حبيب نعمة فركوح

حبيب نعمة فركوح
(1838م ـ 1911م)
أسرته:
تنحدر أسرة آل فركوح من أصل عربي غساني، فقد نزحت الأسرة من حوران إلى النبك (القلمون) الواقعة ما بين دمشق وحمص، ولم تلبث أن غادرتها واستوطنت حمص سنة 1663م والجد الأول هو إبراهيم بن توما، وكان إبراهيم هذا أصدق الرجلين فلقب (بفركوح) وتعتبر من أعرق الأسر الأرثوذكسية وجاهة ومجداً وثراء، وقد أنجبت عناصر لها رتبتها الاجتماعية البارزة.
والشاعر المتفنن حبيب هو ابن نعمه بن يوسف بن عيسى بن فركوح، ولد في مدينة حمص سنة 1838،م نشأ المترجم له في كنف والده في مهد العز والوجاهة وتلقى علومه على شيوخ عصره، وكان يحسن اللغة التركية، فأفاد المجتمع من ثقافته ومكانته واختير في العهد التركي ليكون مختاراً في بستان الديوان عرين الطائفة الأرثوذكسية وبقي مدى حياته يقوم بواجباته الإنسانية ويصد عن أفرادها الأذى بنفوذه وكرمه.
مصائبه الدامية:
وشاء الدهر أن يعكر صفو حياته وأن يدخل في نزاع مع القدر، وقد أنجب ذرية من الذكور أخذهم الموت في فترات متعاقبة وهم في ربيع العمر، فانقطعت بذلك ذريته من الذكور وأعقب كريمة واحدة وهي والدة الدكتور شكر الله عبد المسيح.
لقد عصفت المصائب بأغلى آماله وأحلى أحلامه فأمضت قلبه وأقضت لبه وطردت رقاده وأورثته قلقاً أليماً، حتى أصبح القلق مقضاً لهدوء صاحبه فطرحت به في مطارح اليأس والذهول والانطواء على النفس وأعدمته لذة الحياة فتغير بذلك مجرى حياته وقضى أيامه في جو حزين بين الأنات وغصات الذكريات والزفرات الدامية.
وهكذا يرى شاعرنا أن الحياة مجتمع أفراح وأتراح، ليس بها لذة إلا ممزوجة بألم.
شعره:
لقد رأى في الشعر أداة للتعبير عن كوامن عواطفه وتسنى لقلب هذا الشاعر الخفاق بالحب والجمال الذي صهرته الآلام أن يبدع في نظم القصائد والموشحات ليروض بها نفسه ويرضيها لتكون عزاء وسلواناً لقلبه الكليم، وقد نمّ شعره عن ذوقه الفني وحرصه على سلامة اللغة وفصاحة التعبير في الوصف. ومن تخميسه البديع في الغزل الذي يعبر عن أحلامه وأشواقه وأمانيه قوله:
لله ظبي غرير الطرف أكحلهبديع حسن مليح القد أعدلهلطيف خلق رقيق الخصر ناحلهألقى يديه على صدري فقلت لهأبرأت مني محلاً أنت موجعهفخلته حن بعد الهجر لي وأتىيحيي فؤاداً به فرع الأسى نبتاًحاولت منه مراماً ماس والتفتافقال لا تطمعن عيناي قد رمتاسهماً فأحببت أدري أين موقعهوكان بين شاعرنا والطبيب مروان بن حنا مودة بنيت على أساس من الإعجاب المتبادل وكان الطبيب عالماً أديباً فمدحه بقصيدة طويلة نقتطف منها بعض أبياتها وقد استهلها بالغزل الرقيق مما يدل على أنه من أهل القلوب المكتوبة بالجمال قال:
ماست بقد يحاكي البان والاسلربيبة قد سبت هاروت بالمقلرأيت في وجهها شمس الضحى أبداًوثغرها إن تبسم فالصباح جليوجيدها إن بدا للسائرين وقدضلوا بليل فأهداهم إلى السبلالغصن إن خطرت يهتز من طربوالبدر إن سطعت ترميه بالخجلنرضى بطيف خيال منها لو سمحتبه على الصب أشفته من العللبليت في حبها والقلب محترقومدمعي ساكب كالعارض الهطلإلى أن قال مستنجداً بمروان الطبيب:
منها برأسي خطوب قد وهت جلديمن لي بمروان ينقذني من الجللالله أكبر حاز الفضل في صغروجل بالعلم والآداب عن مثلكان سخي اليد كريم النفس، لا يقصر في واجب ولا يرد عائداً قصده إلى داره من الغرباء والفقراء، بهي الطلعة مربوع القامة آية في الذكاء وخفة الروح وحلاوة الحديث.
وفاته:
لقد أفل نجم هذا الشاعر عام 1911م وقد أدمت المصائب قلبه فلم ير أرحم من مدفن الأبد، وتوسد اللحد في مقبرة ماراليان الأرثوذكسية.
لقد أنجبت أسرة فركوح الشاعر بدري بن سليم فركوح وهو من الشعراء الذين ناوأهم الدهر باليأس والحرمان وقضى نحبه ولم يتخط الأربعين من عمره.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

محمد العطار

محمد العطار (1717م ـ 1744م) هو ابن عبيد بن عبد الله بن عسكر الشهير بالعطار ...