. ثم لما تمادت الأيام بهم ظهر المعروف منهم بسعد بن الحسين بن أحمد بن عبد اللّه بن ميمون بن ديصان القداح، فغير اسم نفسه ونسبه وقال لاتباعه: أنا عبيد اللّه بن الحسن بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، ثم ظهرت فتنته بالمغرب. وبنوه اليوم مستولون على أعمال مصر (يريد الخلفاء الفاطميين) وظهر منهم المعروف بابن كرويه بن مهرويه الأنداني وكان من تلامذة حمدان قرمط وظهر مأمون أخو حمدان قرمط بأرض فارس. قرامطة فارس يقال لهم المأمونية من أجل ذلك ودخل أرض الديلم رجل من الباطنية يعرف بأبي حاتم، فاستجاب له جماعة من الديلم، منهم أسفار بن شرويه وظهر بنيسابور داعية لهم يعرف بالشعراني فقتل بها في ولاية أبي بكر بن محتاج عليها. وكان الشعراني قد دعا الحسين بن علي المروزي، قام بدعوته بعده محمد بن أحمد النسفي داعية أهل ما وراء النهر، وأبو يعقوب السجزلي المعروف ببندانه، وصنف النسفي لهم كتاب المحصول وصنف لهم أبو يعقوب كتاب أساس الدعوة وكتاب تأويل الشرائع وكتاب كشف الأسرار، وقتل النسفي والمعروف ببندانه على ضلالتهما.
«وذكر أصحاب التواريخ أن دعوة الباطنية ظهرت أولا، في زمان المأمون، وانتشرت في زمان المعتصم، وذكر أنه دخل في دعوتهم الأفشين صاحب جيش المأمون وكان مراهناً لبابك الخرمي، وكان الخرمي مستعصماً بناحية البدين، وكان جبل الخرمية على طريقة المزدكية فصارت الخرمية مع الباطنية يداً واحدة واجتمع مع بابك من أهل البدين وممن انضم إليهم من الديلم مقدار ثلاثمائة ألف رجل. وأخرج الخليفة لقتالهم الأفشين فظنه ناصحا للمسلمين وكان في سره مع بابك وتوانى في القتال معه ودله على عورات عساكر المسلمين وقتل الكثير منهم ثم لحقت الأمداد بالأفشين ولحق به محمد بن يوسف الثغري وأبو دلف القاسم بن عيسى العجلي ولحق به بعد ذلك قواد عبد اللّه بن طاهر، واشتدت شوكة البابكية والقرامطة على عسكر المسلمين حتى بنوا لأنفسهم البلدة المعروفة ببيرزند خوفاً من بيات البابكية، ودامت الحرب بين الفريقين سنين كثيرة إلى أن أظفر اللّه المسلمين بالبابكية، فأسر بابك وصلب بسر من رأى سنة (223) هـ ثم أخذ أخوه إسحاق وصلب ببغداد مع المازيار صاحب المحكرة بطبرستان وجرجان، ولما قتل بابك ظهر للخليفة غدر الأفشين وخيانته للمسلمين في حروبه مع بابك فأمر بقتله وصلبه فصلب لذلك.
«وذكر أصحاب التواريخ أن الذين وضعوا أساس دين الباطنية كانوا من أولاد المجوس وكانوا مائلين إلى دين أسلافهم ولم يجسروا على إظهاره خوفاً من سيوف المسلمين فوضع الإغمار منهم أساساً من قبلها منهم صار في الباطن إلى تفضيل أديان المجوس وتأولوا آيات القرآن وسنن النبي عليه السلام على موافقة أساسهم.
ثم أن الباطنية لما تأولت أصول الدين على الشرك احتالت أيضاً لتأويل أحكام الشريعة على وجوه تؤدي إلى رفع الشريعة أو إلى مثل أحكام المجوس. والذي يدل على أن هذا مرادهم بتأويل الشريعة قد أباحوا لاتباعهم نكاح البنات والأخوات وأباحوا شرب الخمر وجميع اللذات.
«ويؤكد ذلك أن الغلام الذي ظهر منهم بالبحرين والإحساء بعد سليمان بن الحسين القرمطي سن اللواط، وأوجب قتل الغلام الذي يمتنع على من يريد الفجور به، وأمر بقطع يد من أطفأ ناراً بيده وبقطع لسان من أطفأها بنفخه. وهذا الغلام هو المعروف بابن أبي زكريا الطامي وكان ظهوره في سنة (219) هـ وطالت فتنته إلى أن سلط اللّه تعالى عليه من ذبحه على فراشه.
«ويؤكد ما قلناه من ميل الباطنية إلى دين المجوس أنا لا نجد عل ظهر الأرض مجوسياً إلا وهو مواد لهم منتظر لظهورهم على الديار يظنون أن الملك يعود إليهم بذلك.
وفي آخر سنة (1240)ق.م للإسكندر ثم من تاريخ زرادشت ألف وخمسمائة سنة وما عاد فيها ملك الأرض إلى المجوس، بل اتسع بعدها نطاق الإسلام في الأرض، وفتح اللّه تعالى للمسلمين بعدها بلاد ساعون وأرض التيبت وأكثر نواحي الصين، ثم فتح لهم بعدها جميع أرض الهند من لمفات إلى قنوح وصارت أرض الهند إلى سيترسيفا بحرها من رقعة الإسلام في أيام يمين الدولة أمين الملة محمود بن سبكتكين رحمه اللّه.
ثم قال: «ثم إن الباطنية خرج منهم عبيد اللّه بن الحسن بناحية القيروان وخدع قوماً من كتامة وقوماً من المصامدة وشرذمة من أغنام بربر بجبل ونيرنجات أظهر لهم كرؤية الخيالات بالليل من خلف الرداء والأزار وظن الأغمار أنها معجزة له فتبعوه لأجلها على بدعته فاستولى بهم على بلاد المغرب، ثم خرج المعروف منهم بأبي سعيد الحسن بن بهرام على أهل الإحساء والقطيف والبحرين فأتى بأتباعه على أعدائه وسبى نساءهم وذراريهم وأحرق المصاحف والمساجد، ثم استولى على هجر وقتل رجالها واستعبد ذراريهم ونساءهم.
«ثم ظهر المعروف منهم بالصناديقي باليمن، وقتل الكثير من أهلها حتى قتل الأطفال والنساء وانضم إليه المعروف منهم بابن الفضل في اتباعه. ثم إن اللّه تعالى سلط عليهما وعلى أتباعهما الأكلة والطاعون فماتوا بهما.
«ثم خرج بالشام حفيد لميمون بن الصبان يقال له أبو القاسم بن مهرويه، وقالا: لمن تبعهما هذا وقت ملكنا، وكان ذلك سنة (289) هـ فقصدهم سبك صاحب المعتضد، فقتلوا سبكا في الحرب، ودخلوا مدينة الرصافة، وأحرقوا مسجدها الجامع، وقصدوا بعد ذلك دمشق فاستقبلهم الحمامي غلام بن طيون، وهزمهم إلى الرقة فخرج إليهم محمد بن سليمان كاتب المكتفي في جند من أجناد المكتفي فهزمهم وقتل منهم الألوف، فانهزم الحسن بن زكريا بن مهرويه إلى الرملة، فبعث به وبجماعة من أتباعه إلى المكتفي، فقتلهم ببغداد في الشارع بأشد عذاب، ثم انقطع بقتلهم شوكة القرامطة إلى سنة (310) هـ.
«وظهر بعدها فتنة سليمان بن الحسن في سنة (311) هـ فإنه كبس فيها البصرة وقتل أميرها سبكا المقلجي، ونقل أموال البصرة إلى البحرين.
«وفي سنة (312) هـ وقع على الحجيج في المتهيبر لعشر بقين من المحرم، وقتل أكثر الحجيج وسبى الحرم والذراري ثم دخل الكوفة في سنة (313) هـ فقتل الناس وانتهب الأموال وفي سنة (315) هـ حارب ابن أبي الساج وأسره وهزم أصحابه.
«وفي سنة (317) هـ دخل مكة وقتل من وجد في الطواف، وقيل إنه قتل بها ثلاثة آلاف، وأخرج منها سبعمائة بكر واقتلع الحجر الأسود وحمله إلى البحرين ثم رده إلى الكوفة ورده بعد ذلك من الكوفة إلى مكة على يد أبي إسحق إبراهيم بن محمد بن يحيـى في سنة (329) هـ وقصد سليمان بن الحسن بغداد في سنة (318) هـ فلما وردها رمته امرأة من سطحها بافنة فقتلته وانقطعت بعد ذلك شوكة القرامطة. وانضم بعضهم إلى ابن عبيد اللّه الباطني الذي كان قد استولى على قيروان وهو رئيس أسرة دولة الفاطميين التي ملكت مصر) ودخلوا مصر في سنة (363) هـ وابتنوا بها مدينة سموها القاهرة يسكنها أهل بدعته، وأهل مصر ثابتون على السنة إلى يومنا وإن أطاعوا صاحب القيروان في أداء خراجهم إليه.
«وكان فناخسرو بن بويه قد تأهب لقصد مصر وانتزاعها من أيدي الباطنية وكتب على أعلامه بالسواد: بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه رب العالمين وصلى اللّه على محمد خاتم النبيين الطائع للّه أمير المؤمنين ادخلوا مصر إن شاء اللّه آمنين. وقال قصيدة.
إلى أن يقول: «فلما أخرج مضاربه للخروج إلى مصر غامضة الأجل فمضى لسبيله. فلما قضى فناخسرو نحبه طمع زعيم مصر في ملوك نواحي الشرق فكاتبهم يدعوهم إلى البيعة له فأجاب قابوس بن وشمكين عن كتابه بقوله: إني لا أذكرك إلا على المستراح. وأجابه ناصر الدولة أبو الحسن محمد بن إبراهيم بن سيمجور بأن كتب على ظهر كتابه إليه: {يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون} [الكافرون: 1] إلى آخر السورة. وأجابه نوح بن منصور والي خراسان بقتل دعاته إلى بدعته. ودخل في دعوته بعض ولاة الجرجانية من أرض خوارزم فكان دخوله في دينه شؤماً عليه في ذهاب ملكه وقتله أصحابه.
«ثم استولى يمين الدولة وأمين الملة محمود بن سبكتكين على أرضهم، وقتل من كان بها من دعاة الباطنية. وكان أبو علي بن سيمجور قد وافقهم في السر فذاق وبال أمره في ذلك وقبض عليه والي خراسان نوح بن منصور وبعث به إلى سبكتكين فقتل بناحية غزنة.
«وكان أبو القاسم حسن بن علي الملقب يد الشمند داعية أبي علي بن سيمجور إلى مذهب الباطنية وظفر به بكفوزن صاحب جيش السامانية بنيسابور فقتله ودفن في مكان لا يعرف. وكان أميرك الطوسي والي ناحية ثاروية قد دخل في دعوة الباطنية، فأسر وحمل إلى غزنة وقتل بها في الليلة التي قتل فيها أبو علي ابن سيمجور، وكان أهل مونتان من أرض الهند داخلين في دعوة الباطنية فقصدهم محمود بن سبكتكين رحمه اللّه في عسكره وقتل منهم الألوف وقطع أيدي ألف منهم. وباد بذلك نصراء الباطنية من تلك الناحية. وهذا بيان شؤم الباطنية على منتحليها فليعتبر بذلك المعتبرون.
«وقد اختلف المتكلمون في بيان أغراض الباطنية في دعوتها إلى بدعتها، فذهب أكثرهم إلى أن غرض الباطنية الدعوة إلى دين المجوس بالتأويلات التي يتأولون عليها القرآن والسنة، واستدلوا على ذلك بأن زعيمهم الأول ميمون بن ديصان كان مجوسياً من سبى الأهواز. ودعا ابنه عبد اللّه بن ميمون الناس إلى دين أبيه واستدلو أيضاً بأن داعيهم المعروف باليزدهي قال في كتابه المعروف بـ«المحصول» إن المبدع الأول أبدع النفس. ثم أن الأول والثاني مدبراً للعالم بتدبير الكواكب السبعة والطبائع الأربع وهذا في التحقيق معنى قول المجوس أن اليزذان خلق أهرمن وأنه مع أهرمن مدبران للعالم غير أن اليزدان فاعل الخيرات وأهرمن فاعل الشر.
«ومنهم من نسب الباطنية إلى الصابئيين الذين هم بحرّان، واستدل على ذلك بأن حمدان قرمط داعية الباطنية بعد ميمون بن ديصان كان من الصابئة الحرانية، واستدل أيضاً بأن صابئة حران يكتمون أديانهم ولا يظهرونها إلا من كان منهم بعد إحلافهم إياه على أن لا يذكر أسرارهم لغيرهم.
«قال عبد القاهر: الذي يصح عندي من دين الباطنية أنهم دهرية زنادقة يقولون بقدم العالم وينكرون الرسل والشرائع كلها لميلهم إلى استباحة كل ما يميل إليه الطبع، والدليل على أنهم كما ذكرناه؛ ما قرأته في كتابهم المترجم بالسياسة والبلاغ الأكيد والناموس الأعظم وهي رسالة عبد اللّه بن الحسن القيرواني إلى سليمان بن الحسن بن سعيد الحناني أوصاه فيها بأن قال له:
«ادع الناس بأن تتقرب إليهم بما يميلون إليه وأوهم كل واحد منهم بأنك منهم فمن آنست منه رشداً فاكشف له الغطاء وإذا ظفرت بالفلسفي فاحتفظ به فعلى الفلاسفة معولنا، وإنا وإياهم مجمعون على نواميس الأنبياء وعلى القول بقدم العالم لو ما يخالفنا فيه بعضهم من أن للعالم مدبراً لا يعرفه.
«وذكر في هذا الكتاب إبطال القول بالمعاد والعقاب، وذكر فيه أن الجنة نعيم الدنيا، وأن العذاب إنما هو اشتغال أصحاب الشرائع بالصلاة والصيام والحج والجهاد.
«وقال أيضاً في هذه الرسالة: إن أهل الشرائع يعبدون إلهاً لا يعرفونه ولا يحصلون منه إلا على اسم بلا جسم.
«وقال فيها أيضاً: أكرم الدهرية فإنهم منا ونحن منهم. وفي هذا تحقيق نسبة الباطنية إلى الدهرية. والذي يؤكد هذا أن المجوس (110) ب يدعون نبوّة زرادشت ونزول الوحي من اللّه تعالى والصابئيين يدعون نبوة هرمس وواليس ودوروتيوس وأفلاطون وجماعة من الفلاسفة وسائر أصحاب الشرائع. كل صنف منهم مقرون بنزول الوحي من السماء على الذين أقروا بنبوتهم، ويقولون: إن ذلك الوحي شامل للأمر والنهي والخبر عن عاقبة ما بعد الموت من ثواب وعقاب وجنة ونار يكون فيها الجزاء عن الأعمال السالفة.
«والباطنية يرفضون المعجزات، وينكرون نزول الملائكة من السماء بالوحي والأمر والنهي، بل ينكرون أن يكون في السماء ملك وإنما يتأولون الملائكة على دعاتهم إلى بدعتهم ويتأولون الشياطين والأبالسة على مخالفيهم. ويزعمون أن الأنبياء قوم أحبوا الزعامة فساسوا العامة بالنواميس والحيل طلبا للزعامة بدعوى النبوة والإمامة. وكل واحد منهم صاحب دور مسبع إذا انقضى دوره سبعة تبعهم في دور آخر. وإذا ذكروا النبي والوحي قالوا: إن النبي هو الناطق والوحي أساسه الفاتق وإلى الفاتق تأويل نطق الناطق على ما تراه، يميل إليه هواه فمن صار إلى تأويله الباطن فهو من الملائكة البررة، ومن عمل بالظاهر فهو من الشياطين الكفرة. ثم تأولوا لكل ركن من أركان الشريعة تأويلاً يورث تضليلاً فزعموا: أن معنى الصلاة موالاة أمامهم، والحج زيارته وإدمان خدمته. والمراد بالصوم الإمساك عن إفشاء سرّهم بغير عهد وميثاق.
«وزعموا أن من عرف معنى العبادة سقط عنه فرضها وتأولوا في ذلك {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} وحملوا اليقين على معرفة التأويل. وقد قال القيرواني في رسالته إلى سليمان بن الحسن: إني أوصيك بتشكيك الناس في القرآن والتوراة والزبور والإنجيل وبدعوتهم إلى إبطال الشرائع وإلى إبطال المعاد والنشور من القبور وإبطال الملائكة في السماء وإبطال الجن في الأرض وأوصيك (191) بأن تدعوهم إلى القول بأنه قد كان قبل آدم بشر كثير فإن في ذلك عوناً على القول بقدم العالم.
«وفي هذا تحقيق دعوانا على الباطنية أنهم دهرية يقولون بقدم العالم ويجحدون الصانع، ويدل على دعوانا عليهم القول بإبطال الشرائع؛ أن القيرواني قال أيضاً في رسالته إلى سليمان بن الحسن: وينبغي أن تحيط علماً بمخاريق الأنبياء ومناقضاتهم في أقوالهم كعيسى بن مريم قال لليهود: لا أرفع شريعة موسى، ثم رفعها بتحريم الأحد بدلاً من السبت وأباح العمل في السبت وأبدل قبلة موسى بخلاف جهتها ولهذا قتلته البلاد لما اختلفت كلمته.
«ثم قال له: ولا تكن كصاحب الأمة المنكوسة حين سألوه عن الروح فقال: «الروح من أمر ربي» لما لم يحضره جواب المسألة. ولا تكن كموسى في دعواه التي لم يكن له عليها برهان سوى المخرقة بحسن الحيلة والشعوذة ولما لم يجد المحق في زمانه عنده برهان قال له لئن اتخذت إلهاً غيري، وقال لقومه: أنا ربكم الأعلى، لأنه كان صاحب الزمان في وقته.
«ثم قال في آخر رسالته: وما العجب من شيء كالعجب من رجل يدعى العقل، ثم يكون له أخت أو بنت حسناء وليست له زوجة في حسنها فيحرمها هو على نفسه، وينكحها من أجنبي. ولو عقل الجاهل لعلم أنه أحق بأخته وبنته من الأجنبي. ما وجه ذلك إلا أن صاحبهم حرم عليهم الطيبات وخوّفهم بغائب لا يعقل، وهو الإله الذي يزعمونه وأخبرهم بكون ما لا يرونه أبداً من البعث من القبور والحساب والجنة والنار حتى استعبدهم بذلك عاجلاً، وجعلهم له في حياته ولذريته بعد وفاته خولاً، واستباح بذلك أموالهم بقوله: {لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى} فكان أمره معهم نقدا وأمرهم معه نسيئة. وقد استعجل منهم بدل أرواحهم وأموالهم على انتظار موعود لا يكون وهل الجنة إلا هذه الدنيا ونعيمها وهل النار وعداً بها إلا ما فيه أصحاب الشرائع من التعب والنصب من الصلاة والصيام والجهاد والحج؟.
«ثم قال لسليمان بن الحسن في هذه الرسالة: وأنت وإخوانك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس في هذه الدنيا ورثتم نعيمها ولذاتها المحرمة على الجاهلين المتمسكين بشرائع أصحاب النواميس فهنيئاً لكم ما نلتم من الراحة عن أمرهم.
«وفي هذا الذي ذكرناه دلالة على أن غرض الباطنية القول بمذاهب الدهرية، واستباحة المحرمات، وترك العبادات. ثم إن الباطنية لهم في اصطياد الأغنام ودعوتهم إلى بدعتهم حيل على مراتب سموها التفرس والتأنيس والتشكيك والتعليق والربط والتدليس والتأسيس والمواثيق بالإيمان والعهود وآخرها الخلع والسلخ، فأما التفرس: فإنهم قالوا من شرط الداعي إلى بدعتهم أن يكون قريباً على التلبيس وعارفا بوجوب تأويل الظواهر ليردها إلى الباطن، ويكون مع ذلك مخيرًا بين من يجوز أن يطمع فيه وفي إغوائه وبين من لا مطمع فيه ولهذا قالوا في وصاياهم للدعوة إلى بدعتهم: لا تتكلموا في بيت فيه سراج يعنون بالسراج من يعرف علم الكلام ووجوه النظر والمقاييس.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

النظامية

النظامية أصحاب إبراهيم بن سيار بن هانىء النظام.