عبد الرزاق البيطار الدمشقي

عبد الرزاق البيطار الدمشقي
(1253هـ ـ 1335هـ) (1834م ـ 1916م)
أصله ونشأته ـ.
هو المرحوم عبد الرزاق البيطار، بزغ هذا البدر في سماء دمشق سنة 1253هـ ـ 1834م تلقى على والده وشقيقيه رحمهم الله وكانوا من فطاحل العلماء شتى العلوم ولازم دروس العلامة المحقق الشيخ محمد الطنطاوي فأكمل عليه العلوم العربية والشرعية وعلم الميقات والفلك والحساب، فتجلى فيها نبوغه الباهر وأسلوبه البارع وارتشف من منهله آلاف الخلائق فأفادوا المجتمع.
صدعه بالحق واجتهاده ـ.
لازم الفقيد المرحوم الأمير عبد القادر الجزائري الملازمة التامة وأخذ عنه الفصل بالعدل في القضايا العامة، إذ كان الأمير المرجع في حل الخصومات الواقعة بين الناس، يحيل المتخاصمين إلى الفقيد فيكون قوله الفصل بإجراء الحكم على سنة العدل، ومن أبرز ما حلّ بساحته من الحوادث والمتاعب في حياته أن عصر المرحوم الذي تلقى فيه دروسه الشرعية كان عصر جمود على القديم فكانت الأقوال تلقى بالتسليم من دون تمحيص للصحيح من السقيم، فاستمر الفقيد على طريقة معاصريه متأثراً بها إلى أن ألهمه الله الأخذ بالكتاب والسنة وعدم قبول رأي أحد من دون حجة، فكان رحمه الله أول العلماء الذين أخذوا بالدليل وجاهد في هذا السبيل ورفع فوق رؤوس أهل الحق راية السنة والتنزيل.
صبره واحتسابه ـ.
لقد مكنه الله من العلوم وأسرارها فحلق بجهاده العلمي فوق هامة الاجتهاد والتشريع ومرّ عليه كما مرّ على فطاحل الرجال وأساطين العلم والحكمة قديماً وحديثاً كثير من المصائب والفتن فكان بها مثال المستكن للصبر والثبات، وعرضة للمراقبة في العهد التركي، فقد تجنّى المفسدون وتحاملوا عليه بالإفك والأباطيل وفتشت داره وكتبه مرات فما عثر عنده على شيء يتخذ ذريعة لاضطهاده وإيقاع الأذى به، فطاش سهم المدلسين وباءوا بالفشل الذريع.
أوصافه وشمائله ـ.
كان المرحوم طويل القامة جميل الطلعة، عظيم الهيبة كأن وجهه ورد يحيط به الياسمين من شيبته الناصعة، جليل القدر والوقار، يكاد سنا برق جماله وجلاله يذهب بالأبصار، كلامه كالسحر الحلال، فصيح اللهجة قوي الحجة غزير المادة إذا ناظر أو ساجل فهو البطل المغوار والبحر الزخار، يراعي في مجلسه الطبقات ويعطي كل إنسان نصيبه من الالتفات، واسع الصدر، يغضب للحق ولا يغضب لنفسه أبداً كان من أهنأ الناس معيشة جامعا بين التمتع بالطيبات وتقوى الله كريماً مضيافاً.
ولعمري إن كان للوراثة تأثيرها في الأخلاق والتوجيه، فإن الأستاذ الحفيد الشيخ بهجت البيطار قد ورث عن جده العظيم فقه النفس وحسن الهدي والسمت وجلال القدر والشمائل المحمدية.
رحلته إلى إستانبول ـ.
لقد سافر المترجم له رحمه الله إلى إستانبول مع وفد دمشقي لمبايعة السلطان محمد الخامس وتقديم واجبات التهاني، فرحبت به الصحف التركية وألمعت عن نبوغه العلمي وأدبه الرفيع، وقد أقام بضعة أشهر تعرف خلالهما على كبار العظماء والعلماء الأتراك وكان أينما حل يلقى التحية والتكريم، ثم عاد إلى دمشق فتلقاه أهلها بالشوق والتعظيم.
شعره ومؤلفاته ـ.
كان الفقيد آية باهرة في شتى العلوم، أما في النظم فقد وضع يده على أعنة البيان، بيته مقصد العلماء والشعراء والأدباء والفنانين، وقد توثقت بينه وبين الشاعر الهلالي الحموي لما أقام بدمشق عرى المودة فوصف أدب الهلالي وروعة بيانه فقال:
إذا ما قيل من في الناس طراأديب قد رقي أوج الكمالتفرّد في بديعات المعانيينظمها كتنظيم اللئاليله خضعت أولو الآداب حقاًأقول محمد الحموي الهلاليوله قصائد بديعة وتخاميس وتشاطير متنوعة، وقد ألف بضعة عشر كتاباً بعضها ديني وأكثرها أدبي وأكبرها تاريخي رجال القرن الثالث ذكر فيه مشاهير الرجال ولم يطبع بعد.
زهده في الوظائف وخدمته للعلم ـ.
كان المرحوم بعيداً عن التربع في المناصب والاغترار بالمظهر الكاذب لا يحفل بالحكام والكبراء، ولقد عرض عليه عدة وظائف في الإفتاء والقضاء فرفض كل وظيفة غير خدمة العلم الصحيح ونشره بين طبقات الأمة بالتعليم والإرشاد والتصنيف، كان يلقي دروسه العامة في جامع كريم الدين الشهير بالدقاق في محلة الميدان ودروسه الخاصة في حجرته من ذلك الجامع وفي بيته أيضاً، وقد انتفع بفضله وثقافته كثير من الطلاب.
وفاته ـ.
لقد انطوى ذلك العالم العظيم على محاسن الأخلاق وطهارة الأعراق والمناقب المحمدية وأهدى المجتمع أفضل التوجهات وأسمى الإرشادات، أدركته الشيخوخة وهو قوي الجسم والعقل والذاكرة وفي عاشر ربيع الأول سنة 1335هـ ـ 1916م وافاه الأجل المحتوم ففارق الدنيا إلى دار النعيم ودفن بمقبرة أسرته في الميدان وأعقب ذرية صالحة، أسبغ الله عليه الرحمة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عبد الرحمن بن عبد الله البَعْلي

عبد الرحمن بن عبد الله البَعْلي (1110هـ ـ 1192هـ) (1698م ـ 1778م) عبد الرحمن بن ...