المذاهب الفلسفية في الروح الإنسانية

المذاهب الفلسفية في الروح الإنسانية
مسألة الروح الإنسانية وخلودها من أكبرالمسائل الفلسفية وقد تنازعتها الفلسفات المتضاربة بالإيجاب والسلب قرونا طويلة، ولا غرو فهي أعلق المسائل بقلب الإنسان لأنها أمس المسائل به، وأكثرها علاقة بشؤونه، بل هي مُطْمأن آماله حين ينقطع رجاؤه من عالم الحس. ومُتَنَسّم نفسه حين يعجز الوجود المادي عن متابعة أحلامه وأمانيه.
الإنسان عالم عجيب متع من قوى التعقل بمواهب ليس وراءها غاية حتى أنه ليحكم على وجوده بالنقص من بعض جهاته، وينتقد على النواميس الأزلية التي تحكمها في كثير من شطحاته.
ومنح من كرائم العواطف بما يريه الكمال على إطلاقه. فعرف العدل والرحمة والجمال والحب والفضيلة على حالاتها المطلقة فأصبح يرى وراء كل عدل عدلا أشمل منه، وخلف كل رحمة وجمال وحب وفضيلة معاني أرقى منها، على أنه قد يمرح ويشرب، ويتغنى ويطرب، ويكافح ويصارع، ويماكر ويخادع، ويشح ويبذل ويطيش ويقتل، فتارة يعلو كبرا إلى السماء وطوراً يستخذي حتى يلتصق بالدقعاء، وحيناً يتقمص روح الحكماء، ومرة يتلون تلون الحرباء، حتى يخيل لمن يتدبر حالته أنه لا يفكر في غير التملق لذاته، والتعبد لذاته، وهو خيال طوح بصاحبه عن حقيقة الحال فإن الإنسان مهما تلونت أحواله، فظهر بمظهر عدم المبالاة بمسألة روحه، فهي أعلق المسائل بقلبه، وأشدها تأثيراً على لبه. فما خوفه من الموت، ولا هلعه من الأمراض، ولا جزعه من البوائق بل وما تملقه لذاته، وجريه وراء لذاته، إلا أثراً من آثار ذلك الاهتمام بمسألة روحه يتبين ذلك على أجلى وجوهه من لا يقف مع النظر السطحي، و البحث القشري.
هل أتى على واحد من نوع الإنسان حين لا يفكر في مصير نفسه بعد الموت، وعاقبة أمره بعد انحلال جثمانه؟ لا أظن أن إنسانا تجرد عن هذا الفكر إن لم يكن في كل أحيانه فكلما مر ببصره حادث يفكره بمصيره، أو طرق سمعه خبر تنزعج له حواسه.
قد تصرف الإنسان عن الفكر في مسألة روحه صوارف شتى من تكاليف حياته، وشؤون مكافحاته، ولكنه متى أصابه عرض مرض، تنبهت مشاعره وتيقظت حواسه، وفكر فيما عسى أن ينتهي إليه أمره إن أودى هذا المرض بحياته.
فأما الذين رزقهم اللّه إيماناً ثابتاً فتهب عليهم من قبل هذه العقيدة نسمة هدوء وسكون فيستسلمون للقدر راجين فضل اللّه ورضوانه وأما الذين تكون الشبهات العلمية قد أخذت من ألبابهم، ونالت من عقائدهم فيلتمسون في تلك اللحظة استجماع أدلة الخلود مقودين إلى ذلك رغم أنوفهم فكلما لاح لهم دليل هشوا إليه وبشوا، وتلقوه تلقي الظمآن المنقطع للماء السلسال، ومن تكون الشبهات قد أتت على مادة إيمانه فاستأصلتها، ونور فطرته فطمستها فيشعر من تارات اليأس، وظلمات الكمد بما لا يعد مرضه بجانبه شيئاً مذكوراً وكثير منهم يتعجل الموت هربا مما هو فيه من اليأس، وأظن أنه ليس في القراء من لا يذكر أنه قرأ أخباراً عن الذين قتلوا أنفسهم في حالة المرض تذكر الجرائد أنهم قتلوا تخلصاً من الآلام والحقيقة أنهم قتلوها هرباً من اليأس وشرودا من وجه فكرة الفناء المظلم.
عاطفة حب الخلود من أشرف عواطف النفس بل هي العاطفة الكريمة التي تشعر بأنها من طبيعة أرقى من طبيعة هذه الأرض، وقد اتخذها بعض الفلاسفة من أدل الأدلة على حقيقة الخلود. فقالوا إذا لم يكن للإنسان خلود فلم أودعت فيه هذه العاطفة ولم يعهد في أعمال الطبيعة الجزاف والسرف؟.
كان يعنينا من أمر التدليل على حقيقة الخلود ما يعنينا الآن لولا أن الاعتقاد به هو العامل الوحيد المؤيد لأركان الأخلاق، والباعث القوي على التعالي عن البهيمة العجماء.
للقارىء أن يتأمل في سيرة رجلين أحدهما منكر للخلود يظن أن من مات تحلل جسمه، وأمحي أثره، وزال وجوده وبطل كل ما بلغه من محصول عقلي، وارتقاء نفسي، وكمال صوري وأدبي، والآخر مثبت له يعتقد بأن الموت انتقال من دار أعمال إلى دار جزاء يرى فيها كل عامل ثمرة ما عمل من خير وشر. وينفتح له من باحات الجمال المعنوي ما يدوم عروجه فيه إلى كمال لا يحد بحد، ولا يتقيد بقيد.
للقارىء أن يتأمل في حال أولهما ليرى هل يعقل أن تكون له شكيمة ترده عن هوى، أو تصده عن غي، أو تصرفه عن باطل، أو تزجره عن إتيان قبيح؟.
إن من الملحدين من هم فضلاء في نظر المجتمع ولكنها فضيلة ظاهرية لا ترتكز على أصول نفسية، فضيلة أوجدها الحياء من المعاشرين، والتقية من سطوة القوانين، وإلا فلو لاح له هتك عرض، أو سلب مال، أو أي متاع وكان الجو خالياً، والرقيب غائباً لم يردعه رادع ولا خجل لأن الشهوة إذا امتلكت ناصية النفس قادتها إلى كل دنيئة، أللهم إلا من شذ.
وهناك من يعتقد أن للروح قدرة ذاتية على كبح جماح صاحبها لأنها من عالم علوي تنزع بفطرتها إلى الكمال، ولكن قلما يصل إنسان إلى إنالة روحه سلطانها على جسده لأن هذا الأمر يحتاج لرياضة نفسية قاسية لا تسهل إلا لمن يعتقد، بالخلود.
فعقيدة الخلود هي لا أقول الرادع للإنسان عن إتيان القبائح وغشيان الخسائس بل أقول هي مطمأن نفسه، وسكن خواطره ومعتصم اندفاعاته، بها تمتد أشعة أمانيه إلى ما لا نهاية، ولا تقف مراميه عند غاية، فتجد فطرته متسعاً لمواهبها، ومضطرباً لعواطفها. فيصبح فاضلاً لا لأنه يخاف عذاباً، بل لأنه يجد لذة الفضيلة أكبر من لذة الرذيلة فيميل للأولى رغماً. ولا فضيلة لمن يعتقد بأنه حيوان فان.
وعلى هذا كان لا مناص لنا وقد وصلنا إلى بحث الروح من توفية هذا المقام حقه لتقرير هذه العقيدة الجليلة أولاً. ولدحض الشبهات التي يتلاعب بها الماديون ثانيا. فقد كثرت هذه الشبهات حتى يكاد من يحفظ منها شيئاً أن يعد نفسه من الخالصين من أسر الأوهام مع أنه لو تأمل في الأمر ملياً اتضح له أنه بإنكاره انحط من المدركات إلى أسفل الدركات، ولكن لكل جديدة لذة.
على أنه سيتضح للقارىء مما يلي أن دولة الماديين قد زالت، وجدتهم قد زالت وإن اللّه قد فتح على الناس من قبل المحسوسات ما أرغم أنوف غطارفتهم واللّه غالب على أمره.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عقائد القدماء في الروح والخلود

عقائد القدماء في الروح والخلود كانت الأمم القديمة عامة تعتقد في وجود الروح وخلودها. فكان ...