الموت

الموت
هو نهاية كل حي في هذا الوجود الكوني ومظهره خمود الشعور الحسي وتلاشي الإدراك ودخول الجسد الحيواني في حالة تحلل واستحالته إلى الأصول التي تكوَّن منها. لا يخلو حي مهما سفل في درجة الحيوانية من الشعور بثقل التفكير بالموت وشناعته فتراه يهرب منه جهده، ويدافعه بكل ما أوتيه من الوسائل ولكنه يضطر للخضوع له في النهاية لأن عوامله تحتاط به من كل مكان فتعجزه عن المقاومة فيستسلم له مكرها ويموت كما شاء له الله.
لم يطرح مسألة الموت والحياة على بساط البحث من أنواع الحيوان غير الإنسان لاتساع دائرة فكره وعجز تلك الكائنات عن متابعة النظر والتأمل في الأمور المعقولة. فعني بهذه المسألة من زمان بعيد أي الزمان الذي قام فيه الدين، ولكنه حل هذه المسألة على ضروب شتى على حسب مدركاته في كل جيل وذهب في ذلك كل مذهب حتى جاءت الأديان الكبرى البرهمية والبوذية واليهودية والمسيحية والإسلامية فجعلت هذه المسألة من أمهات مسائلها وأسست عليها كثيرا من طقوسها وليس هنا موضع لتفصيل مرامي كل منها وإنما نقول أنها كلها أجمعت (في شكلها الحاضر) على أن الموت ليس بشيء غير انتقال الروح من غلافها الطيني إلى عالم وراء هذا العالم كانت فيه قبل دخولها في الجسد، وأنها هنالك تثاب أو تعاقب على حسب أعمالها في هذا العالم الذي دفعت إليه لتبتلى فيه.
قلنا كل هذه الأديان (في شكلها الحاضر) بهذا القيد لأن البوذية في شكلها الأول على بعض الأقوال كانت لا تقول بحياة بعد الموت بل كانت تعد الموت هو المخلص للإنسان من شقاء هذا العالم لا لما يكون وراءه من الحياة الأبدية في عالم أرقى من هذا العالم بل لأنه باب الفناء الأبدي الذي لا شعور بعده.
والديانة اليهودية في عهدها الأول بعد تحريفها لم تعن بخلود الروح ولم تذكره بحرف، وما نشأ فيها ذلك إلا بعد دخولها في دور جديد في الأجيال التالية.
الخوف من الموت:
يتخذ القائل بخلود الروح اعتمادا على الأدلة العقلية الخوف من الموت وحب الخلود من الأدلة على بقاء الروح بعد الموت قائلين إن الخالق جلت قدرته لم يكن ليوجد هذا الحب للخلود عبثا، فلو لم يكن الخلود مقدرا للروح لما شعرت به، ولو شعرت به لما مالت إليه، فميلها إليه هذا الميل الشديد وذعرها من الفناء الذعر العظيم من الأدلة القاطعة على أنه مقدر لها لا محالة وإلا فإن هذا الشعور منها يكون جزافا والجزاف لا يصح أن يوجد في صنع اللّه ولا في صنع النواميس الحكيمة التي تقود هذا الوجود.
هذه بعض حجج الفلاسفة العقليين ولكن الفلاسفة الماديين كانوا يردون عليهم بأن الخلود هوى من أهواء النفس لا يرتكز على حقيقة وأن الذعر من الموت لا يكون إلا في الأدوار التي لا يحسب الموت فيها من عمر الإنسان ولكنه متى بلغ العمر غايته وجد الإنسان في نفسه نزوعا إلى الراحة الأبدية فضعف حبه للحياة وتمنى الموت كما يتمنى المتعب النوم وفقد الإحساس إلى حين. ولكن اعتراف كبار المفكرين وأقطاب العلماء الذين بلغوا الشيخوخة ينقض هذا الزعم فقد أجمعوا على أنهم يخافون الموت ويحبون الخلود ولا يرغبون في تلك الحالة التي يذهب فيها الشعور ويتلاشى معها الإدراك.
من هذه الاعترافات ما كتبه الفيلسوف الفرنسي الكبير شارل رينوفييه قبل موته بأيام وقد بلغ من العمر 88 سنة قال:
»إني لا أجهل حالتي اليوم وأعلم أني ميت بعد أسبوع أو أسبوعين وفي نفسي أشياء أحب أن أقولها تمس موضوع فلسفتنا. ولا يحق لإنسان وهو في مثل سني أن يفكر في شيء لأن الأيام بل الساعات التي بقيت له أصبحت معدودة فيجب علينا الإذعان لما هو واقع.
»إني أموت ولكن ليس بدون أسف، وآسف خصوصا لأني لا أعرف ما ستؤول إليه أصولي. سأزول قبل أن أقول كلمتي الأخيرة، وكل إنسان يموت قبل أن يكمل عمله وهذا منتهى درجات الشقاء في هذه الحياة.
»عندما يكون الإنسان شيخا كبيرا وقد اعتاد الحياة يصعب عليه كثيرا أن يموت، وأرى أن الشبان أكثر خضوعا للموت من الشيوخ. فإنه عندما يجوز الإنسان الثمانين يصبح جبانا ويكره أن يموت ومتى تحقق دنو أجله تحزن نفسه وتتململ.
الخلاصة أن الخوف من الموت عام لأن الموت إذا فهم بمعنى الفناء قبيح منكر وكل قبيح منكر مكروه ببداهة العقل. وإذا وجد من الشيوخ من يملون الحياة ويتمنون الموت فما ذلك إلا لشدة ما يقاسونه في هذا العالم من آلام الهرم. كما قال أبو الطيب المتنبي:
وإذا الشيخ قال أف فما مللاحياة وإنما الضعف ملاآلة العيش صحة وشبابفإذا وليا عن المرء ولىوقد جاءت المباحث النفسية اليوم مثبتة بالتجارب وجود الروح وخلودها وقيام الأرواح بأجسادها اللطيفة في عالم وراء هذا العالم بعد أن تتجرد من هذا الغلاف الطيني الثقيل.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

النفقة

النفقة حق الزوجة في النفقة أو الانفاق على الزوجة: والمقصود بالنفقة هنا: توفير ما تحتاج ...