حسين غرب

حسين غرب
(1919م ـ م/ 1338هـ ـ هـ)
مولده ونشأته:
ولد الشاعر المترجم في مكة المكرمة سنة 1338هـ و1919م وتلقى دراسته الابتدائية فيها وأتمها في المعهد الإسلامي بمكة سنة 1938 م.
ابتدأ عمله محرراً بجريدة صوت الحجاز، ونشر قصائده الرصينة فيها، فذاع صيته، ولما كانت المواهب مقرونة بالنجابة والذكاء، فقد انتسب إلى الخدمة في وزارة الداخلية، وبرزت عبقريته فتدرج في المراتب حتى أصبح مديراً عاماً للوزارة، ومن أبرز ما اتصف به استقامته المثلى واريحيته البارزة وجلده المتواصل على العمل بتجرد وإخلاص، وتوجيه من يعملون معه إلى حب النظام وانجاز مصالح العباد بما يتطلبه واجب المصلحة من سرعة واتقان. وقد سار على منهج قويم في تصريف الأمور بوحي الضمير الحر.
أدبه:
هو شاعر ملهم متوثب مؤمن بقدسية رسالته القومية، وأديب وناثر بليغ، يغلب على شعره ونثره الجزالة، عالم بأبواب البديع، يحفظ الروائع من اشعار العرب واخبارهم، محدث لبق، أنيق في تعابيره وهو من أنصار العلم والأدب، وقد نال جوائز ادبية عدة بما جادت قريحته، منها (نشيد الجندية) الذي نظمه، فكان نشيداً بليغاً في معناه ومغزاه القومي ومن شعره البليغ قصيدة بعنوان (اشجان الليل) قال:
سهران، قد لعب الهوى بصوابه
وقف الكرى، ثملا على اهدابه
نشوان، والاحلام طينة كأسه
وروافد الذكرى، معين شرابه
يرعى النجوم، كأنما كلفت بها
عيناه، أو كانت مناط طلابه
وكأنما النجوى، تصافح قلبه
وتهيم، بين شغافه، وشعابه
دنيا، من الأمل اللذيذ، تجسمت
ألماحه، وخبا بريق سرابه
يا ليل، حسبك من غواية شاعر
ذهبت امانيه، بومض شبابه
حيران، كالطيف الغريب، تزاورت
عنه العيون، وضل نهج مآبه
دنياه، آثمة عليه، وفنه
وزر لديه، فيا لهول مصابه
نجواه، نجوى الوالهين وداؤه
من قلبه، ينثال بين إهابه
يا ليل، ما الآمال؟ ما وهم الحجى؟
ما العالم الممطول في أحقابه؟
ضل السراة به السبيل، وآدهم
طول المسير، فارقلوا بنهابه
الجائعون، تمرغت بتراثهم
واستأسدت في الغاب، سعر كلابه
والظامئون، قد استبد بمائهم
في المهمه المجهول، شهب ذئابه
شربوا، إذا شربوا القذى وتوسدوا
ظهر الأديم، وعفروا بترابه
تتراكض الاطماع، فوق رقابهم
ركض الاثيم الفظ، فوق ركابه
اخنى عليهم، بالمذلة عارم
تتجسم الاوزار، بين ثيابه
جاست مراعيه الذئاب، واوغلت
بحماه، واحتكمت على أبوابه
فأباحها المرهوب، من غاياته
وانالها المرغوب، من اسبابه
يا ليل، ما الاقمار فيك تألقت
بضيائها المرفض، من محرابه؟؟
في الارض اقمار، خبت اضواؤها
لما تعجلها الدجى، بايابه
العبقرية، ويحها ما ضرها
لو آمنت بالزيف، من اربابه
لاذت باكناف الضمير، فاترعت
من بؤسه، وتجرعت من صابه
فقضت، كما يقضي الطريد حياته
شراً، يفيض عليه من أوصابه
حسب الاباة النابهين من الحجى
ما نالهم من شؤمه وعذابه
هان المعلم، واستكان بعلمه
وعنا الأديب، بفنه وكتابه
واختال بالشعر الدعي بزيفه
متكسباً، بمديحه وسبابه
وبكى المهند، في يد مغلولة
لم تمتهر، في فتكه وضرابه
وشكا اليراع اناملا عبثت به
فتنكبت، بالحق عن أصحابه
منعت كريم الفعل، بعض رجائه
وحبت لئيم الاصل، كل رغابه
واستكبرت، بعلوها، وعتوها
في جرأة المخمور، غير الآبه
يلهو بها عقل اشل، تشابهت
غاياته، في غير ما متشابه
وكأنه بفعاله وخصاله
ابليس، رائده إلى آرابه
يا ليل، هل خلف الظلام اشعة
وهاجه للمستنير النابه؟؟
هل للكواكب، في ذراك عوالم
مستورة بالبعد؛ خلف حجابه؟؟
هل للفضاء، جوانب مجهولة
لم يكتشفها العلم، رغم غلابه؟؟
هل للحوادث، من ظلامك عليم
مسترسل، في مده وعبابه؟؟
هل للعقول من الحوادث عبرة
تهدى الضليل، وترعوي بصوابه؟؟
هل للحظوظ إلى الضمير وسيلة
أم ضللت خطواتها عن بابه؟؟
هل للسعادة، في الحياة روافد
أم أنها وهمٌ، على طلابه؟؟
هل للظلام، نهاية معلومة
ينجاب عنها الصبح، بعد غيابه؟؟
لغز، يطل على الوجود محيرا
وسؤاله، ما يلتقى بجوابه
ضلت بواديه الحياة سبيلها
فتعثرت خطواتها بعقابه
وإذا النهى، يوماً أراد جلاءه
اعيى النهى، وطغى على اعجابه
ومن روائع نظمه، هذه الخريدة التي تسامى في معانيها.
قالت: عداك الردى ـ ما الموت؟ قلت لها
وما الحياة؟ فقالت: إنها الألم
فقلت: ماذا يخاف المرء من عدم؟
إن كانت اللذة الكبرى هي العدم!
كأس، نسينا بها الآلام، من قدم
وقد ذهبنا، ولم يذهب بها القدم
وأعدل العدل، ان يسقى سواسيه
بها شريد الطوى، والسيد العلم
قالت: ـ أفي الناس شر ـ؟ قلت: شرهمو
من غره المال، والسلطان، والحشم
ما في يديه، سوى الاحزان يبذرها
وليس في اصغريه، غير ما يصم
وخيرهم، من جنى المعروف مبتدرا،
وصان قيمته، ان هانت القيم
تراه ـ كالطود، والدنيا تدور به
منضر الوجه، في عرنينة شمم
قالت: ارى المجد في الاسراب خافقة
فوق الحصون استكانت تحتها القمم
وفي المدائن كالاعراس ـ راقصة
وفي التماثيل، تستحي بها الأمم
فقلت: زيف اجاد الناس صنعته
لما تجافتهموا، الاخلاق والذمم
المجد في الخير، تسديه وتنشره
نفس، تقمصها الوجدان والكرم
قالت: ارى البدر ـ لا كالبدر ـ منبهتاً
والشهب، ينبض في احشائها السقم
والريح سوداء، والاشجار ذابلة
فهل سقاها اللظى، أم جفت الديم
أفي الطبيعة حزن؟ أم بها برم
فقلت: نفسك، فيها الحزن والبرم
قد تبصر العين، ما في النفس من ظلم
وتبصر النفس، حتى والرؤى ظلم
قالت: فما الحب؟ قلت: الحب! امنية
شدا بها القلب، لا صوت ولا كلم
وغنوة، لم يردد سحرها وتر
ولا تأوه، في ترجيعها، نغم
انغامها، في حنايا الصدر، خافقة
ولحنها، ضرم في النفس يضطرم
فيها من الليل، أطياف مؤرقة
ومن ندى الفجر، فيها الحسن يبتسم
قالت: حبتك الليالي من تجاربها
ما ليس تحفظ، الاسفار والنظم
وقد وعيت، من التاريخ عبرته
وغرد الشعر من نجواك والقلم
وددت انك لم تمسك، على لمم
فقلت: قد يلهم المستلهم اللمم
وأين في الناس، من تجديه فلسفة
اغنت، إذا اغنت، الأمثال والحكم

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

محمد العطار

محمد العطار (1717م ـ 1744م) هو ابن عبيد بن عبد الله بن عسكر الشهير بالعطار ...