المبشرون

المبشرون
يطلق المسيحيون هذا اللفظ على الدعاة إلى ملتهم.
الدعوة إلى الدين من مبتكرات المسيحيين ولم تعرف قبل تاريخهم فلا أثر لها في الأديان القديمة وإنا لموجزون تاريخ التبشير لديهم في كلمات فنقول:
يصعد تاريخ التبشير إلى حواري عيسى عليه السلام الذين يعبرون عنهم بالرسل فقد انتشروا بعد عيسى عليه السلام في الأرض يدعون الناس إلى ملتهم مؤتمرين بقوله كما ورد في إنجيل يوحنا ومتى ما ترجمته عن النص الفرنسي:
«كما أرسلني أبي أنا أرسلكم» «اذهبوا فعلموا الأمم قاطبة وعمدوهم باسم الأب والابن والروح القدس وسأكون معكم مدى الدهر».
ذهب رسل عيسى وكان مجالهم الذي ظهرت فيه غيرتهم بلاد يهوذا فاتحدوا هنالك مع المتنبئين الذين كانوا يخبرون بمجيء عيسى فكانت الطريق ممهدة أمامهم لبث دعوتهم.
وقد دلتنا أعمال الرسل من كتابهم المقدس على النجاح الذي صادفوه في آسيا الصغرى وبلاد الإغريق. ويستدل أيضا من كتاب «بلين الروماني» إلى الأمبراطور تارجان أن المسيحية انتشرت في تلك الأصقاع في أواخر القرن الأول المسيحي. على أن بطرس وبولس لم يتجاوزا روما إلى جهات العرب.
أرسل بطرس تلميذه سان مارك إلى مصر ليهدي أهلها إلى المسيحية فنجحت دعوته هنالك نجاحاً عظيماً. ومن أول القرن الخامس انتشرت المسيحية في كثير من جهات أفريقيا.
ثم اجتاز المبشرون الأوقيانوس ونزلوا إلى إسبانيا فأرسل إليها البابا غريغوار السابع سبع مطارنة.
أما بلاد المغول فقابلت المبشرين مقابلة حسنة فانتشرت فيها دعوتهم ولاسيما جهتها الجنوبية.
في تلك الأثناء كانت المسيحية تنتشر في أوروبا الشرقية بواسطة العلاقات التجارية التي كانت بينها وبين آسيا وبلاد الإغريق.
جاء في القرن الثاني سان بوتان مع جمهور من إخوانه فأسسوا على شواطىء نهر الرون كنيستي فينا وليون.
وجاء سان دنيس في القرن الثالث فأسس كنيسة باريس ومنها انتشر المبشرون في الضواحي ونشروا الأناجيل بين أهلها.
وجاء سان مرتان في القرن الخامس فترك المدن لتلاميذه وتجول في القرى والفلوات ينشر الدين فيها إذ كانت بمعزل عنه لبعدها عن العمران.
يرى الرائي مما مر أن جمعيات التبشير اليوم لها تاريخ بعيد يتصل بالقرن الأول من المسيحية ولقد حفظ التاريخ للمبشرين الأولين من آثار الغيرة على الدين والتفاني في سبيله ما يصح أن يتخذ دليلاً على صدق العزم، وجميل الصبر فقد كانوا يقتلون ويصلبون ويلقون في النار ويمثل بأجسادهم أقبح تمثيل فيتحملون ذلك صابرين، ويحتسبون اللّه حامدين. وهكذا أوائل عصور الأديان ملأى بمثل هذه الآثار المدهشة.
دام عمل المبشرين عملاً أهلياً حتى دخل امبراطور الرومان في المسيحية فانقلب عملهم رسمياً من ذلك الحين، فكان أولئك الأباطرة يرسلون المبشرين على هيئة سفراء لدى الملوك المتوحشين ليدعوهم للتنصر باسم الأمبراطور الروماني واسم المسيح معاً.
وبهذه الوسيلة توصل الأمبراطور كونستانس إلى تنصير أهل سبأ من بلاد العرب.
ونجح الأمبراطور بعض النجاح في إدخال بعض الفرس في المسيحية وكانوا أشد الشعوب استعصاء على النصرانية، وأكثرهم اضطهاداً لدعاتها.
كان المبشرون في أول عهدهم مبعثرين لا تجمعهم جامعة، كل طائفة منهم تتبع كنيسة تنتمي إليها ولكنهم في القرن العاشر اجتمعوا إلى رئيس عام هو باب الكنيسة الرومانية.
والحروب الصليبية التي شنها المسيحيون على المسلمين في القرون الوسطى لم تكن إلا دعوة إلى النصرانية بقوة النار والحديد، وكان الذي انتدب لتنصير المسلمين طائفتان يقال لأحدهما الدومينيكان والآخر الفرنسيسكان. فانتشر رجالهما في آسيا وأفريقا وتحصل رجال الطائفة الأولى منها على امتياز سدانة بيت المقدس سنة (1336) م.
ولكن حدث بين هاتين الطائفتين شقاق أدى لتدخل الكنيسة في شأنه. فلما لم تفلح الوسائل السلمية عمد البابوات إلى القوة.
وسافر في تلك العصور دعاة إلى التبت والصين والتتار لتوسيع نطاق المسيحية فوجدوا هنالك من شدة الشكيمة ما أقنعهم بوجوب الإقلاع عن التبشير في تلك الأصقاع.
فلما اكتشفت أمريكا انفتح للمبشرين مجال جديد فأهرعت طوائف الدومينيكان والفرنسيسكان ولاجوستان إليها، لبثت الدعوة المسيحية هنالك عقب الحروب التي كانت تشنها إسبانيا على شعوبها الوطنية، وقد دعى الدعاة للدين هنالك بسبب الشره والجشع فشابوا دعوتهم بأعمال مادية، القصد منها الحصول على الثروة، واستخدموا أحياناً في ذلك السبيل كل أنواع القسوة.
فقد كتب القس (جيتيه) عنهم يقول كما نقلته دائرة معارف القرن التاسع عشر:
«إن حب الإثراء قد استولى على أكثر أولئك القسوس فكان أكبر انصرافهم إلى نيل الثروة لا السعي في كسب الأرواح للمسيح. فقد كان مثال الفاتحين الذين مهدوا لهم السبيل مؤثرا عليهم بحيث إن الذين كانوا ذهبوا إلى تلك الأصقاع بأسلحة نقية وإنجيلية صاروا رجالاً ظماء للكسب تأكل قلوبهم المطامع. وقد تغالوا في طريقتهم حتى أصبحوا يقرون على تلك المظالم التي كان يصبها الإسبانيون والبرتغاليون على الوطنيين مما لم يسمع به في تاريخ البشر. نعم إن بعضاً من الرجال المسيحيين قد رفعوا أصواتهم بالاحتجاج ضد هذه الأعمال، فليس في الناس من تخفى عليه معارضات (لاس كازاس) ولكن هؤلاء الرسل كانوا من الندرة بحيث خنقت أصواتهم خنقاً». انتهى.
اتجهت بعثات المبشرين لآسيا ووضعوا نصب أعينهم الهند، وفي هذا العهد كانت قد تكونت فرقة الجيزويت فسافر إليها المبشر فرنسوا كسافييه الذي له أغلاط مشهورة في وظيفة التبشير فلم يحجم عن تأسيس محكمة للتفتيش في الهند. وقد نجحت هذه الوسائل القاسية ودخل في النصرانية عدد لا يحصى من الهنود.
فانتقلت وظيفة المبشرين من الهند إلى اليابان، وهنالك وجدت أشد أنواع الاستعصاء فصبر المبشرون هنالك مجاهدين ثلاثين عاماً ثم تركوها لأهلها وقفلوا راجعين.
وقد توصل القس (ركسي) مع بعض رفاقه من الوصول إلى بكين عاصمة الصين على إذن من ابن السماء بتأليف طائفة قوية.
ثم حدث خلاف بين جماعات المبشرين أدى إلى تلاشي ما عملوه في الصين.
في أوائل القرن السابع عشر رأت الكنيسة أن تنشط في أمر التبشير لتعوض ما خسرته من النفوذ من جهة البروتستانتية، فأعطي البابا خطة منتظمة وجاء البابا غريغوار الخامس عشر فأسس لها مدرسة خاصة يدخلها الشبان من مختلف الأمم ليتمرنوا على صناعة الدعوة إلى الدين وأسس لهم مطبعة تطبع بخمسين لغة وكان ذلك سنة (1622) م.
ومن ذلك الحين توزع الدعاة على أرجاء الأرض بواسطة أربع طوائف رئيسية وهي الدومينيكان والفرنسيسكان والجيزويت وآباء البعثات الأجنبية. ثم قسموها إلى بعثة الشرق وهي تشمل مصر وأثيوبيا وجزائر الأرخبيل اليوناني وتركية وأوروبا وتركيا آسيا والفرس. ثم بعثة الصين وتشمل الكونشنشين واليابان والتونكين التي كان فيها قبل الاضطهادات الأخيرة (87) محلاً دينياً ونحو (700) كنيسة. ثم يلي هذه بعثة الهند وتشمل جزائر الأقيانوسية إلى مانيلا والفلبين الجديدة. وأخيراً بعثات أمريكا التي تمتد على الأمريكتين الشمالية والجنوبية إلى جزائر الأنتيل.
قالت دائرة معارف القرن التاسع عشر التي نعتمد عليها بنوع أخص في إيراد هذا التاريخ، قالت بعد أن ذكرت عناية المبشرين بنشر دعوتهم وتوزعهم في الآفاق ما ترجمته:
ومع هذا، رغما عن المجهودات العظيمة التي بذلها المبشرون، فإن أعمالهم لعدم ارتكانها على شيء جدي ارتكست إلى ضد ما وضعت له. فحرمت اليابان الديانة النصرانية على رعاياها سنة (1615) م، وطردت سيام المبشرين من ممالكها سنة (1688) م وزالت المسيحية من الصين عقب المناقشات التي ثار ثائرها بين الجيزويت والدمينيكان وطرد المبشرون منها مراراً. فما هو يا ترى سبب انهيار عمل المبشرين في العالمين؟
نأخذ الجواب عن مؤرخ ديني ولكنه خال من الغرض فقد قال:
«إن المبشرين وخصوصاً الجيزويت يعاملون الوطنيين بخشونة تبعدهم عن الدين الذي يدعونهم إليه. وزيادة على هذا فإن هذه الجماعات الجيزويتية كان أكثرها يشتغل بالتجارة والمضاربات ويجتهد في الحصول على المال. فكان لجماعتهم مستودع عظيم في جزائر الفلبين خاص بتجارتها مع أمريكا والهند فكانت تصدر لأسبانيا وروما منها كنوز عظيمة من المال ومع هذا فكانت تنشر نشرات تحت عنوان (خطابات معلمة وعجيبة) بين كاثوليك أوروبا بقصد إمداد البعثات الدينية بشيء من مكارمهم وكانوا يحترسون أن يذكروا فيها شيئاً عن تجارتهم ومضارباتهم الصناعية. وكانت تلك النشرات تصور البعثات الجيزويتية مركبة من رجال اللّه الذين يلتهبون شوقاً إلى نيل درجة الشهادة معرضين أنفسهم لجميع الأخطار لكسب الأرواح للإنجيل وكانت تسجل لهم نجاحاً باهراً في أداء مهمتهم. فكان يتوهم من يقرأ تلك الخطابات أن المسيحية في أمريكا والشرق أزهر منها في أوروبا ذاتها. وكانت البعثات من الطوائف المسيحية الأخرى يشهدون بأن الخطابات المعلمة التي ينشرها الجيزويت لا تحوي إلا حكايات مختلفة تؤلف بقصد جر المنفعة المادية من أتقياء الكاثوليك لإغناء شركتهم التجارية، وكانوا يشنون على البعثات الأخرى حرباً عواناً ليتخلصوا من شهادتها على مختلقاتهم، فمن المحقق أن النتائج التي يطنطن بها الجيزويت في خطاباتهم لا وجود لها في الواقع. وغاية الأمر أن البعثات الدينية توصلت بعد جهد جهيد لاستهواء عدد من رجال تختلف درجاتهم في المدارك. ولكن ليس بصحيح أن المسيحيين كثر عددهم في البلاد التي أقامت بها تلك البعثات. ونرى اليوم أن تلك البعثات رغماً عن جهادها المتواصل في الجهات الشرقية من أمريكا لم تتوصل إلا إلى تنصير عدد قليل من أهل أمريكا الأصليين. ولدينا سبب آخر يدلنا على أن الحال يستحيل أن يكون على غير هذا المنوال وذلك أن البعثات الدينية لا تستطيع أن تثبت في جهة من الجهات إلا تحت حماية قوية تحميها من الاضطهادات أو تتسرب إليها على أثر فاتح من الفاتحين. وعليه فقد وجد ضدهم حذر لا يقاوم ويستحيل ملاشاته وهذا أمر لا يحتاج لبيان. ولذلك نعفي أنفسنا من إيراد أرقام الإحصاءات المختلفة التي تنشرها نشرات بث الدعوة إلى الدين، وهي تثبت أن هذه الدعوة لم تكن في حين من الأحيان زاهرة كما يدعون. ويجب عدم الثقة بهذه الإحصاءات وعدم النسيان بأنها تحرر بكثرة من باريس وليون. وننصح بوجوب مقارنتها بالمؤلفات التي تنشر ضدها نذكر منها مذكرات الأب نوربيرما كابوسان ومؤلفات الدومنيكان أورفاتل ونافاريت وغيرهما، والمذكرات المقدمة لمعهد البابوية بروما بواسطة قسوس دير البعثات الأجنبية وأخبار السياح المختلفة، وكذلك بالجزء الثاني من تاريخ الجيزويت للقس جيتيه» انتهى كلام المؤرخ الديني نقلاً عن دائرة معارف القرن التاسع عشر.
أما علاقة المبشرين بالأمم التي يدعونها لدينهم مع أن أكثرها على درجة منحطة في العلم والإدراك ففيها عبرة لمن اعتبر. فقد كتبت مادموازيل فولان سنة (1765) م كما نقله عنها ديدرو في دائرة معارف قالت:
«إن للإنجليز كلفاً كما لنا بتنصير الناس، فقد يتغلغل مبشروهم في أحشاء الغابات يحملون للمتوحشين العقيدة. وقد حدث أن أحد رؤساء تلك القبائل قال لأحد أولئك المبشرين أخي انظر إلى رأسي وقد اشتعلت شيبا. أترى نشدتك اللّه من أن المستطاع أن يقتنع أحد ممن كان في سني هذا باعتقاد كل هذه الحماقات، ولكن لي ثلاثة أبناء، فأبعد عن أكبرهم فسيضحك مما تقول واستول على الأصغر فإنك تستطيع أن تقنعه بكل ما تقول؟.
ولبث مبشر آخر يدعو بعض المتوحشين بواسطة ترجمان فبعد أن سمعوا ساعة ما يقال لهم سألوا المبشر وماذا لنا إن اعتقدنا ما تقول؟
فقال المبشر للترجمان قل لهم إنكم تكونون عباد اللّه.
فأجابه الترجمان كلا إنهم لا يريدون أن يكونوا عبيدا لأحد.
فقال المبشر إذا كان الأمر كذلك فقل لهم إنهم يكونون أبناء اللّه.
فأجاب الترجمان هذا حسن وسر المتوحشون من هذا الجواب.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عقائد القدماء في الروح والخلود

عقائد القدماء في الروح والخلود كانت الأمم القديمة عامة تعتقد في وجود الروح وخلودها. فكان ...