عالم الغيب (الآخرة)

عالم الغيب (الآخرة)
هي الحياة الآخرة التي وعد اللّه عباده بها في كتبه المنزلة على رسله، وقد انقسم الناس قديما وحديثا باراء هذه العقيدة إلى ثلاث رتب.
* أولها: رتبة أهل اللّه وخاصته وهؤلاء قد أنفتق لهم حجاب المادة فرأوا ما وراءها رأي العين فآمنوا بالمشاهدة والعيان ومن هؤلاء النبيون والصديقون.
* ثانيها: رتبة أهل البصائر الثابتة والفطر السليمة وهؤلاء يكفيهم مجرد النظر في ملكوت اللّه وما أودع فيه من أعلام بينة وأدلة ناطقة.
* ثالثها: رتبة الحسيين وهم الذين لا يرضيهم من العقائد إلا ما يؤثر في حسهم ويدهش مشاعرهم، وهم غالب أهل هذا العصر، فإن العلوم الطبيعية وتشدد أهلها في رد العقائد إلى النواميس المعروفة قد أحاط الأديان ومقرراتها بشبه كثيرة جعلت الإيمان بعوالم الغيب فوق مقدور الآخذين بها والمتابعين لهم.
فأما الرتبتان الأوليان فقد هداهما اللّه بنوره ودلهم على الطريق بتوفيقه.
وأما الرتبة الثالثة فهي الطالبة للبراهين المحسوسة فقد كشف اللّه لها من عالم الروح ما ينفع غلتها، ويشفي علتها، ومن يتأمل في أبحاث العلماء في التنويم المغناطيسي واستحضار الأرواح تأخذه الدهشة فيتحقق أن الخالق الحكيم ما خلق في النفوس الحسية هذه النزعة، إلا وقد كشف لها بأزائها ما يبلغ بها حاجتها، وقد حدث في عالم العلم الأوروبي والأمريكي انقلاب مدهش من هذه الجهة ما يزال أكثر كتاب الشرق في غفلة عنه، ولا يزال بعض المؤلفين فيهم يترسمون طريق فلاسفة القرن التاسع عشر في الإلحاد ونكران عوالم الغيب، فإن لفتهم لافت إلى ذلك الحادث الجلل قالوا هذه تدليسات بعض الدجالين، مع أن مقرريها أئمة النهضة العلمية في أوروبا وأمريكا، فتراهم يلقون هذا القول على عواهنه غير حاسبين للمسؤولية حسابا، واللّه يعلم أن إثمهم من تسميم عقول الناس لعظيم.
قال العلامة هربرت سبنسر في المجلد الأول من كتابه على أصول علم الاجتماع: لما كان الإنسان في عهده الأول غير قادر على التفكر وغير حاصل على لغة تسمح له بإمعان النظر فقد أدرك عالم الآخرة على قدر استطاعته ومن هنا نشأت هذه الفوضى في عقائده فيما يتعلق بحالة الأشخاص بعد موتهم.
وإننا لنصادف لدى القبائل التي تعتقد بأن الموت هو الفناء المطلق، عقائد أخرى لا تتفق مع مذهبها، كاعتقاد بعض شعوب إفريقية التي زارها (شونفورث) في وجود أرواح مؤذية في بعض المغارات هي أرواح الهاربين الذين ماتوا فيها فتراهم يتجنبون المرور بها.
ويعتقد بعض الشعوب المتوحشة أن الحياة في دار بعد هذه الدار تتبع المعاملة التي كابدها الجسد، فإن فني وتلاشى فنيت شخصيته معه فإن سلم من هذا التلاشي وسكنت روحه في عالم الآخرة فقد تفنى على أقسى الحالات إذا اتفق أن قرين الميت مات في إحدى الحروب موتة ثانية أو هلك في الطريق الموصل إلى أرض الأموات أو أكلته الآلهة.
ويعتقد أهالي جزائر تونجا بأن لا خلود إلا للرؤساء.
وهنالك أمم أخرى تعتقد أن لا خلود إلا للشجعان فهو مكافأة للشجاعة.
وروى (برنتون) أن في جواتمالا من أمريكا قبيلة هادئة مطمئنة تعتقد بأن لا حياة أخرى إلا لمن يموت موتا طبيعيا أما من عداهم فلا أمل في بقائهم في عالم بعد هذا العالم، وعليه فهم يدعون أجساد الذين يقتلون للحيوانات تنهشها نهشاً.
والآريون الأقدمون كانوا يعتقدون أن الحياة الدنيا منحة من آلهتهم يهبونها لمن شاءوا ويمنعونها من شاءوا ولذلك يجب على من يريدها أن يضحي لها الأضاحي ويقرب لها القرابين.
وتعتقد أقوام أخرى أن في الحياة الأخرى موتة أخرى هي القاضية إلى الأبد.
ومن القبائل من تعتقد أن الموتى الذين يظهرون لبعض الناس في نومهم هم الأحياء في الآخرة دون سواهم ممن لا يظهرون لأحد.
قال العلامة (هربرت سبنسر) إن الأمم المتوحشة قد ترقت من إدراك عالم أخروي ينتهي لأمد إلى عالم أخروي غير متناه.
وأما الحال الذي يكون عليه الميت في عالم الآخرة فهو لا يفترق في نظر المتوحشين عن حاله في هذا العالم. فأعماله وميوله تلازمه هناك. فيعتقد (الشيتوكيون) أنه متى جن الليل استيقظت أرواح الموتى وهبت تبحث عن الغذاء. ويعتقد سكان جزائر فيجي أن الموتى يزرعون ويحصدون ويعيشون في أسرة ويتقاتلون ويعملون كل ما يعمله الأحياء.
ومن هنا يعتقد الأنويتيون أن الموتى يعملون ولائم من لحوم الإبل.
ويعتقد الكريكيون أن موتاهم ينتقلون إلى بقاع يكثر فيها الصيد ويرخص فيها ثمن الحبوب وتدوم فيها طول السنة، وتنبع فيها عيون لا تنضب أبدا.
ويؤمل البتاجونيون أن يتمتعوا بعد موتهم بسكر دائم ويعتقد أهل أبريد الجديدة في أوقيانوسيا أنهم بعد موتهم يذهبون إلى حيث يجدون جوز الكوكو وثمر شجر الخبز على أجود ما يكون وبكثرة ليس معها قلة.
ويعتقد (التوديون) أن أبقارهم تتبعهم بعد موتهم لإعطائهم لبنا.
ويعتقد سكان بشمانيا من جزر أوقيانوسيا أنهم بعد موتهم يتمتعون بقوة في الصيد لا تكل وبنجاح لا يخيب.
ويعتقد الداكوتاهيون أنهم بعد موتهم لا يكلون من ذبح الفرائس ومن محاربة أعدائهم الأقدمين.
ولما كانت هذه عقائد الكثيرين من المتوحشين فقد اعتادوا أن يضعوا مع الميت أسلحته حتى يستخدمها لأغراضه الجديدة. ومنهم من يضع مع النساء أدواتهن المنزلية ومع الأطفال ألاعيبهم.
ومن القبائل وهم (الأليبوليون) من يعلق ملابس الميت على شجرة بجانبه ليلبسها إن أراد الخروج من القبر.
ويضع السامويديون والاستراليون الغربيون والداماريون وغيرهم من شعوب أوستراليا مع الميت كل ما يمتلكه لينتفع به بعد موته.
ولما دفن أهل جزيرة مدغشقر آخر ملكاتهم لفوها في خمسمائة رداء من الحرير ووضعوا في ثناياها عشرين ساعة ومائة سلسلة من الذهب وخواتم وحلي وأساور وجواهر أخرى ووضعوا معها بعد كل هذا خمسمائة قطعة من الذهب.
ويدفن (الديا كيون) مع موتاهم غير أموالهم الخاصة أموالا أخرى حتى أن الأب الذي يبتلى بموت عدة من أولاده يقع في الفاقة والمتربة من بعدهم.
اعتاد (الكرجيزيون) أن يدفنوا مع رئيسهم خيوله التي كان يحبها وهذه عادة الكثيرين من المتوحشين وقد تغالى التوديون في هذه العادة حتى أنهم يدفنون مع الميت كل ما يملكه من الحيوانات.
ويدفن متوحشو بيرو من أمريكا مع موتاهم كيسا من الكوكو والذرة إلخ ليستخدمها في زراعة غيطه في الآخرة.
ومن المتوحشين من غلوا غلوا كبيرا في هذه العقائد حتى أنهم ليضعون مع الميت نساءه وعبيده وبعض خاصة أصحابه ليأنس بهم في الآخرة.
وهذه العادة توجد أيضاً عند الشعوب التي بلغت شيئا من الحضارة، فتصادف في بولينيزيا وأهل خالدونيا الجديدة وعند الفيجيين والتونجانيين والشينوكيين والكرايبيين والدا كوتاهيين وعند شعوب الكونغو وسود أواسط إفريقية وسواحلها وهي في غاية الانتشار في الداهومي.
وفي مكسيكا من أمريكا كانوا يذبحون مع كبيرهم كاهنا ليقوم له بالخدمة الدينية في العالم الآخر.
وهنود فيرابار متى أشرف السيد لديهم على الموت يعمدون إلى قتل جميع عبيده ليهيئوا له محلا في عالم الآخرة حتى إذا انتهى إليه وجده معدا له.
وكان أهل مكسيكا يقتلون مع ملكهم بعض الذين كان يتلهى بهم الملك من المضحكين ليتلهى بهم في عالم الآخرة.
وكان عدد الضحايا عند المكسيكيين يجب أن يناسب قدر الميت وقد روى المؤرخون أن من الموتى هنالك من يبلغ ضحاياهم المائتين.
وروي أنه متى مات ملك البيرو كانوا يضحون له خدمه وسراريه المحظيات ممن يبلغ عددهم أحيانا ألف نسمة.
روى العلامة (جار سبلازو) أنه متى مات ملك البيرو كان نساؤه يتدافعن للحاق به وكان يزيد عددهم لدرجة أن رجال الحكومة يتدخلون في الأمر ويقررون بأن من ذهب معه منهن يكفيه.
وروى (سييزا) أن من النساء هنالك من يتسابقن لقتل أنفسهم علامة على إخلاصهن للميت.
ولدى اليوروبانيين في إفريقيا يعمد أصحاب الميت لتعاطي السم ليلحقوا به، هذا عدا نساءه وجواريه اللاتي قتلن من أجله.
وفي الكونغو كان إذا مات الملك تصعد على قبره اثنتى عشرة شابة ليدفن معه أحياء وقد كن يتزاحمن لنيل هذه الحظوة حتى أن بعضهن كان يقتل بعضا من شدة المزاحمة.
ومن عادة الداهوميين أنه متى مات الملك ابتدأ نساؤه بكسر جميع ما في بيته ثم يعمدن إلى إتلاف أمتعتهن ثم يتولى بعضهن قتل بعض. وقد حدث مرة أن مائتين وخمسين امرأة قتل بعضهن بعضا لهذه الغاية قبل أن يتوصل الملك الجديد لمنعهن.
وروى (كان) أنه إذا مات ولد عزيز لأحد الناس في (انيتوم) ذبحت له أمه وعمته أو جدته ليصحبوه في العالم الآخر.
إثبات الآخرة:
إثبات الدار الآخرة من أهم أغراض الفلسفة القديمة والحديثة، وإنا هنا موردون طرفا من كلتا الفلسفتين وأحسن مصدر نقل عنه أدلة الفلسفة القديمة هي كتب العرب الذين أجادوا النقل عن الحكمة اليونانية وزادوا عليها ما أثمره لهم نظرهم في الكون وتأملهم في كائناته.
قال العلامة نظام الدين الحسن النيسابوري في تفسيره:
»اعلم أن للعلماء في إثبات المعاد طريقين الأولى طريقة القائلين بالحسن والقبح العقليين، والثاني طريقة من يقول لا يجب على اللّه شيء أصلا يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
أما الفريق الأول فلهم على وجوب المعاد حجج عقلية منها أنه تعالى خلق الخلق وأعطاهم عقولا وقدرا فيجب في حكمته أن يرغبهم في الخيرات ويزجرهم عن السيئات وهذا الترغيب والزجر لا يمكن إلا بربط الثواب على العقل والعقاب المرهب غير حاصل في الدنيا فلا بد من دار أخرى هي دار الآخرة ليحصل فيها ذلك وإلا لزم أن يكون اللّه تعالى كاذبا في قوله ليجزي إلخ.
فإن قيل لم لا يكفي في الترغيب والردع ما أودع اللّه في العقول من تحسين الخيرات وتقبيح المنكرات فلا يحتاج إلى الوعد والوعيد. ولئن سلم فلم لا يجوز أن يكون الغرض من الترغيب والترهيب نظام العالم لأنه يفعل ذلك ولا يلزم منه الكذب على اللّه. ألستم تخصصون أكثر عمومات القرآن ثم تزعمون أنه كذب، سلمنا أنه يفعل لكن لم لا يجوز أن يكون الثواب والعقاب هو ما يصل إلى الإنسان في دار الدنيا من الراحات والآلام؟
فالجواب أن العقل وإن كان يدعو إلى فعل الخير وترك الشر إلا أن الهوى والنفس يدعوان إلى الانهماك في الشهوات الجسمانية وإذا حصل هذا التعارض فلا بد من مرجح وما ذاك إلا ترتيب الوعد والوعيد على الأعمال وتجويز الخلف في ذلك مناف للغرض، وأخذ الأجرة إنما يكون بعد الفراغ من العمل والعبد ما دام في الدنيا فهو في العمل. وقد نرى أزهد الناس وأعلمهم مبتلى بالآفات والبليات وأفسقهم وأجهلهم في أتم اللذات والمسرات.
ومنها أن صريح العقل يوجب في حكمة الحكيم أن يفرق بين المحسن والمسيء والمظلوم والظالم. وأن لا يجعل من كفر به وعصاه كمن آمن به وأطاعه، وليس هذه التفرقة في الدنيا. كما قيل:
كم عالم أعيت مذاهبهوجاهل جاهل تلقاه مرزوقافلا بد من دار أخرى يظهر فيها التفاوت ومنها أنه كلف عبيده بأن يعبدوه والحكيم إذا أمر عبده بشيء فلا بد أن يجعله فارغ البال منتظم الأحوال، حتى يمكنه الاشتغال بأداء تكليفه، والناس جبلوا على طلب اللذات والتبادر إلى تحصيل أسباب الراحات، فلو لم يكن زاجر من خوف المعاد لوقع الهرج والمرج والفتن. وحينئذ لا يتفرغ المكلف لأداء ما أمر به.
فإن قيل لم لا يكفي في نظام العالم مهابة الملوك وسياستهم؟
قلنا إن لم يكن السلطان قادرا قاهرا على الرعية فلا فائدة فيه، وإن كان قاهرا غالبا ولا خوف له من المعاد فحينئذ يقدم على أنواع الظلم والإيذاء لأن الداعية النفسانية قائمة ولا وازع له في الدنيا ولا في الآخرة.
ومنها أنه تعالى خلق هذا العالم وخلق فيه الناس والعبث لا يليق بالحكيم الرحيم، فوجب أن يقال إنه خلقهم لمقصود ومصلحة وخير. وليس ذلك في الدنيا لأن لذات هذا العالم جسمانية لا حقيقة لها إلا إزالة الألم، وإزالة الألم أمر عدمي، وكان هذا حاصلا قبل الوجود فلا يبقى للخلق فائدة.
وأيضاً إن لذات الدنيا مشوبة بالآلام بل اللذة في الدنيا كالقطرة من البحر فعلمنا أن للراحة دارا أخرى.
فإن قيل أليس أنه يعذب أهل النار لا لمصلحة وفائدة لهم.
قلنا الفرق أن ذلك الألم استحقوه على أعمالهم وهذا الألم الحاصل في الدنيا غير مستحق، فوجب أن يعقبه خيرات عظيمة، وإلا فينافي أنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.
منها: أنه لو لم يحصل للإنسان معاد لكان أخس من جميع الحيوانات لأنها تشاركه في اللذات الحسية، لأن الروث في مذاق الجعل كاللوز في فم الإنسان، والإنسان يزيد عليها بعقل هو سبب تألمه وتأذيه في أغلب الأحوال يتفكر في الأحوال الماضية فيتأسف ويتأمل في الأحوال الآتية فيخاف فلو لم يكن للإنسان معاد به يكمل حاله ويظهر سعادته كان عقله سببا لشقائه وخسته دون شرفه ومزيته.
ومنها أن إيصال النعم إما أن يكون مشوبا بالآفات أو خالصا عنها، فلما أنعم اللّه علينا في الدنيا بالمرتبة الأولى، وجب أن ينعم علينا بالمرتبة الثانية في دار أخرى إظهارا لكمال القدرة والرأفة والحكمة، فهناك ينعم على المطيعين ويعفو عن المذنبين ويزيل الغموم والهموم والآفات والمخالفات.
ومما يقوي هذا الكلام أن الإنسان دائما في الترقي من حين كونه جنينا في بطن أمه إلى أن يخلص من ذلك السجن ويخرج إلى فضاء الدنيا وإلى أن ينتقل من تناول اللبن والشد الوثيق في المهد إلى تناول الأطعمة اللذيذة والمشي والعدو إلى أن يصير أميرا نافذ الحكم على الخلق أو عالما مشرفا على حقائق الأشياء فوجب بحكم هذا الاستقراء أن يكون حاله بعد الموت أشرف وأبهى من اللذات العاجلة المشوبة بالآلام.
ومنها طريقة الاحتياط فإذا آمنا بالمعاد وتأهبنا له فإن كان هذا المذهب حقا فقد نجونا وهلك المنكر وإن كان باطلا لم يضرنا هذا الاعتقاد. غاية ذلك فوات بعض اللذات الزائلة المشوبة بالمنغصات.
ومنها: أن أحوال الإنسان من صباه إلى هرمه تضاهي حال الأرض من الربيع إلى الشتاء ثم إنا نرى الأرض في الربيع الثاني تعود إلى تلك الحياة، فلم لا يعقل مثل ذلك في الإنسان؟
ومنها: إن الإنسان إنما يتولد من نطفة تولدت من الأغذية الكائنة من الأجزاء العنصرية المتفرقة في مشارق الأرض ومغاربها فإذا مات وتفرقت تلك الأجزاء فكيف يمتنع أن يجتمع مرة أخرى على مثال الاجتماع الأول.
ومنها: أن النظر في تغيرات العالم أدى إلى إثبات صانع حكيم قادر قاهر والعقل يحكم بأن هذا الحكيم لا يليق به أن يترك عبيده هملا يكذبون عليه ويجورون، فلا بد من أن يكون له أمر ونهي ووعد ووعيد من غير تجويز خلف فيها كما مر ولا يتحقق جميع ذلك إلا في دار الجزاء، وأما الفريق الآخر الذين لا يعللون أفعال اللّه تعالى برعاية المصالح فإنهم يقولون المعاد أمر جائز الوجود، لأن تعلق النفس بالبدن لما كان في المرة الأولى جائزا فالمرة الثانية أيضاً جائز.
ثم أن إله العالم قادر مختار عالم بجميع المعلومات الكليات والجزئيات فلا يعجزه تمييز أجزاء بدن زيد وإن اختلطت بأجزاء التراب والبخار عن أجزاء بدن عمرو. وإذا ثبت هذا الإمكان وقد دل الدليل على صدق الأنبياء عليهم السلام وعلى أن القرآن كلام اللّه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ثم أنهم قطعوا بوقوع هذا الممكن. والقرآن مشحون بآيات البعث والجزاء فوجب علينا القطع بالمعاد الجسماني.
شبهة المنكرين الأقدمين:
أما شبهة المنكرين فمن ذلك أنهم قالوا الدار الآخرة إن كانت شرا من هذه فالتبديل سفه وإن كانت مثلها عبث، وإن كانت خيرا منها فإما أن يقال إنه قادر على خلق ذلك الأجود أولا ثم تركه وفعل الأرذل فذلك سفه. أو يقال إنه ما كان قادراً ثم حدثت له القدرة فذلك انتقال من العجز إلى القدرة ومن الجهل إلى الحكمة فهو محال على القديم.
والجواب أن كلا من الدارين خير في وقتها فالأولى لتحصيل العمالات النفسانية الممكنة للنوع الإنساني من قبيل العلم والعمل والأخرى للرحمة والجزاء.
ومن ذلك أنهم قالوا حركات الأفلاك مستديرة والمستدير لا ضد له وما لا ضد له لا يقبل الفساد.
والجواب ما ذكرناه في كتبنا الحكمية من أن كل جسم مركب وكل مركب ينحل لا محالة ولئن سلمنا أنها أزلية فحركاتها غير أزلية، لأن الحركة عبارة عن الانتقال من حال إلى حال، وهذه الهيئة تقتضي المسبوقية بالحالة المنتقل عنها، والأزلية تنافي المسبوقية بالغير فكان الجمع بين الأزل والحركة محالا.
ولئن سلم أن الحركة أزلية فلم لا يجوز أن يكون بعض أوضاع الأفلاك مقتضيا لإعادة المعدومات من الأشخاص الإنسانية.
ومن ذلك (أي من شبههم) أنهم قالوا إن الإنسان عبارة عن هذا البدن ذي الأجزاء لا كيف كانت بل بشرط وقوعها على تأليف مخصوص، لأن أجزاء البدن كانت موجودة قبل هذا الإنسان والموجود مغاير للمعدوم. فإذا مات الإنسان وتفرقت أجزاؤه فقد عدمت تلك الصورة والأعراض وعود المعدوم محال.
وأجيب بأن الإنسان ليس عبارة عن هذا الجسد وإنما هو النفس سواء كانت جوهرا مجردا مفارقا أو جسما مخصوصا لطيفا باقيا في جميع أحوال البدن من الصبا إلى الهرم مصوناً عن التحلل والتبدل وهو الذي يسميه المتكلمون بالأجزاء الأصلية.
ومن ذلك أنهم قالوا: إذا قتل إنسان واغتذى به إنسان آخر لزم بقاء تلك الأجزاء في بدن كل واحد من الشخصين وذلك محال.
وأجيب بعين ما مر وهي أن الأجزاء الأصلية لا تصير جزءا من إنسان آخر».

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الأجل

الأجل بفتح الألف والجيم لغة هو الوقت المضروب المحدود في المستقبل. وأجل الحيوان أو الإنسان ...