رفيق العظم

رفيق العظم
(1882م ـ 1925م)
أصله ونشأته:
هو المرحوم رفيق بن محمود بن خليل العظم، ولد بدمشق الشام سنة 1882 ميلادية ونشأ في مهد المجد والفضائل، ولما بلغ السابعة من عمره ادخله والده احدى مدارس الروم لتعلم اللغتين العربية والفرنسية، وقست عليه الاقدار فتوفي والده كهلا بعد سنة فخرج منها وكان شقيقه الاكبر خليل بك الضابط في الجيش التركي يرعاه بعطفه وحنانه، فاستفرغ المجهود في العناية بأمره، ثم وضعه في أحد مكاتب دمشق وأخذ مبادىء اللغة العربية عن المرحوم الشيخ توفيق الايوبي الشهير.
رحلته الأولى والثانية إلى مصر:
وزار شريف باشا من العائلة الخديوية وهو زوج خالته فاطمة برلنتي العظم بدمشق، ورآه فتوسم فيه الخير والنجابة فأخذه معه إلى مصر وكان ذلك سنة 1892 ميلادية وبعد سنة أصيب بمرض العصب بتأثير الجهد وكثرة المطالعة والسهر فاضطر إلى ترك المطالعة وسافر إلى الآستانة ثم عاد إلى دمشق لتبديل الهواء، ولما عوفي من المرض هجر الشعر ونظمه ومال إلى الانشاء والتأليف ومعاشرة العلماء وأخصهم الشيخ طاهر المغربي الدمشقي والشيخ سليم البخاري والشيخ محمد علي مسلم ومحمد كردعلي رحمهم الله وكانت الأحوال الاجتماعية في البلاد السورية التي كانت ترزح تحت وطأة الحكم التركي تختلف عما هي عليه الحالة الروحية والحرية الفكرية في مصر، فسافر سنة 1894 ميلادية ثاني مرة اليها واكتسب من بيئتها الثقافية ما اوقد نباهته ومواهبه فاستوطن مصر وتأهل بها.
مؤلفاته:
وفي سنة 1894 كتب أول مقالة في جريدة الاهرام ثم تابع نشر محاضراته التاريخية والعلمية وخطبه السياسية الشهيرة في الجرائد الكبرى كالمؤيد واللواء والاهرام والمقطم والمجلات الكبرى كالمقتطف والهلال والمنار والموسوعات. وأول رسالة الفها سماها البيان لأسباب التمدن والعمران وعرضها على المرحوم الشيخ عبد الهادي نجا الايباري احد كبار العلماء المصريين فرغبه في طبعها، ثم عرضها على العلامة المرحوم محمد بيرم التونسي صاحب صفوة الاعتبار ونزيل مصر يومئذ فرغبه بطبعها ايضاً، واشار المترجم في مذكراته ان هذين الفاضلين ما رغباه بطبعها الا تنشيطاً له لاعتقاده بأن الرسالة ليس فيها مواضيع علمية قيمة.
وفي سنة 1894 ميلادية الف رسالة في كيفية انتشار الاديان وحاول تعلم اللغة الفرنسية، لكن كثرة مشاغله وانهماكه بالتأليف والتحرير حالت دون المتابعة فترك تعلمها ورأى في نفسه ملكة وقدرة على التأليف فألف كتاب الدروس الحكمية قرظه الإمام الشيخ محمد عبده وقرر تدريسه في مدارس الجمعية الخيرية الإسلامية. ثم الف كتاب تنبيه الإفهام ومطالب الحياة الإجتماعية والإسلام. واستفزّه الولع بتاريخ الإسلام الى وضع تاريخ جديد لمشاهير الإسلام من اهل الحرب والسياسة على غير النمط المعهود عند المسلمين أي على أسلوب جديد يمثل رجال الإسلام في أجلى مثال، وقد تناول ذلك التاريخ كثيراً من اخبار دول الإسلام الاجتماعية والسياسية وافاض البحث في فلسفة التاريخ الإسلامي على وجه يتضح به حال تاريخ الإسلام، فباشر ذلك التأليف على صعوبته سنة 1901 ميلادية منه الجزء الأول في سيرة أبي بكر ومن اشتهر في دولته تلك السنة تأليفاً وطبعاً ثم في اواخرها اتم الجزء الثاني في سيرة عمر بن الخطاب ولشدة البحث والتنقيب في الكتب عاوده في أثناء تأليفه المرض القديم فأتمه بكل مشقة واستراح الى سنة 1903 فكتب الجزء الثالث في سيرة المشهورين في دولة ابن الخطاب وطبعه مع الجزء الرابع.
وألف كتاب السوانح الفكرية في المباحث العلمية والجامعة الإسلامية وأوصى رحمه الله بمجموعة آثاره العلمية فأهداها الى المجمع العلمي العربي بدمشق. اما الكتب الخطية التي شرع فيها ولم يتمها فهي اثنان، أحدهما كتاب في تاريخ السياسة الإسلامية ثم وقف قلمه دون اتمامه واتمام اشهر مشاهير الإسلام وغيرهما ولو أتمّه على المنهج الذي وضعه لكان أجل الكتب التي يحتاج اليها المسلمون على الاطلاق.
والثاني، رسالة في الخلاف بين الترك والعرب.
مواقفه السياسية:
دخل الفقيد أولاً في جمعية الدستور ثم في جمعية الاتحاد والترقي وأسس حزب اللامركزية فكان رئيساً له وكان من مؤسسي حزب الاتحاد السوري وأدى للعروبة خدمات جلى، فكان من أرفع اعلامها زعامة وقدراً وابرزهم سمواً في العقيدة الوطنية وأعظمهم لديها ذخراً، إذا اعتلى المنابر للخطابة كان أميرها وان خطّ يراعه كان مهنداً مسلولا. لازم العلامة الامام الشيخ محمد عبده وكان يومئذ مفتي الديار المصرية فاستفاد من علمه الواسع وآرائه وتعاليمه العالية فوائد عظيمة أزالت عن بصيرته حجباً كثيفة ولازم فطاحل العلماء والشعراء والادباء واشتهر بفضله وذكائه وعلمه كاشتهار البدر بين النجوم، حكم عليه بالاعدام إذ عدّه الاتراك خائناً للدولة.
شعره:
كان الفقيد شاعراً مجيداً ويرى الشعر ثانوياً لأنه لم يكن يحب ان ينشر شيئاً من شعره ولا أن يظهره للناس، أما لأنه لم يكن يراه بالمنزلة اللائقة بشهرته كزعيم سياسي ومؤلف ألمعي واما لأنه لم يكن يحب ان يسمى شاعراً، وقد ذكرت في ترجمته بعض شعره استطراداً ليطلع الناس على ما اشتملت عليه روحه من رقة في نظم الغزل منها قوله:
سَلّ سيفاً وصال فينا بأسمر
من قوام ومقلة تتكسّر
عربي قد أعربت عن فؤادي
مقلتاه بما بها قد تسعر
ان سقماً بمقلتيه تبدّى
ليس سقماً بل ربما السكر أثر
ومنها:
ان تهادى رأيت عضاً رطيباً
يتثنى وان رنا فهو جؤذر
ومنها:
ان من يرحم المحب ويرفق
بعتل الهوى يثاب ويؤجر
وقال في احدى المناسبات متغزلا:
كفى بالهوى دمعاً يسيل ومهجة
تذوب واحشاء يمزقها الهجر
معذبتي جودي علي بنظرة
يضّم عظامي بعدها اللحد والقبر
وذكر الذين عرفوه وعاشروه في حياته انه كان يهوى السماع والطرب عليماً بقواعد الفن الموسيقي كوالده العبقري إلا أن كثرة انهماكه بالتأليف والسياسة قد حالت دون تفرغه وانتاجه في الحقل الفني وكان بعض مشاهير الفنانين يختارون انشاد قصائده الغزلية دون علمه لبلاغة معانيها وطلاوة قوافيه منها:
جزى الله من اضحيت فيه متيماً
شجياً بمعناه الجميل أهيم
تعمّد قتلي بالهوى دون جنحة
على أن قتال النفوس أثيم
رضيت بما يرضى لنفسي وانما
اخاف عليه الاثم وهو عظيم
ومن غزلياته البديعة:
أحبة قلبي والذي قاد للهوى
فؤادي واحشائي وقلبي المقطع
إذا جدتم بالوصل ذلك منة
وإن رمتم قلتي فلا أتمنع
ومن كان مثلي صادق الود بالهوى
صبوراً فلا والله لا يتوجع
أحواله وأوصافه:
لقد تزوج رحمه الله ولم يرزق ولداً، وهبه الله الشمائل المثالية وتحلى بالآداب الاجتماعية اما عزة نفسه وتواضعه ووفائه لاصدقائه وبره بأهله وطهارة قلبه ونزاهة لسانه وحبه الخير للناس وحسن ضيافته وكثرة تصدقه ومساعدته للجمعيات الخيرية فتلك سجايا ومناقب لا يستعظم صدورها عمن ورث المجد والسؤدد كابراً عن كابر.
وفاته:
لقد أجهد نفسه بالمطالعة والتأليف فساءت صحته واعتزل السياسة وغيرها من الأعمال واشتد عليه مرض الربو وضاعف تصلب الشرايين ضعف القلب وفي يوم عرفة 9 ذي الحجة سنة 1343 الموافق 30 حزيران 1925 اختطفه المنون فجأة وهو كوالده في سن الكهولة المبكرة ففقدت الأمة العربية زعيماً كبيراً ونابغاً حكيماً لا عزاء فيه ودفن بمصر ولم يعقب ولداً،.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

محمد مهدي علام

محمد مهدي علام (1318 ـ 1412هـ/1900 ـ 1992م) الكاتب الموسوعي، اللغوي. الذي يصدر كتبه باسم ...