الكعبة

الكعبة
هي البيت الحرام بناها إبراهيم عليه السلام وهو رسول من أولي العزم أرسله اللّه إلى الكلدانيين في جنوب بابل وكانوا يعبدون النجوم والأوثان.
ثم ترك إبراهيم قومه حين عصوه وهاجر إلى مدين وهناك أمره اللّه تعالى بالهجرة بولده إسماعيل وأمه هاجر إلى بلاد العرب فقصدوا مكة ثم أمره اللّه ببناء الكعبة وكان أول بيت وضع للناس ببلاد العرب قال تعالى: {إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين}[آل عمران: 96].
الكعبة بناء مربع زواياها إلى الجهات الأربع لكي تتكسر عليها الرياح ولا تضرها مهما اشتدت.
ما زالت الكعبة على بناء إبراهيم حتى جددها العماليق ثم بنو جرهم.
ولما آل أمر الكعبة إلى قصي بن كلاب أحد أجداد النبي في القرن الثاني قبل الهجرة هدمها وبناها فأحكم بناءها وسقفها بخشب الدوم وجذوع النخل وبني إلى جانبها دار الندوة وهي أول بناء الكعبة في مكة وكان بها حكومته ومحل شوراه مع أصحابه. ثم قسم جهات الكعبة بين طوائف قريش فبنوا دورهم على المطاف حول الكعبة وفتحوا عليه أبوابهم.
قبل بعثة النبي بخمس سنين هدم السيل الكعبة فاقتسمت القبائل العمل لبنائها وكان الذي يبنيها باقوم الرومي بمساعدة نجار مصري. فلما انتهوا إلى وضع الحجر الأسود حدث بين القبائل خلاف في أيها تختص بشرف وضعه فرأوا أن يحكموا محمد بن عبد اللّه وعمره خمس وثلاثون سنة لما عرفوه من وفور عقله وسداد رأيه فطلب رداء ووضع عليه الحجر وأمر القبائل فأمسكت بأطرافه ورفعوه حتى إذا وصل إلى مكانه من البناء في الركن الشرقي أخذه هو فوضعه بيده. وكانت النفقة قد بهظتهم فقصروا بناءها على ما هي عليه الآن. فكان رسول اللّه يقول لعائشة: »لولا أن قومك حديثو عهد بالإسلام لهدمت الكعبة فألزقتها بالأرض، ولجعلت لها بابا شرقيا وبابا غربيا وزدت فيها ستة أذرع من الحجر فإن قريشا استصغرتها حينما بنت الكعبة.
فلما تولى عبد اللّه بن الزبير الخلافة بمكة في عهد يزيد بن معاوية حاربه بها الحصين قائد يزيد وأصاب الكعبة بالمنجنيق فانهدمت وأحرقت كسوتها مع بعض أخشابها ثم رجع عنها لموت يزيد بن معاوية فرأى ابن الزبير أن يهدم الكعبة ويعيد بناءها فأتى لها بالجص النقي من اليمن وبناها به داخل الحجْر في البيت وألصق الباب بالأرض وجعل قبالته بابا ليخرج الناس منه وجعل ارتفاعها سبعة وعشرين ذراعا. ولما فرغ من بنائها ضمخها بالمسك والعنبر داخلا وخارجا وكساها بالديباج وكان انتهاؤه من بنائها في 17 رجب سنة (64) هـ.
ولما تغلب الحجاج على ابن الزبير ودخل الكعبة أخبر عبد الملك بن مروان بما أحدثه فيها ابن الزبير فأمره بإرجاعها إلى شكلها الأول فهدم الحجاج من جانبها الشمالي ستة أذرع وشبرا وبنى ذلك الجدار على أساس قريش ورفع الباب الشرقي وسد الغربي ثم كبس أرضها بالحجارة التي فصلت منها.
فلما ولي السلطان سليمان العثماني سنة (960) هـ غير سقفها. ولما ولي السلطان أحمد سنة (1021) هـ أحدث فيها ترميما. ولما حدث السيل العظيم سنة (1039) هـ هدم بعض حوائطها الشمالية والشرقية والغربية فأمر السلطان مراد الرابع بترميمها.
شكل الكعبة مربع تقريبا مبنية بالحجارة الزرقاء الصلبة ويبلغ ارتفاعها 16 متراً وطول ضلعها الذي فيه الميزاب والذي قبالته 10 أمتار و10 سنتيمترات وطول الضلع الذي فيه الباب والذي يقابله إثني عشر متراً وبابها على ارتفاع مترين من الأرض ويصعد إليه بسلالم كسلالم المنابر. وسلمها الحالي من الخشب المصفح بالفضة أهداه إلى الكعبة أحد أمراء الهند وهو لا يوضع في مكانه منها إلا إذا فتح للزائرين وفي الاحتفالات الكبرى وهي لا تزيد عن خمس عشرة مرة في السنة.
وفي الركن الذي على يسار باب الكعبة الحجر الأسود على ارتفاع متر وخمسين سنتيمترا من أرض المطاف.
يسمي العرب زوايا الكعبة بالأركان على حسب اتجاهاتها فيسمى الشمالي بالركن العراقي. والغربي بالشامي والقبلي باليماني، والشرقي بالأسود لأن فيه الحجر الأسود، وهو حجر ثقيل بيضي الشكل غير منتظم لونه أسود ضارب إلى الحمرة وفيه نقط حمراء وتعاريج صفراء وهي أثر لحام القطع التي كانت تكسرت منه، قطره نحو 30 سنتيمترا يحيط به إطار من الفضة عرضه 10 سنتي مترات والمسافة التي بين ركن الحجر وباب الكعبة يسمونها الملتزم وهو ما يلتزمه الطائف في دعائه واستغاثته.
ويخرج من منتصف الحائط الشمالي الغربي من أعلاه الميزا (المزراب) ويقال له ميزاب الرحمة وهو من عمل الحجاج حتى لا يقف المطر على سطحها فغيره السلطان سليمان سنة (959) هـ بآخر من الفضة وأبدله السلطان أحمد سنة (1021) هـ بآخر من الفضة المنقوشة بالميناء الزرقاء تتخللها النقوش الذهبية.
وفي سنة (1273) هـ أرسل إليها السلطان عبد المجيد ميزابا من الذهب وهو الموجود بها الآن.
وقبالة الميزاب يوجد الحطيم وهو قوس من البناء طرفاه إلى زاويتي البيت الشمالية والغربية ويبعدان عنهما بمترين وثلاثة سنتيمترات ويبلغ ارتفاعه مترا وسمكه مترا ونصف متر وهو مبطن بالرخام المنقوش وفي محيطه من أعلاه كتابة محفورة. والمسافة بين منتصف هذا القوس من داخله إلى منتصف ضلع الكعبة ثمانية أمتار وأربعة وأربعون سنتيمترا والفضاء الواقع بين الحطيم وحائط البيت وهو ما يسمونه بحجر إسماعيل قد كان يدخل منه ثلاثة أمتار تقريبا في الكعبة في بناء إبراهيم، والباقي كانت زريبة لغنم هاجر وولدها. ويقال إن هاجر وإسماعيل مدفونان به.
أما شكل الكعبة من الداخل فمربع مشطور الزاوية الشمالية وبهذه الشطرة باب صغير اسمه باب التوبة يوصل إلى سلم صغير يصعد بها سطحها. وبوسطها من الداخل ثلاثة أعمدة من خشب العود عليها مقاصير ترتكز على حافة الميزاب من جهة وحائط الحجر الأسود من جهة أخرى. وهذه الأعمدة موجودة من عهد عبد اللّه بن الزبير وهي غالية القيمة جدا ويغطي سقف الكعبة وحوائطها من الداخل كسوة من الحرير الوردي عليها مربعات مكتوب فيها (اللّه جل جلاله) أهداه إليها السلطان عبد العزيز العثماني وفي قبالة الداخل من الباب محراب كان يصلي فيه النبي.
ويحيط ببناء البيت من الداخل هامش من الرخام المجزع على ارتفاع نحو مترين.
وداخل البيت ألواح محفور فيها أسماء من أحدثوا به شيئا من العمارة ففيها لوحة باسم يوسف بن عمر بن علي رسول بتاريخ سنة (680) هـ وثانية فيها اسم السلطان محمد العثماني وتشعر بأنه جدد سقف الكعبة سنة (1070) هـ وثالثة باسم الملك الأشرف أبو النصر برسباي بتاريخ سنة (826) هـ ورابعة باسم أبو جعفر المنصور المستنصر باللّه من خلفاء الفاطميين بمصر سنة (629) هـ وخامسة باسم السلطان مراد العثماني تؤذن له بأنه جدد عمارة الكعبة سنة (1040) هـ وسادسة باسم السلطان قايتباي ملك مصر دل على تجديد داخل الكعبة سنة (804) هـ ومكتوب على باب التوبة أبيات تشير إلى أن أم السلطان مصطفى العثماني أحدثت عمارة بالكعبة سنة (1109) هـ.
وبجانب الباب على يسار الداخل خوان من الخشب الأخضر مغطى بالحرير موضوع عليها كيس مفاتيح الكعبة وهو من الأطلس الأخضر المزركش بأسلاك الفضة يأتي إليه سنويا من مصر مع الكسوة الشريفة. ومعلق بسقف البيت شيء كثير من الذخائر التي أهديت للبيت منها عدة مصابيح ذهبية وفضية لا تقل عن مئة مصباح منها مصباحان من الذهب المرصع بالجواهر أهداهما للكعبة السلطان سليمان سنة (984) هـ.
تفتح الكعبة في العاشر من المحرم للرجال وفي ليلة الحادي عشر منه للنساء وفي ليلة الثاني عشر من ربيع الأول للدعاء للسلطان ولا يدخلها في ذلك اليوم أحد من الزائرين. وتفتح في العشرين من المحرم لتغسل بحضور الشريف والوالي وفي أول جمعة من رجب للرجال وفي تاليه للنساء وفي صباح تاليه للرجال وفي مسائه للنساء، وفي ليلة النصف من شعبان للدعاء للسلطان وفي صباح تاليه للرجال وفي مسائه للنساء وفي يوم الجمعة الأولى من رمضان للرجال وفي تاليه للنساء وفي التاسع عشر منه للدعاء للسلطان وفي آخر جمعة منه كذلك، وفي نصف ذي القعدة للرجال وفي تاليه للنساء، وفي عشرين منه لغسلها وفي الثامن والعشرين منه لإحرامها (أي بإحاطتها بقماش أبيض من الخارج على ارتفاع نحو مترين من أرض المطاف) وتفتح في موسم الحج مرارا لمن يزورها من الحجاج في مقابل أجرة يأخذها سدنتها. وتفتح أيضاً في نحو العشرين من ذي الحجة لغسلها.
كان يقام لغسل الكعبة احتفال عظيم يحضره الشريف والوالي والأعيان وعظماء الحجاج فيدخل الشريف في المقدمة فيصلي ركعتين ثم يؤتى بدلاء من ماء زمزم فتغسل أرضها بمكانس صغيرة من الخوص ويسيل الماء من ثقب في عتبتها ثم يغسلها بماء الورد وبعد ذلك يضمخ أرضها وحوائطها على ارتفاع الأيدي بأنواع الأدهان العطرية وفي أثناء ذلك يكون البخور متصاعدا فيه. ثم يقف الشريف على الباب ويلقي على الحاضرين المكانس التي استخدمها في غسل الكعبة فيتهالك الواقفون عليها تهالكا عظيما فمن حصل على واحدة منها عدها من الذخائر التي لا تقدر بمال.
منزلة الكعبة قبل الإسلام:
كان للكعبة من المنزلة في أعين العرب ما ليس لمعبد غيره إذ كانوا يعتبرونه بيتا للّه. ومن العجيب إن قدم هذا البناء ومقام بانيه حمل الأمم الأجنبية عن العرب كالفرس والهنود واليهود والنصارى على تعظيمه.
فكان الهنود يقولون إن روح سيفا وهو الأقنوم الثالث من الثالوث البوذي قد حلت في الحجر الأسود حين زار مع زوجته بلاد الحجاز.
وكان الصابئة وهم عباد الكواكب من الفرس والكلدانيين يعدونها أحد البيوت السبعة المعظمة.
وكان الفرس من غير الصابئة يحترمون الكعبة أيضاً زاعمين أن روح هرمز حلت فيها وكانوا يحجون إليها.
وكان اليهود يحترمون الكعبة ويعبدون اللّه فيها على دين إبراهيم. وكان بها صور وتماثيل منها تمثالا إبراهيم وإسماعيل وبأيديهما الأزلام وصورتا العذراء والمسيح وكان للعرب بها 360 صنما ويقال إن أول من جعلها بيتا للأوثان عمرو بن لحي كبير خزاعة حينما ولي أمر البيت ضاهى بذلك ما يفعله الوثنيون بهياكلهم.
فلما فتح النبي مكة هدم الأصنام التي بها وطهرها لعبادة الإله الحق وحده.
وكان الناس يحجون إلى الكعبة من جميع أنحاء البلاد العربية وكانت أشهر الحج عندهم شوالا وذا القعدة وذا الحجة، وكانوا يحرمون الشهر الذي يكون فيه الحج وهو ذو الحجة والذي قبله والذي بعده وكانوا يحرمون شهر رجب أيضاً ويسمونه شهر اللّه الأصم أي الذي لا تسمع فيه قعقعة السلاح فكانوا في هذه الشهور الأربعة يلقون السلاح ولا يغزو بعضهم بعضاً.
وقد أقر الإسلام حرمة هذه الأشهر. وفي السنة الثانية من الهجرة جعل اللّه الكعبة قبلة المسلمين وكانوا قبل ذلك يصلون إلى بيت المقدس.
من مناسك الحج الطواف حول الكعبة سبع مرات ويشترط فيه الطهارة التامة يبدأ الشوط من الحجر الأسود فإذا حاذاه الطائف تقدم إليه فقبله وإلا توجه إليه وقال: الّلهم إني نويت طواف بيتك المعظم سبعة أشواط فيسرها لي وتقبلها مني» ثم يسير مسلما بيده قائلاً »بسم اللّه اللّه أكبر» ويطوف جاعلا الكعبة من يساره والمطاف عبارة عن دائرة بيضية يبلغ قطرها نحو 51 متراً من الشمال إلى الجنوب ونحو 41 متراً من الشرق إلى الغرب وقد حسب أن السبعة الأشواط من الطواف تبلغ نحو 700 متر.
بعد الطواف يقصد الطائف حِجْر إسماعيل فيصلي به ركعتين سنة الطواف ثم يختمه بهما وإن لم يستطع ففي مقام إبراهيم وهو قبة قامت على أربعة أعمدة وأحاطت بها مقصورة نحاسية مربعة يبلغ طول كل ضلع منها نحو ثلاثة أمتار وستين سنتيمتراً هي على آخر المطاف تجاه باب الكعبة وفي داخلها الحجر الذي كان يقف عليه إبراهيم حال بناء الكعبة وبه أثر يقال له أنه أثر قدميه، وكان هذا الحجر موضوعا بالمعجن إلى جوار الكعبة ثم أبعد عنها بعد الفتح حتى لا تتطرق الوثنية إلى الإسلام ودفن بمكانه الحالي وقد بنيت عليه القبة بعد ذلك.
ولمقام إبراهيم كسوة من الحرير المطرز بالأسلاك الفضية تأتي إليه سنويا من مصر مع كسوة الكعبة ويتصل بمقصورته من الشرق سقيفة على طولها بعرض متر وثمانين سنتيمتراً يزدحم الناس فيها ليصلوا ركعتي الطواف ثم يذهبون إلى قبة زمزم وباب هذه القبة إلى الشرق وفيها بئر زمزم وخرزتها من الرخام الأبيض أمر بعملها لها السلطان سليمان العثماني ومن دونها حوض يصب الملاؤن فيها بدلائهم.
كسوة الكعبة:
كان العرب يكسون الكعبة من عهد بعيد وأول من كساها تبع أبو بكر أسعد ملك حمير سنة 20 قبل الهجرة كساها بالبرود المطروز بأسلاك الفضة وتبعه خلفاؤه فكانوا يكسونها بالجلد والقباطي زمنا مديدا. ثم أخذ الناس يكسونها بأردية مختلفة فيضعونها بعضها على بعض وكان إذا بلي منها ثوب وضع عليه سواه إلى زمن قصى فوضع على العرب رفادة لكسوتها سنويا واستمر ذلك في بنيه وكان أبو ربيعة بن المغيرة يكسوها سنة وقبائل قريش تكسوها أخرى.
وقد كساها النبي بالثياب اليمانية ثم عمرها عثمان وابن الزبير وعبد الملك بن مروان. ولما حج الخليفة العباسي المهدي شكا إليه سدنة الكعبة من تراكم الأكسية على سطح الكعبة وذكروا أنه يخشى من سقوطه فأمر برفع تلك الأكسية وإبدالها بكسوة واحدة كل سنة فجرى العمل على تلك العادة إلى الآن.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

أهل الصفة

أهل الصفة كانوا قوما من الفقراء قيل كان يبلغ عددهم أربعمائة كانوا منقطعين في مسجد ...