عقائد القدماء في الروح والخلود

عقائد القدماء في الروح والخلود
كانت الأمم القديمة عامة تعتقد في وجود الروح وخلودها. فكان الهنود ولا يزال وثنيوهم على ما كانوا عليه يعتقدون أن الروح الإنسانية نفحة إلهية وأن الإنسان متى مات تكتسي الروح بجسد نوراني شفاف لا تدركه أبصار الأحياء وتنتقل إلى الملأ الأعلى. هذا ما كان يعتقده الهنود منذ عدة ألوف من السنين وقد ثبت لدى الباحثين العصريين في الروح ما يشبه هذا بل كأنه هو. وذلك قولهم إن للروح غلافاً مادياً ولكن من طبيعة أرقى لا تعدو عليه نواميس الطبيعة فلا ينحل ولا يتركب وهو الذي تخلد به الروح في العالم الثاني. وتلك أيضاً كانت عقيدة جميع الشعوب القديمة الراقية.
عقيدة المصريين القدماء:
وكان المصريون يعتقدون قبل ميلاد المسيح بنحو خمسة آلاف عام بأن الموت عبارة عن انتقال من حال إلى حال أرقى منه وكانوا يقولون إن الروح بعد خروجها من الجسد تكتسي بجسد جديد ولكن أرق من الجسد الدنيوي وأرقى منه لا تؤثر عليه المؤثرات وكانوا يسمونه (كا).
عقيدة الصينيين ؛ البوذية:
أما الصينيون فإنهم من أعرق الأمم في عقيدة الخلود وقد كان مشرعهم الأكبر كونفسيوس الذي كان حياً في القرن (السادس ق. م) يعجب بما كان موجوداً قبل وجوده بعدة قرون من عبادة الأرواح وقد كان كما قال المسيو (بوتييه) في كتابه على الصين صفحة (39) بأنه كان يعتقد بأن للروح غلافاً جسدانياً غير الجسد العادي لا تؤثر فيه مؤثرات الفناء وكان يقول بأن الأرواح تحيط بنا من كل جانب وإن لها قدرة على الظهور لنا بمظاهر جسدية.
وهذه هي العقيدة البوذية التي انتشرت في الصين.
عقيدة الفرس:
أما في بلاد الفرس فقد أتى رسولهم زورواستر بأصول جديدة فقد قال إن دون الروح الأزلية القديمة (يعني اللّه) روحين متضادين أحدهما يدعى أرموزد وهو المكلف بالخلق والإيجاد. والثاني أهريمان وهو مسوق للإفناء والملاشاة، وهما في تنازع مستمر. ثم أن لروح الخلق والإيجاد أعواناً من أرواح ثانوية وظيفتها أن تحفظ خلقه وتكلأهم حتى أن لكل إنسان حافظاً منهم قد عهد إليه حفظه فكان عمل هذه الأرواح الحافظة ينحصر في مكافحة الأرواح الشريرة التي يبثها روح الشر أهريمان لإفساد عمل روح الخير أرموزد.
فإذا مات الإنسان صعدت الروح الحافظة إلى السماء لتتمتع بالاستقلال الأبدي.
عقيدة اليونانيين القدماء:
أما اليونانيون القدماء فقد عرفوا الروح والخلود أتم معرفة فقد ذكر هوميروس شاعرهم الأقدم أن روح باترو كل زارت البطل أشيل في خيمته.
ذكر (موري) في كتابه السحر والتنجيم أن جمهور فلاسفة اليونان كانوا يعتقدون بأن لكل إنسان روحاً حافظة له تمثلت فيها شخصيته المعنوية فكانت الأرواح الحافظة للعامة من الأرواح التي لا ميزة لها. وأما حفظة العقلاء فكانت من الأرواح العالية.
وقد كان الفيلسوف تاليس الذي كان عائشا في منتصف القرن السابع لميلاد المسيح يقول بأن العالم مشحون بالأرواح والشياطين، وأنهم يجولون بين أيدينا ومن خلفنا، وأنهم يروننا من حيث لا نراهم.
وكان (أبيمينيد) المعاصر للمشترع (سولون) ترشده الأرواح ويتلقى وحياً إلهيا كما جاء في تاريخه. وكان شديد الاعتقاد بالتناسخ حتى أنه لأجل أن يقنع الناس بهذه العقيدة كان يقول لهم: إنه تناسخ مراراً وإنه كان فيما سبق حيا في جسد الرجل المدعو (أوكوس).
أما سقراط وشايعه أفلاطون فقد وجد أن المسافة بين اللّه والإنسان بعيدة المدى فملأ الوجود بالأرواح المتوسطة زاعماً أنها خلقت لتحفظ الشعوب والأفراد وتوحي إلى الناس أنباء الغيب.
وقال إن الروح كانت موجودة قبل أن يخلق جسدها وهي متمتعة بالمعارف الأزلية. ولكنها لما تتصل به تنسى جميع ما تعلمه ولا تحصل عليه إلا رويداً رويداً بالتعلم والاحتكاك بالأمور الحيوية وإعمال العقل والفكر. فالتعلم في نظره هو التذكر والموت هو الرجوع إلى الحالة التي كانت عليها الروح قبل دخولها في الجسد. فهي إما أن ترجع إلى نعيم أو عذاب على حسب ما قدمت من الأعمال.
ثم قال لكل روح تحفظها وتوحي إليها ما ينفعها في حياتها وعليه فيمكن أن يتوصل الأحياء لمخاطبة الأرواح وهم في هذا العالم. وقال: إن روحاً كانت تكلمه وترشده في جميع أموره وكان يسمع صوتها ويأتمر بأوامرها.
خلاصة عقائد القدماء في الروح:
الخلاصة أن عقيدة وجود الروح وخلودها وظهورها للأحياء في أحوال خاصة أمر عام في الأمم وكنا نستطيع أن نتوسع في الإلمام بعقائد الشعوب المنحطة فيها ولكننا عددنا ذلك من الإسهاب لأنه لما كان غرضنا من هذا البحث هو التدليل على وجودها رأينا أن نسرع في الولوج إلى لباب هذا البحث أولى من إضاعة وقت القارىء فيما لا يهمه كثيراً من هذه الوجهة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الغنوصية

الغنوصية هذه الكلمة Gnosticisme يونانية الأصل معناها: المعرفة الباطنية لعلم ما فوق الحس. فهي فلسفة ...