حروب الردة

حروب الردة
لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلّم اتسع نطاق الردة بين القبائل العربية وخاصة في المناطق النائية البعيدة عن مركز الخلافة في المدينة المنورة وقد كان المرتدون ينقسمون إلى فئتين:
1 ـ فئة ارتدوا وساروا على هدي المتنبئين الكاذبين أمثال مسيلمة الكذاب وطليحة والأسود.
2 ـ فئة ثانية بقيت على إيمانها بالله ورسوله ونبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلّم إلا أنها رفضت تأدية الزكاة واعتبرتها بمثابة ضريبة يدفعونها رغماً عنهم، فعزم أبو بكر رضي الله عنه على قتل من فرق بين الصلاة والزكاة. وستنكر العديد من وجهاء المسلمين هذا الأمر درءاً للقتال وسفك الدماء وناقشوا في ذلك الخليفة أبا بكر الصديق ومنهم عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح وسالم مولى أبي حذيفة، إلا أن أبا بكر رضي الله عنه قد أنكر عليهم كل ذلك وقال قولته المشهورة: «والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم لجاهدتهم عليه». فقال له عمر بن الخطاب: كيف تقاتلهم وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قالها فقد عصم مني نفسه وماله إلا بحقه وحسابه على الله». فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقاً لقاتلتهم على منعه». وهكذا فقد وقف أبو بكر الصديق رضي الله عنه وقفة بطولية مستمسكاً بهدي رسول الله وبأن فرائض الإسلام لا تتجزأ ولم يرض بما قاله له كبار الصحابة وخاصة صاحبه عمر بن الخطاب رضي الله عنهما. فقد سأله عمر أن يرأف بالناس ويشفق عليهم فأجابه أبو بكر: رجوت نصرتك وجئتني بخذلانك؟ أجبار في الجاهلية وخوار في الإسلام؟ إنه قد انقطع الوحي، وتم الدين أو ينقص وأنا حي؟ والله لو خذلني الناس كلهم لجاهدتهم بنفسي.
لكن الخليفة أبا بكر كان يريد أن يؤخر قتال المرتدين حتى يعود جيش أسامة بن زيد الذي أرسله بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلّم تنفيذاً لأمره. فكان يستقبل رسل المرتدين ويناقشهم ويرسل إليهم رسله ليناقشوهم. وقد كان يخشى أن يقوم قسم منهم باغتنام فرصة وجود الجيش الإسلامي خارج المدينة والقيام بغارة على المدينة، فجعل كبار الصحابة من بقي معه على منافذ المدينة إلى البادية ومنهم علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن مسعود وطلب من أهل المدينة أن يكونوا في المسجد استعداداً لأي طارىء.
وبالفعل، فلم تمضى سوى ثلاثة أيام من خروج جيش أسامة من المدينة حتى داهمت المدينة غارة ليلاً وقد اطمأن المغيرون أن الجيش الإسلامي قد ابتعد عن المدينة. وقد استطاع المسلمون أن يردوا هذه الغارة عن المدينة وانهزم المغيرون ولحقهم المسلمون.
ارتفعت معنويات المسلمين بهذا النصر وثبت مسلمو القبائل على دينهم ومما زاد في ثبات المؤمنين وصول صدقات المسلمين من جهات مختلفة في الخلافة الإسلامية وبعد شهرين على خروجه من المدينة، رجع جيش أسامة ظافراً منتصراً مما زاد في معنويات المسلمين. فاستخلف أبو بكر أسامة بن زيد على المدينة وأمره بالراحة وخرج يريد اللحاق بالمرتدين، فناشده المسلمون أن لا يخاطر بحياته وطلبوا منه البقاء في المدينة وقالوا له مثل ما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلّم في احد: «شمَّ سيفك ولا تفجعنا بنفسك»، وارجع إلى المدينة، فوالله لئن أصبنا بك لا يكون للإسلام بعدك نظام أبداً، فقال لهم: لا والله لا أفعل، ولأواسينكم بنفسي. فخرج إلى (ذي الحس) و(ذي القصة) وقاتل المنافقين وغلبهم ورجع إلى المدينة. وجاءت صدقات كثيرة من المسلمين تزيد على حاجتهم، وكان جيش أسامة قد استراح جيداً. فأرسل أبو بكر احد عشر لواءً لقتال المرتدين في كل أنحاء الجزيرة العربية وهم:
1 ـ خالد بن الوليد: وأرسله إلى طليحة بن خويلد الأسدي، فإذا فرغ منه سار إلى مالك بن نويرة اليربوعي التميمي بالبطاح.
2 ـ عكرمة بن أبي جهل: وأرسله إلى مسيلمة الكذاب في اليمامة.
3 ـ شرحبيل بن حسنة: أرسله دعماً إلى عكرمة في اليمامة.
4 ـ المهاجر بن أبي أمية: وبعثه لقتال أتباع الأسود العنسي في اليمن فإذا فرغ سار إلى حضرموت.
5 ـ عمرو بن العاص: سيّره إلى قبيلة قضاعة في الشمال.
6 ـ خالد بن سعيد بن العاص: ووجهه إلى مشارف الشام.
7 ـ حذيفة بن محصن: أمره بالحركة إلى أهل دبا.
8 ـ عرفجة بن هرثمة وسيره إلى مهرة، وأمره أن يلتقي مع حذيفة.
9 ـ طريفة بن حاجز: وجهه إلى بني سُليم ومن معهم من هوازن.
10 ـ سويد بن مقرن: وبعثه إلى تهامة.
11 ـ العلاء بن الحضري: الذي توجه إلى البحرين.
وبعد أن قاتل أبو بكر الصديق عيسى ذوبيان (بالأبرق) وهزمهم، اتجه قسم منهم نحو طليحة بن خويلد، فلما عقد أبو بكر الألوية طلب من خالد أن يسير إلى أرض طيء لتنخذل طيء عيسى وذبيان، فنزل خالد إلى (بزاخة) فقتلت طليعته وهو الصحابي «عكاشة بن محصن»، ولما التقى الجمعان انهزم المرتدون بقياة عيينة بن حصن مع قومه وفرَّ طليحة الأسدي نحو بلاد الشام. ولما انتهى خالد من بني أسد وأحلافهم اتجه بأمر الخليفة إلى بني يربوع وعليهم مالك بن نويرة، وكانوا مختلفين وقد جاءتهم «سجاح» فتبعها أغلبهم، وسارت إلى اليمامة وتزوجت من مسيلمة الكذاب لكنها ما لبثت أن عادت إلى الإسلام وسكنت الجزيرة، فندم جميع من تبعها.
ولم يلبثوا طويلاً حتى وصلت إليهم جيوش خالد بن الوليد فجادلهم وناقشهم فلما لم يتوبوا قاتلهم وغلبهم وكان على رأسهم مالك بن نويرة.
وسار عكرمة بن أبي جهل إلى مسيلمة الكذاب في اليمامة وتبعه شرحبيل بن حسنة ولكنه لم يدركه، وكان عكرمة قد أسرع فهزمته جموع بني حنيفة فبقي شرحبيل ينتظر المدد، وجاء أمر الخليفة بالانتظار أيضاً.
وكان خالد قد عاد إلى المدينة والتقى بأبي بكر فاعتذر منه فأرسله إلى مسيلمة الكذاب، ولما وصل إليها كان شرحبيل بن حسنة قد سابقه في قتال مسيلمة فهزم، فعاتبه خالد في ذلك، وأعاد تنظيم الجيش وإعداده. وعسكر مسيلمة في بني حنيفة في عقرباء في أعلى وادي بني حنيفة، وسلك خالد ثنية في جبل اليمامة وعلى المجنبتين زيد بن الخطاب أخو عمر، وأبو حذيفة بن عتبة، وكانت راية المهاجرين مع سالم مولى حذيفة، وراية الأنصار مع ثابت بن قيس بن الشماس، وكان ضرار بن الأزور قد سار في قسم من الجند من الشمال ونزلوا من جهة «ملهم» إلى عقرباء، وجرت معركة حامية تراجع المسلمون في أولها حتى دخل بنو حنيفة خيمة خالد بن الوليد، ثم قام المسلمون بكل ما أوتوا من قوة أزالت المرتدين عن مواقعهم وأجبرت مسيلمة على الالتجاء إلى حديقة عرفت فيما بعد «بحديقة الموت» وفيها قتل مسيلمة الكذاب وعدد كبير من قومه واستشهد عدد كبير من الصحابة من حافظي القرآن الكريم ووجهاء الناس.
وفي عمان ظهر لقيط بن مالك الأزدي واستولى عليها، فاضطر جيفر وعباد الالتجاء إلى الجبال وطلبوا النجدة من أبي بكر الصديق فأرسل حذيفة بن محصن إلى عمان وعرفجة بن هرثمة إلى مهرة. وأوصاهما إن التقيا أن يبتدئا بعمان حتى إذا اقتربا منها راسلا جيفراً وعباداً، ثم أتبعهما بعكرمة بعد أن هزم في اليمامة، فأدركهما عكرمة قبل الوصول إلى عمان، فالتقى المسلمون مع المرتدين وكان الأمر أن يكون للقيط لولا النجدات التي وصلت للمسلمين من البحرين وغيرها. فانتصر المسلمون واستولوا على الغنائم، ثم سار عكرمة إلى مهرة وأخضعها.
وأما اليمن فقد ظهر فيها الأسود العنسي من زمن رسول الله صلى الله عليه وسلّم وكان الرسول يراسله ويأمره بالعودة عن خلاله إلى أن توفي عليه الصلاة والسلام. فأرسل الخليفة الألوية، فبعث (عتاب بن أسيد) عامل مكة أخاه ابن أسيد إلى المرتدين في تهامة فهزمهم، وبعث عثمان بن أبي العاص إلى الطائف وابن ربيعة إلى شنوءة فقهرهم.
ثم عاد وترك بتهامة اليمن الأخباث فسار إليهم الطاهر بن أبي خالة وانتصر عليهم. وأرسل أبو بكر جرير بن عبد الله البجلي إلى (بجيلة وخثعم) فانتصر عليهم وأقام بنجران. وأرسل الخليفة المهاجر بن أبي أمية إلى اليمن فسار عن طريق مكة فمشى معه خالد بن أسيد ومر بالطائف فمشى معه عبد الرحمن بن أبي العاص، ثم انضم إليه جرير بن عبد الله البجلي بالسراة وعبد الله بن ثور بتهامة ووصل المهاجر إلى صفاء ودخلها ولاحق شذاذ القبائل الذين هربوا.
كذلك سار المهاجر نحو حضرموت ولحقه عكرمة فالتقيا في مأرب فاقتحماها وأرسل خمس الغنائم إلى أبي بكر ومعها الأشعث بن قيس الكندي أسيراً وبقي في المدينة حتى خرج مجاهداً إلى العراق.
وأما البحرين فكان فيها بنو عبد القيس وبنو بكر، وبعد وفاة الرسول الكريم ارتدت بكر وبقيت على ردتها وأما بنو عبد القيس فقد عادوا عن ردتهم بجهد «الجارود» الذي أعادهم إلى الإسلام بحكمته وعلمه.
فأرسل أبو بكر العلاء بن الحضرمي إلى البحرين وقد كان والياً عليها في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّم، ولما اقترب من البحرين ألحق به نمامة بن أثال رضي الله عنه فكان الجارود ومن معه من عبد القيس يقاتلون المرتدين سجماعة بقيادة الحطم بن ضبيعة فغلبوهم بإذن الله، وكان العلاء ومن معه يقاتلون المرتدين في هجر ونصر الله المسلمين وأيدهم وثبت دينهم وخذل الكافرين المرتدين وهزمهم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

معركة المذار

معركة المذار: كان أردشير قد أمر بجيش كبير بقيادة (قارن بن قرياقس) فلما وصل إلى ...