القربان

القربان
في الاصطلاح الديني هو ما يبذله الإنسان من الأشياء أو الحيوانات قاصداً به التقرب إلى اللّه تعالى وقد ورد في الإسرائيليات أن قابيل بن آدم قرب إلى اللّه شيئاً من ثمرات أرضه وإن أخاه هابيل قرب إليه ذبيحة من غنمه.
وبنى نوح مذبحاً قرب فيه إلى اللّه حيوانات كثيرة ثم كان يحرقها على المذبح. وروى الإسرائيليون أن إبراهيم كان يتقرب إلى اللّه بالخبز والخمر. ولما أمره اللّه أن يذبح ذبح له عجلة وعنزاً وكبشاً وحمامة ويمامة. وأمره أيضاً أن يفتدي ابنه إسماعيل أو إسحق بكبش.
كان الناس على عهد إبراهيم يذبحون الذبائح ثم يحرقونها فلما جاء موسى قسم الذبائح إلى دموي وغير دموي فكانوا يذبحون الدموي ويطلقون غير الدموي في البراري. وقد أخذ العرب هذه العادة عادة إطلاق الحيوانات في البراري تقربا لأَصنامهم حتى جاء الإسلام فحزمها وهي التي ذكرها القرآن الكريم باسم السائبة والبحيرة.
وقد علقت هذه العادة ببعض جهلاء المسلمين إلى اليوم فإن منهم من يأتي بعجل ويهبه لأحد الأولياء فيذهب طليقاً في حقول الناس ويأكل منها لا يزجره أحد فإذا جاء مولد ذلك الولي أخذ العجل صاحبُه وذبحه.
وبنو إسرائيل قسموا الذبائح الدموية إلى ثلاثة أقسام: الذبيحة المحرقة وذبيحة التكفير عن الخطايا وذبيحة السلامة. وكانوا يحرقون منها الأولى ولا يبقون منها شيئاً إلا جلدها. وكانوا يحرقون من الثانية جزءاً ويبقون جزءاً للكهنة. وأما الثالثة فكانت اختيارية ولحمها حل لهم.
والذبيحة عند المسيحيين تنحصر في تقريب خبز وخمر للمصلين باسم لحم المسيح ودمه.
الوثنيون عامة يتقربون إلى معبوداتهم بتقديم شيء من ثمرات أرضهم أو من حيواناتهم.
وقد بالغ كثير من الأمم في أمر القربان فأخذوا يقربون الذبائح البشرية كالفرس والرومانيين والمصريين والفنيقيين والكنعانيين وغيرهم، وما زالت هذه العادة فاشية في أوروبا إلى القرن السابع للميلاد حيث صدر أمر من مجلس الشيوخ الروماني بإبطالها.
وقد أقرت عادة تقريب القربان في الإسلام ولكنها قصرت على الذبائح الحيوانية التي أحل أكلها فترى الحجاج يسوقون الذبائح إلى البيت الحرام بمكة ويسمونها هدياً أي هدية وهي إما من الإبل والبقر والغنم ويشترط أن يكون عمر الإبل أقل من خمس سنين. وأن لا يكون عمر البقر أكثر من سنتين والغنم أقل من سنة. وقد قسموا الهدي إلى واجب في دم الكفارات ومندوب في دم الشكر. واشترطوا أن يكون ذبح الهدي بمنى في أيام النحر وهو الأفضل. أو بمكة في غير أيام التشريق وأن يفرق لحمه على الفقراء.
ولقد أكثر الباحثون في أصول الشؤون الإنسانية من الكلام عن العلة التي حدت بالأمم إلى تقريب القربان فذهب العالم و. ر. سميث إلى أن الأصل في القربان مآدب كانت تقيمها بعض الأمم للآلهة وللناس فكانت تجتمع فيها حول المعابد وتذبح الذبائح وتأكل باحتفال عام. وما روى من تضحية البشر أصله هذه المآدب أيضاً فإن الأمم التي تقرب البشر هي من التي تأكل لحوم أسراها في الحرب.
ولكن العالم ل. لانغ رأى أن للقربان علتين أولاهما اعتباره كهدية تشريفية للآلهة وثانيتهما ككفارة عن ذنب لإرضاء الآلهة وتسكين غضبهم.
ولكن لم يعتبر قول المسيو ل. لانغ كتعليل للقربان بل كبيان لنوعيه، فلا تزال مسألة البحث عن العلة في القربان غير محلولة. قال المسيو ل. ريفيل إن إهداء المأكولات إلى الآلهة عام في كل الأديان وهي ركن من أكبر أركانها والعلة في إهدائها تخيل الإنسان أن ما يسره ويعلو في نظره يسر الآلهة ويعلو في نظرهم.
فرأى الناقدون أن المسيو ريفيل كالمسيو لانغ قد وصف القربان ولم يعلله. وممن قرب من الحقيقة في هذا الباب المسيو بوشيه ليكلرك فقد قال في كتابه: (دروس في التاريخ اليوناني ما مؤداه).
«الآلهة لم يكن أكثرها في نظر عابديها لاطيبين ولا كراما ولكن كانوا سريعي الغضب محبين للانتقام خائنين سفاكين بعداء عن التمييز بين الخير والشر فكان لا يتقى الواحد من الناس شرهم إلا بتضحية جزء من ثمرات عمله وهو بذلك كأنه يعطي الجزء ليتمتع بالجزء الآخر. بل كانت المجتمعات تضحي لهذا السبب ببعض أفرادها للآلهة حفظاً لوجود الباقين.
قالت دائرة معارف القرن العشرين الفرنسية:
«يظهر لنا أن المسيو بوشيه ليكلرك قد قرب من الحقيقة ولكن لماذا يفرض أن الباعث الذي بعث الإنسان للقربان هو الخوف دون غيره؟ ولماذا يفرض أن الإنسان كان يتأثر بتوقع المصائب والجوائح دون غيرها؟ قال المسيو بوشه ديكلرك «ألم يكن من أشيع الأمور أن يرى الناس الزوابع تفجأ القوارب في البحر الهادىء فتغرقها، ويرى الأنهار تفيض فتفسد حال أخصب السهول، ويرى الصاعقة تنزل غالبا على الرؤس البريئة، والأوبئة تحصد زهرات الشبيبة؟».
ورد في دائرة المعارف الفرنسية ونحن نسأل هنا:
«ليس أشيع من ذلك أن يرى الناس عود الربيع في كل سنة ويرون أن البزور التي أودعت إلى الأرض قد ازهرت وأخرجت سنابل ذهبية أو عناقيد مترعة بالرحيق. ويرون الأطفال يشبون ويصيرون أقوياء أشداء. والرجل يجد في صيده وقنصه وحراثته وتربيته للمواشي جميع ما يحتاج إليه من الغذاء ومن وسائل الحياة؟».
ثم قالت ما مؤداه:
«فالذي يدفع الإنسان للتضحية ليست عاطفة الخوف وحدها ولكن عاطفة الشكر للآلهة الطيبة التي تنعم عليه بتلك النعم.
القربان في الإسلام:
أقر الإسلام القربان ولكنه بين حكمته والمقصود منه. أما حكمته فحمل الموسرين على البذل، وأما المقصود منه فإطعام الفقير البائس كما قال تعالى: {فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير} [الحج: 28] وبين بنص صريح أن الخالق سبحانه وتعالى لا يريد القربان لذاته ولكن لما يبعث عليه من تقوى المضحين فقال تعالى: {لن ينال اللّه لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم} [الحج: 37] وفي هذه الآية دلالة صريحة على أن القربان لا يطلب لذاته باعتباره ركناً من أركان الدين ولكن باعتباره صدقة وتوسعه على الفقير وعملاً تبعث عليه التقوى ومحبة الخير.
فإذا انتشر في العالم مبدأ النباتيين وتوصلت المدنية الفاضلة لاعتبار ذبح الحيوانات من الأمور التي لا تليق بكرامة النوع البشري حين تصبح خيرات الأرض كافية لإقاتة الناس بدون أن يعمدوا إلى العدوان على الحيوانات فيسلبونها نعمة الحياة، إذا حصل ذلك وجد دعاة النباتيين مخلصاً لهم من هذه المجازر بإخراج ثمان الأضاحي بدلاً عنها والتوسيع بها على الفقراء المعوزين ما دام الدين ينص على أن حكمة القربان هو حمل الموسرين على البذل والمقصود منه إطعام الفقراء لا أنه ركن من أركان الدين لا يتم بدونه كما هو شأنه لدى الأمم الأخرى.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عقائد القدماء في الروح والخلود

عقائد القدماء في الروح والخلود كانت الأمم القديمة عامة تعتقد في وجود الروح وخلودها. فكان ...