المماليك

المماليك
هم الرقيق الذين كانوا يؤسرون بالحروب. وقد اعتمد عليهم السلاطين في دفاعهم عن عروشهم. فكانوا يأتون بالرقيق ويسلموهم إلى المختصين ليعلموهم القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم وملازمة الصلاة والأذكار، وإذا ما شبوا بدأوا في تعليمهم فنون الحرب والرماية والفروسية وينتقل بعدها من رتبة إلى رتبة إلى أن يبلغ أمير الأمراء أو قائد الحرس الملكي أو قائد الجيش. وأول من قام بنقلهم هو الملك الصالح نجم الدين أيوب. وبعد وفاته عام 638 هـ كتمت زوجته شجرة الدر أمر وفاته حتى وصل إلى مصر ابنه توران شاه حيث قاد بنفسه قتال الصليبيين بينما كانت هي تدير شؤون المملكة. وقد تمكن الأمير بيبرس البندقداري من جمع جيش المسلمين وإبادة الصليبيين الغزاة. ثم اختلف توران شاه مع الأمير فارس الدين أقطاي وبيبرس البندقداري وقتلوه عام 648 هـ. أما شجرة الدر فقد عينت عز الدين أيبك سلطاناً وتزوجته فيما بعد. وقد غضب الأيوبيون في بلاد الشام من سيطرة عز الدين أيبك على مصر وقاتلوه إلا أنهم لم يستطيعوا انتزاع السلطة منه. إلى أن أعلن أيبك ارتباط مصر بالخلافة العباسية في بغداد وراح يخطب للخليفة المستعصم. ثم برز الأمير فارس الدين أقطاي وعلا نجمه وصار ينافس عز الدين أيبك فاستدعاه أيبك وقتله بواسطة سيف الدين قطز. وأسرع أنصاره لإنقاذه ظناً منهم أنه لم يمت وعلى رأسهم الظاهر بيبرس وقلاوون الإلفي لكنهم لم يلبثوا أن أخبروا أن أمره قد انتهى. وهكذا انقسم المماليك إلى «معَزية» أنصار أيبك وبحرية أو صالحية أنصار الملك الصالح أيوب. ثم قامت شجرة الدر بمساعدة مماليكها على قتل زوجها عز الدين أيبك بعدما علمت أنه ينوي الزواج مرة أخرى وفي عام 655 هـ وإثر وفاته قدّم المماليك عليهم نور الدين علي بن عز الدين أيبك ولكن سيف الدين قطز لم يلبث أن عزله لضعفه وصغر سنه وللأخطار المحدقة بالمسلمين من كل صوب وخاصة بعدما سقطت بغداد حاضرة الخلافة الإسلامية بيد المغول عام 656 هـ واستولوا على بلاد الشام (حلب ودمشق) عند ذلك عاد المماليك إلى وحدتهم ليقفوا بوجه الجيش المغولي الكاسح الذي يستعد للهجوم على مصر فانضم المماليك المعزية بقيادة الظاهر بيبرس والأمير قلاوون إلى قيادة سيف الدين قطز وخاضا معاً معركة عين جالوت. وقد كان أمير الجيش الإسلامي سيف الدين قطز وانتصر المسلمون انتصاراً كبيراً وقتل قائد التتار كتبغا وأسر ابنه.
وتابع قطز تقدمه نحو بلاد الشام فحررها من التتار وأعاد بعض ملوك الأيوبيين إلى ممالكهم بعد أخذ المواثيق والعهود عليهم بالولاء ودفع الإتاوات للسلطان بمصر.
وبعد عودة المماليك إلى القاهرة قتل الظاهر بيبرس أميره سيف الدين قطز ـ لخلافات قديمة ـ واتفق أمراء المماليك على تعيين الظاهر بيبرس البندقداري سلطاناً على مصر.
ومع استلامه أمور السلطنة وقفت دولة المماليك على أقدامها وأصبحت محط أنظار المسلمين بعدما رجعت الخلافة العباسية من القاهرة وتحت رعايتهم.
ولقد استمر الحكم المملوكي 275 عاماً وتقسم إلى قسمين:
1 ـ المماليك البحرية 648 ـ 792 هـ.
2 ـ المماليك الجراكسة 792 ـ 923 هـ.
المماليك البحرية:
ويمتد حكمهم من عام 648 ـ 792 هـ أي ما يقارب من مائة وأربع وأربعين سنة، وقد تمثل في هذا الحكم أسرتين فقط هما:
ـ أسرة الظاهر بيبرس البندقداري سنة (658 ـ 678 هـ ): وقد دام حكم الظاهر بيبرس 18 سنة وقد حرص على بقاء أسرته في الحكم من بعده وكان خوفه من المماليك أنفسهم وخاصة منهم المنصور قلاوون.
وقد تم على عهد الظاهر بيبرس مبايعة أول خليفة عباسي وهو المستنصر بالله أحمد بن محمد الظاهر أول رجب عام 609 هـ ثم بايعه قاضي القضاة تاج الدين ثم الشيخ عز الدين بن عبد السلام. وقد قام هذا الخليفة بجمع الجيش لمحاربة التتار وقد استطاع دخول مدينة الحديثة على نهر الفرات وسار بعدها إلى هيت ودخلها أيضاً. إلا أنه استشهد في معركة أخرى مع التتار واستلم الخلافة بعده الحاكم بأمر الله عام 661 هـ وقد أكرمه الظاهر بيبرس وأنزله بالبرج الكبير بالقلعة وخطب له وقد عمل الظاهر بيبرس على تقوية مكانة القاهرة كعاصمة للخلافة الإسلامية فلم يرسل الخليفة لقتال المغول في بغداد وسار هو عام 664 هـ إلى بلاد الشام لقتال الصليبيين فحرر قيسارية وأرسوف ثم هاجم عام 665 هـ قلعة صفد واستولى عليها ثم أخذ يافا وهاجم كيليكيا ودخلها عام 669 هـ. وعلى جبهة التتار فقد تحالف الظاهر بيبرس مع بركة خان أمير التتار في شمال البلاد وهو أول التتار الذين أسلموا في مدينة سراي على نهر الفولفا مكان ستالينغراد اليوم.
كما أغار الظاهر بيبرس على قبرص وحارب أرمينيا الصغرى.
وفي عام 676 هـ توفي الظاهر بيبرس، وتولى السلطنة بعده ابنه الملك السعيد محمد وكان عمره 18 سنة، ولم يلبث في السلطنة سوى سنتين حيث قام عليه المماليك للهوه وأرسل ليكون ملكاً على الكرك وعين مكانه أخوه بدر الدين سلامش وكان صغيراً لا يتجاوز 7 سنوات وعين الأمير سيف الدين قلاوون أتابكاً له ولقب بدر الدين بالملك العادل غير أنه لم يلبث أن خلع وبايعوا الأمير سيف الدين قلاوون ولقبوه بالملك المنصور وذلك عام 663 هـ.
ـ أسرة السلطان المنصور قلاوون التي امتد حكمها 114 سنة (678 ـ 792 هـ ): تمكن المنصور قلاوون من توحيد كلمة المسلمين مع بلاد الشام وقاد الجيش الإسلامي عام 780 هـ ضد الجيش المغولي قرب مدينة حمص وقلب الهزيمة إلى نصر ساحق بإذن الله، كما فتح قلاوون قلعة المرقب وما حولها عام 684 هـ وانتقل بعد ذلك إلى طرابلس وفتحها عام 688 هـ وكانت قد بقيت بأيدي الصليبيين منذ عام 503 هـ.
وفي عام 689 هـ توفي السلطان المنصور قلاوون وخلفه ابنه الأشرف صلاح الدين خليل الذي أكمل مسيرة أبيه في الجهاد فحرر عكا من الصليبيين عام 690 هـ كما دخل صيدا وصور وبيروت وجبيل وطرطوس.
وفي عام 693 هـ قتل الأشرف صلاح الدين خليل بيد أمراء المماليك وتولى أمور السلطنة قاتله بيدرا الذي لقب بالملك القاهر، غير أنه قتل في اليوم الثاني بأمر من كتبغا وعين مكانه محمد بن السلطان قلاوون ولقب بالملك الناصر وكان عمره 8 سنوات ولم يمضى عام على توليته حتى خلع وتولى الأمر بعده الأمير كتبغا وتلقب بالملك العادل.
ثم قام نائبه على مصر حسام الدين لاجين أثناء زيارة الملك العادل لدمشق بخلعه وبويع بالسلطنة من قبل الأمراء المماليك، وتلقب لاجين بالمنصور وذلك عام 696 هـ ثم قتل أمراء المماليك الملك المنصور لاجين ونائبه سيف الدين منكوتمر عام 698 هـ وأعيد الملك الناصر محمد بن قلاوون سلطاناً. وعلى عهده تولى الخلافة المستكفي بالله سليمان بن أحمد الحاكم بأمر الله الذي على عهده فتحت جزيرة أرواد وهي آخر موقع للصليبيين في بلاد الشام.
وكذلك كان الخليفة المستكفي على رأس الجيش الإسلامي مع السلطان محمد بن قلاوون في مواجهة التتار في موقعة شقجب قرب دمشق وقد انتصر المسلمون في هذه المعركة نصراً كبيراً. كما أرسل السلطان محمد بن قلاوون حملة إلى آسية الصغرى بقيادة أمير الشام دنكز عام 715 هـ فاستطاعت دخول ملاطية على نهر الفرات.
وفي عام 736 هـ قبض السلطان على الخليفة ونفاه إلى بلدة قوص جنوبي مصر وقد بقي هناك حتى وفاته عام 740 هـ. وبايع بعده إبراهيم بن محمد بن أحمد الحاكم بأمر لله الذي كان سيء الخلق وقد بقي بالخلافة ست سنوات وقد ندم السلطان محمد فيما بعد على مبايعته.
وأوصى بمبايعة أحمد بن الخليفة المستكفي وذلك عام 742 هـ.
أما بشأن السلطنة فقد تولاها سيف الدين أبو بكر بن السلطان الناصر محمد بن قلاوون الذي بايع الخليفة أحمد ولقبه بالحاكم بأمر الله. وقد توالى على هذا الخليفة ثمانية من أبناء السلطان الناصر محمد بن قلاوون في مدة لا تتجاوز 10 سنوات، والإخوة على التوالي هم: سيف أبو بكر، الأشرف علاء الدين كجك، الناصر شهاب الدين أحمد، الصالح إسماعيل الكامل شعبان، المظفر أمير حاج، الناصر حسن الذي حكم وحده ما يقرب من 4 سنوات وفي عهده انتشر الطاعون في البلاد بشكل كبير عام 752 هـ ، ثم استلم السلطنة بعده الملك الصالح صالح الذي استمر حتى عام 755هـ.
وفي عام 753 هـ مات الخليفة الحاكم بمرض الطاعون وخلفه ابنه أبو بكر الملقب بالمعتضد بالله وبقي بالخلافة مدة عشر سنوات وعلى عهده خلع السلطان الملك الصالح صالح عام 755 هـ وأعيد الناصر حسن وبقي في السلطنة مدة سبع سنوات ثم قتل عام 762 هـ وأعطي السلطنة ابن أخيه المنصور محمد بن المظفر أحمد حاج ولم تمض عليه سنتين حتى خلع وتولى السلطنة ابن عمه الأشرف شعبان بن حسين بن الناصر محمد بن قلاوون.
وفي عام 763 هـ توفي الخليفة المعتضد وخلفه ابنه المتوكل على الله محمد. وعلى عهده قام الصليبيون من قبرص بغزو الإسكندرية والاستيلاء عليها بتأييد من الملوك الأوروبيين وفي عام 778 هـ قتل الأشرف شعبان وسلمت السلطنة إلى ابنه علي الذي بقي حتى توفي عام 783 هـ وتسلم الأمر من بعده أخوه الصالح حاجي لمدة سنة فخلع بعدها وأخذ الأمر السلطان الظاهر برقوق وهو أول المماليك الجراكسة.
المماليك الجراكسة (792 ـ 923 هـ )
موطنهم الأصلي هو الأرض المشرفة على البحر الأسود من جهة الشمال الشرقي، وقد غدت تلك الجهات آنذاك مسرحاً للصراع بين مغول فارس وبين مغول القنجاق وهذا الصراع جعل أعداداً من أبناء الجركس يدخلون في سوق النخاسة وينتقلون إلى مصر فاشترى السلطان قلاوون أعداداً منهم ليتخلص من صراع المماليك البحرية وقد أطلق على هؤلاء المماليك الجدد المماليك الجراكسة نسبة إلى أصولهم التي ينتمون إليها وقد حرص المنصور قلاوون على تربية مماليكه التربية الدينية والعسكرية في وقت واحد وبعد مدة أصبحت أعدادهم كثيرة وغدوا أصحاب رتب عسكرية ومنهم الأمراء والقادة واستطاعوا أن يتسلموا السلطنة ويحكموا البلاد.
لقد حكم الجراكسة مصر والشام والحجاز مدة تزيد على إحدى وثلاثين ومائة سنة (792 ـ 923 هـ ) تعاقب في هذه المدة سبعة وعشرين سلطاناً لم تزد مدة الحكم على خمسة عشر عاماً إلا لأربعة منهم هم: الأشرف قايتباي وقد حكم 29 سنة والأشرف قانصوه الغوري وقد حكم 17 سنة والأشرف برسباي وحكم 16 سنة والظاهر جقمق وحكم 15 سنة.
وهناك ست سلاطين حكموا عدة سنوات أما السلاطين الخمسة عشرة الباقون فكانت مدة حكم الواحد منهم أقل من سنة. حتى إن بعضهم لم يلبث في السلطنة سوى يوم واحد وهو خيربك الذي تسلم السلطة مساءً وخلع صباحاً.
تسلم السلطان الظاهر برقوق السلطنة للمرة الأولى مدة ست سنوات (785 ـ 791 هـ ) ثم قبض عليه وسجن بالكرك وأعيد السلطان حاجي لمدة سبعة أشهر فقط ثم رجع الظاهر برقوق إلى السلطنة واستمر في المرة الثانية بالحكم حتى توفي عام 806 هـ ، وقام بعده ابنه السلطان فرج ولقب بالناصر وبقي حتى عام 808 هـ حيث خلع وحل محله أخوه عبد العزيز الملقب بالمنصور ثم خلع بعد ثلاثة أشهر تقريباً وأعيد الناصر فرج، وفي ذلك العام توفي الخليفة المتوكل على الله محمد بن المعتضد.
وفي عام 759 هـ دخل تيمورلنك بغداد وهدد المنطقة وخرج الظاهر برقوق على رأس حملة لمواجهته غير أن المعركة لم تحصل بسبب عودة تميورلنك إلى الشرق.
وفي عام 803 هـ خرج الناصر فرج بن برقوق على رأس حملة إلى بلاد الشام لكنه ترك جيشه وعادوا إلى مصر فدخل تيمورلنك دمشق وسحق الجيش المملوكي.
وفي عام 805 هـ انتصر تيمورلنك على الجيش العثماني الذي كان بقيادة السلطان بايزيد العثماني فاضطر الناصر فرج بالرضوخ لشروط تيمورلنك وضرب النقود باسمه.
وفي عام 808 هـ توفي الخليفة المتوكل على الله وبويع بعده ابنه المستعين بالله العباس بن محمد الذي تحمل أيضاً أعباء السلطنة بناء على رغبة الأمراء المماليك بعد مقتل السلطان الناصر فرج عام 815 هـ أثناء قتاله للمحمودي. فعمد الخليفة إلى تفويض «شيخ» تدبير شؤون المملكة ثم طلب «شيخ» من الخليفة أن يفوضه أيضاً السلطنة إلا أن الخليفة رفض ذلك فأخذ الشيخ السلطنة بالقوة وتلقب باسم «المؤيد» وأعلن خلع الخليفة المستعين وبايع أخاه داوود بن المتوكل على الله. وفي عهده انطلق السلطان المؤيد إلى الشام لإخضاع نائبها «نوروز» عام 817 هـ الذي رفض الانصياع له بعدما خلع الخليفة المستعين وقد تمكن من الانتصار عليه. وقد تابع طريقه إلى أطراف بلاد الشام الشمالية لإعادة تبعية الإمارات التركمانية إلى الدولة المملوكية.
وفي عام 824 هـ توفي السلطان المؤيد وقلد السلطنة ابنه أحمد ولقب بالمظفر وأعطي الأمير «ططر» تدبير شؤون المملكة وبعد مرور سبعة أشهر خلع ططر السلطان المظفر وتسلم مكانه وتلقب باسم الظاهر، وبعد أربعة أشهر توفي ططر، فقلد الخليفة أمر السلطنة لابنه محمد الذي تلقب بالصالح وجعل شؤون المملكة للأمير برسباي، وبعد أربعة أشهر أي في عام 825 هـ خلع الأمير برسباي السلطان الصالح بن ططر وتسلم شؤونها وقلده الخليفة أمرها وتلقب بالأشرف. عمل الأشرف برسباي على رد الغارات التي قام بها الصلبيون من قبرص ففي عام 827 هـ أرسل حملة أولى إلى ليماسول للاستطلاع وفي العام المقبل أرسل حملة عسية إلى مدينة «فاماغوستا» وقد أحرزت النصر ومكثت أربعة أيام ثم اتجهت إلى مدينة «ليماسول» وتمكنت من فتحها وبعد عام أيضاً خرجت حملة جديدة سارت نحو «ليماسول» ففتحتها ثم اتجهت نحو الداخل فالتقت بجيش عظيم يقوده ملك القبرص «جانوس» وجرت معركة طاحنة بين الفريقين انتصر فيها المسلمون انتصاراً كبيراً وأسروا الملك «جانوس» ورجعوا به إلى مصر. ثم فدى الملك نفسه على أن تصبح قبرص تابعة لدولة المماليك.
وبالنسبة إلى إمارات التركمان على أطراف بلاد الشام فقد أرسل الأشرف برسباي حملة عام 833 هـ استطاعت تهديم مدينة «الرها» وبدأ بعدها النفوذ العثماني يقوى في تلك الإمارات.
وفي عام 841 هـ توفي الأشرف برسباي فقلد الخليفة السلطنة إلى الأمير جقمق، وبعد ثلاثة أشهر خلع جقمق من السلطنة على يد العزيز يوسف بن برسباي وتلقب العزيز وجعل شؤون المملكة إلى الأمير جقمق الذي قام بعد ثلاثة أشهر أيضاً بخلع السلطان العزيز بن برسباي وتسلم هو أمرها من جديد وقد اشتهر الظاهر جقمق بورعه وتقواه، كما قام في عام 844 هـ بغزو جزيرة رودوس بتشجيع من السلطان العثماني في مراد الثاني.
وفي عام 845 هـ توفي الخليفة المعتضد بالله داوود وخلفه شقيقه سليمان بن محمد الملقب بالمستكفي بالله. وقد غزا جقمق على عهده أيضاً جزيرة رودوس عام 849 هـ وثار على الظاهر جقمق أتابك مصر قرقماس الشعباني ونائب الشام، وقام العبيد بفتنة في منطقة الجيزة غير أنه تمكن من القضاء عليها جميعها.
وتوفي الخليفة عام 854 هـ وقد تولى الخلافة بعده أخوه القائم بأمر الله حمزة بن محمد المتوكل وقد توفي على عهد الظاهر جقمق عام 857 هـ فقلد الخليفة ابنه عثمان أمر السلطنة وحمل لقب المنصور وكان مدبر شؤون الدولة الأمير «أينال» وبعد شهر ونصف من تسلم المنصور السلطنة خلعه الأمير أينال وتسلَّم مكانه فقلده الخليفة أمر السلطنة وتلقب بالأشرف واختلف السلطان أينال مع الخليفة القائم بأمر الله فقبض السلطان على الخليفة وسجنه بالاسكندرية حتى مات عام 863 هـ ، ثم بايع أخاه المستنجد بالله يوسف بن محمد وهو الخليفة الخامس من أبناء المتوكل على الله. وقد بقي الأشرف أينال سلطاناً حتى وفاته في عام 865 هـ حيث قلد الخليفة من بعده ابنه أحمد وتلقب بالمؤيد ولم تمض مدة حتى وثب على المؤيد الأمير خشقدم وخلفه واستبد بالأمر وتقلد السلطنة من الخليفة وتلقب بالظاهر سيف الدين خشقدم وقد استمر في حكمه سبع سنوات حيث توفي عام 872 هـ فتوالى على السلطنة الأمير «بلباي» الذي حكم شهرين ثم الأمير «تمربغا» الذي حمل لقب الظاهر ثم خلعه الجنود وعينوا مكانه الأمير خيربك الذي خلع بعد 12 ساعة ثم تقلد السلطنة الأمير «قايتباي» ولقب بالأشرف فاستقر له الأمر مدة 29 سنة وأخذ الأمور بحزم فدانت له. ونتيجة الاستقرار فقد انصرف إلى إنشاء الجسور والمدارس والمساجد كما اهتم بالأمور العسكرية فقد أرسل عدة حملات ضد إمارة «ذو القادر» التركمانية على حدود بلاد الشام والتي تخضع للعثمانيين بالولاء وكان على عهده السلطان العثماني محمد الفاتح. وقد استطاعت الحملة التي أرسلها الأشرف قايتباي عام 876 هـ ضد (شاه سوار) زعيم هذه الإمارة أن تستولي على «عينتاب» «وأضنة» «وطرسوس» وأن تأسر «شاه سوار» نفسه وحمله إلى القاهرة وقد شنق هناك عام 877 هـ. وكان قائد الحملة الأمير «يشبك» وفي عام 877 هـ أيضاً قاد الأمير «يشبك» حملة ضد الدولة التركمانية الثانية (الشاه البيضاء) التي كان أميرها آنذاك «حسن الطويل» الذي أغار على ضواحي حلب، وقد تمكن الأمير «يشبك» من إحراز النصر في معركة البيرة على نهر الفرات.
وفي عام 884 هـ توفي الخليفة المستنجد بالله وخلفه ابن أخيه عبد العزيز بن يعقوب المتوكل على الله (الثاني) وفي عام 885 هـ قاد الأمير «يشبك» حملة إلى جهات التركمان فالتقى مع أمير دولة (الشاه الأبيض) فهزم المماليك وأسر «يشبك» وقتل على شاطىء نهر الفرات، فعقد الأشرف قايتباي صلحاً مع إمارة (الشاه الأبيض).
وفي عام 893 هـ توفي الخليفة المتوكل الثاني وخلفه ابنه المستمسك بالله يعقوب بن عبد العزيز وفي عهده توفي الأشرف قايتباي عام 901 هـ فقلَّد ابنه محمد السلطنة وتلقب باسم الناصر غير أنه لم يلبث أن عزل بعد عدة أشهر إذ كان صغيراً لم يزد عمره على الأربع سنوات، فقلد الخليفة الأمير قانصوه، غير أن الجند وثبوا عليه وقتلوه بعد مرور سنة على تسلمه السلطنة وأعيد الناصر محمد بن قايتباي ثم لم يلبث أن قتل بعد عدة أشهر وقام الظاهر قانصوه خال السلطان قانصوه (الذي قتل) لكنه عزل بعد أشهر أيضاً، وقام بأمور الدولة الأمير «جان بلاط» فقلده الخليفة وأخذ لقب الأشرف.
وعلى عهده أعلن نائب الشام الأمير (قوصروه) العصيان فأرسل له الأشرف جان بلاط حملة بقيادة الأمير «طومان باي» ومعه الأمير «قانصوه الغوري» ولما وصل «طومان باي» إلى الشام اتفق مع نائبها على الغدر بالأشرف جان بلاد وسارا إلى مصر معاً وقبضوا على جان بلاط ثم تعيين «طومان باي» سلطاناً باسم الملك العادل وعين الأمير قوصروه أتابكاً للجند إلا أن العادل «طومان باي» غدر بصديقه قوصروه وقتله. وبدأ عهد من الظلم فتآمر بعض الجند على العادل فهرب منهم واختفى، وتوجهت الأنظار إلى الأمير «قانصوه الغوري» لتعيينه سلطاناً فهو أكبرهم سناً وكان قد عرف عنه شجاعته وبسالته مع «الأشرف قايتباي» فرفض قانصوه الإمارة وبكى من جراء ما آلت إليه حال المماليك من قتل بعضهم لبعض. غير أنهم أصروا فاشترط عليهم دعمه وعدم الغدر به فوافقوا على ذلك. وقلده الخليفة السلطنة عام 906 هـ ، وتلقب بالأشرف قانصوه الغوري، وكان أول ما قام به ملاحقة العادل طومان باي حتى قبض عليه وقتله، ثم عين في الدولة الأمراء الذين يثق بهم وحصن الإسكندرية وأصلح القلعة وحفر الترع ووطد الأمر والاستقرار، وفي عهده أغار الاسبتاريون من رودوس على مصر عام 914 هـ فردهم.
لما قام البرتغاليون الصليبيون بالنزول على سواحل بلاد العرب جهة البحر الأحمر فجهز الأشرف قانصوه حملة جعل قيادتها لحسين الكردي وأبحرت الحملة من السويس عام 911 هـ واستطاعت أن تهزم البرتغاليين على الشواطىء الهندية عام 914 هـ وأن تغنم غنائم كبيرة. وفي نفس العام تنازل الخليفة المستمسك بالله عن الخلافة لابنه محمد الملقب بالمتوكل على الله (الثالث) وهو آخر خلفاء بني العباس وقد انتقل إلى اسطنبول مع السلطان العثماني بناءً على رأي الخليفة الجديد سليم الأول.
وكان السلطان على عهده الأشرف قانصوه الغوري الذي وقف بوجه غارات البرتغاليين وأرسل الحملات البحرية لمواجهتهم في البحر الأحمر.
وفي هذا العهد قامت الدولة «الصفوية» في تبريز بعدة هجمات على المماليك الذين كانوا معهم على خلاف عقائدي. ففي عام 916 هـ دخل الصفويون بغداد وهرب ملكها مرادخان التركماني والتجأ إلى مصر. كما حض الصفويون ملوك الفرنجة على غزو مصر وخاصة البرتغاليين. أما بالنسبة إلى الدولة العثمانية فقد كانت العلاقة حسنة بينها وبين المماليك في مصر الشام. فقد زينت القاهرة عام 857 هـ بأمر من السلطان أينال بمناسبة فتح العثمانيين لمدينة اسطمبول القسطنطينية وكانت القاهرة ترسل الوفود لتهنئة السلطان عقب كل نصر إلا أن العلاقات قد تعكرت عام 865 هـ عندما وصل السلطان الظاهر خشقدم إلى السلطنة ومات أميرا دولتي (ذو القادر) و(قرمان) التركمانيتين فعين العثمانيون عليها أميرين من غير أنصار المماليك فبدأ يظهر الخلاف، وزاد أمره عندما لجأ إلى القاهرة الأمير (جم) أخو السلطان العثماني (بايزيد الثاني) وبنفس الوقت فقد احتضنت اسطنبول بعض الأمراء الفارين من الشام ومصر.ثم تطورت الأحداث أيام السلطان قايتباي كما مر معنا. ولقد أثارت تصرفات الصفويين السلطان سليم الأول وتبين أنها تأتي دعماً للأوروبيين وخاصة البرتغاليين الصليبيين وذلك بغية إلهاء الدولة العثمانية عن التوغل في أوروبا، وحاول العثمانيون أن يوحدوا جهودهم مع المماليك للوقوف في وجه الصفويين إلا أن المماليك فضلوا الوقوف على الحياد في هذه القضية، الأمر الذي أثار حفيظة السلطان العثماني. عندها توجهت طلائع الجيش العثماني نحو الشرق لقتال الصوفيين فواجهه أمير دولة (ذو القادر) علي دولات الموالي للمماليك وهذا ما زاد في قناعة العثمانيين في ضرورة القضاء على المماليك، فما كان منهم إلا أن داهموا التركمان وقتلوا ملكهم وتابعوا سيرهم نحو الصفويين وانتصروا عليهم في المعركة المشهورة (جالديران) عام 940 هـ ودخلوا عاصمتهم تبريز.
بعد هذا النصر استعد العثمانيون لقتال المماليك وقد أحس السلطان قانصوه الغوري بمشروع السلطان العثماني سليم فقام بالاستعداد لذلك وجهز جيوشه وانطلق إلى بلاد الشام وقابل الجيش العثماني قرب حلب في معركة مرج دابق حيث قتل وفتح العثمانيون بقية المدن في بلاد الشام دون معارك كبيرة تذكر، بل كان ينظر إليهم نظرة احترام وتقدير بعد فتوحاتهم في أوروبا وقتالهم للصفويين في الشرق.
وتابع السلطان سليم العثماني توغله حتى وصل إلى حدود مصر حيث وقف بوجهه السلطان الأشرف طومان باي في معركة الريدانية على أبواب القاهرة وانتصر العثمانيون وقتل طومان باي ودخلوا القاهرة حيث بايعه أهلها فتنازل له آخر خليفة عباسي وهو المتوكل على الله (الثالث) وقد أخذه السلطان سليم معه إلى اسطنبول وبذلك زالت دولة المماليك وانتهت الخلافة العباسية في مصر بعدما بقيت 264 سنة (659 ـ 923 هـ ).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الصليحيون

الصليحيون قامت دعوة الإسماعيلية عام 439 هـ على يد علي بن محمد الصليحي بعد أن ...