قبل البعثة المحمدية

قبل البعثة المحمدية
يقول العلامة سديو في كتابه خلاصة تاريخ العرب:
كانت البلاد المجاورة لشبه جزيرة العرب منذ وفاة الإسكندر الأكبر إلى زمن الرومانيين والبزنطيين خالية من حكومة قاسرة فإن المملكة السلجوقية نهكت بالفتن الداخلية فلم تستطع أن تمنع نشأة الممالك المستقلة في الأناضول ولا أن تنقذ ملوك اليهود من إتلافات العرب المتعودين إذ ذاك العدوان على ممالك أكبر الملوك وكانوا لا يتمكنون من الإغارة على المملكة السلجوقية من جهة الفرات لقرب مدينة هؤلاء السلجوقية وأخذوا يرتقبون كل سنة اشتغال جيوش السلجوقية بالحروب في البلاد القاصية فيسيرون من جهة الشام شاهرين السيوف ثم يعودون بالغنائم الجسيمة بلا انتقام ولا قصاص وما زالوا على ذلك حتى عدمت سلطنة السلجوقية فاجتهد الرومانيون والبزنطيون في إزالة ذلك التعدي بتشييد القلاع والحصون بحدود البلاد وترتيب عساكر لملاحظة حركات هؤلاء بل استمال الرومانيون جمعاً من مشايخ العرب بالعطايا وتلقيبهم بأمراء العرب فكفوهم عدوان تلك القبائل.
وانضم إلى البزنطيين من مشايخ العرب جمع منهم (أزيامنس) الذي أظهر للقائد (كراكوس) الروماني أنه محب ومنتصر لهم حتى حول ذلك القائد جيوشه من البلاد الجبلية التي يود التمتع بها إلى سهول واسعة خالية عن الشجر والماء فحمل إذ ذاك البزنطيون بخيلهم ورجلهم وظفروا بهذا القائد كل الظفر.
وليس ذلك بأول وآخر دخول للعرب بين فريقين فقد فعلوا مثل ذلك فيما أنقذ من الفشل في مدينة رومية التي بالمدائن مع بعد المسافة بينهما وانضموا إلى الملكة الزباء المتسلطنة بعد زوجها أذينة زمن محاربتها الرومانيين من سنة (257 بعد الميلاد إلى سنة 272) وتعدى على سكان آسيا الصغرى وتولى منهم فيليبش القيصرية سنة (643) بعد الميلاد لابساً ملابس القيصر الأرجوانية فنسي وطنه ولم ينفعه شيء وأتى إليهم (أوريليان) بالجيوش الرومانية سنة (271) بعد الميلاد فدمر مدينة تدمر وحل بالعرب من المصائب ما لم يقم لهم بعده جاه ولا سطوة.
ومن أمراء العرب الذين ملكوا الجهة الشرقية من الشام وجزء من جزيرة دجلة والفرات الملوك الأذينية المعاصرون لأوائل ملوك الحيرة والأنبار وزعم بعض الفرنج أن آخرهم أذينة زوج الزباء الذي قتل سنة (257) بعد الميلاد في معركة بينه وبين جذيمة ابن الأبرش احد ملوك الحيرة التنوخيين فخلفته الزباء في السلطنة وقتلت جذيمة الذي خلفه عمرو بن عدي أول العائلة الملوكية اللخمية أو النصرية فبعث إلى الزباء قصير بن سعد المعروف عند الفرنج بزبير الثاني فهجم عليها في قصرها فهمت بالفرار وعبرت سرداباً صنعته تحت أخدود الفرات فقتلها قوات الرومانيون سنة (272) بعد الميلاد.
وكان الفرع الأصلي من بني قضاعة الذين هم ملوك الحيرة التنوخية مستوطناً بتهامة والبحرين ملكوا الحيرة وأغاروا على العراق سنة (192) بعد الميلاد ثم على بلاد الأنبار وكان رئيسهم سنة (228) ب.م جذيمة ابن الأبرش المعترف بتبعيته لأزدشير بن ساسان ملك الفرس خلفه في الملك كما سبق عمرو بن عدي أول العائلة الملوكية اللخمية أو النصرية التي امتد حكمها إلى سنة (605) بعد الميلاد الذي لم يساعد عرب مدينة حضر المؤسسة بين دجلة والفرات بصحراء سنجار قاوم أهلها القيصرين (تراجان) سنة (116) (وسيوبر) سنة (102) ب.م والملوك الساسانية سنة (221) بعد الميلاد وأخذها من ملوك الفرس سابور الأول سنة (240) بعد الميلاد.
وكان بين الفرس واليونان في حكم الفرات تنازع أدى إلى اتقاد نار الحرب بينهما كما كان بين البزنطيين والرومانيين مع عناد شديد اغتنم به ملوك الحيرة اتساع مملكتهم بسواحل الفرات وكان لجيوش الفرس طلائع تغلبوا سنة (272) بعد الميلاد على جزيرة دجلة والفرات وتوغلوا في التغلب حتى بلغوا مدينة أنطاكية لكن تعذر عليهم إدارة الحكومة فيما فتحوه من البلاد فلزموا المقاتلة للنهب والسلب وكانوا مدبرين في الحرب يطمعون العدو بفرار يعود منه في الغالب الظفر بسبب رخاوة اليونان واستقلوا بمحاربتهم حتى حولوا جميع خزائن الأناضول تحت ملوك الحيرة فساغ لهم أن ينافسوا بالزينة والزخرفة ملوك المدائن وقياصرة القسطنطينية الذين نقموا منهم هذه الغزوات حتى انتقموا من العرب سكان شمال شبه الجزيرة المسمون عندهم بالشرقيين فقد قاتلوهم بعد الميلاد في سنة (289 و303 و463)م التي أخذوا فيها الأنبار و(373 و411)م وهزموا سنة (421)م الملك المنذر الأول هزيمة سفكت فيها دماء كثيرة لمساعدته الملك بهرام جور في عوده إلى الجلوس على سرير سلطنة الفرس وأغرقوا على ما قال المؤرخ سقراط مائة ألف من العرب في الفرات سنة (448)م لكن القيصر (أنسطاس) انهزم سنة (498)م وجدد العداوة والحرب مع الفرس فكادت جزيرة دجلة والفرات تذهب منه بأسرها سنة (502)م وشارك النعمان الثالث الفرس في محاربة الرومانيين وصد عنهم من وسط بلاد العرب سنة (503)م القبائل التغلبية أو البكرية مع رئيسهم الحرث بن عمرو المقصور على ملك الحيرة المتظاهرة بنصرة ديانة مزدك المانوي الذي عزل المنذر الثالث من السلطنة سنة (518)م ثم قتله كسرى بعد خمس سنين وأعاد المنذر الثالث إلى سلطنته وسائر حقوقه الملكية ونقل أن هذا المنذر مكث سلطاناً من سنة (513 إلى سنة 562) بعد الميلاد نافذ الكلمة على العرب التابعين للفرس يشن الغارات من سائر الجهات على اليونان فلا يستطيعون رده فظهر رونق المملكة الحيرية حتى كان ذلك العصر أزهر أعصرها وما زالت كذلك حتى ملك النعمان الخامس من سنة (583 إلى سنة 605) بعد الميلاد فكان آخر ملوك العائلة اللخمية وتولى سائر المملكة بعده الملوك الساسانية فلم يكتفوا بأخذ جزية منها ولا بعلامات تفيد تبعيتها لهم ونصر القبيلة البكرية السابقة سنة (116) بعد الميلاد على الفرس في واقعة ذوقار فاستقلت بالبحرين وولى مملكة الحيرة من حينئذ عمال من قبل ملوك الفرس وفي ذلك الزمن ظهر النبي بما جاء به من الجهاد وتأسيس الدين.
وقد اعترف عرب العراق وجزيرة دجلة والفرات بحكم ملوك الحيرة والأنبار عليهم منذ سنة (272) بعد الميلاد وانقاد عرب الشام في ذلك الزمن لملوك بني غسان وأما الأزداليمنيون فرحلوا من اليمن ونزلوا سنة ثمان عشرة ومائة بعد الميلاد ببطن مر قرب مكة ثم تمزق شملهم بعد مائة سنة وسكنت عدة قبائل منهم قرب عين ماء تسمى بركة غسان فسموا الغسانية ثم توالت عليهم نصرات اتسع بها حكمهم فتوطنوا في برة وتقلد منهم ثعلبة الإمارة على عرب تلك الجهة من قبل الرومانيين وخلفه في الحكم جفنة الأول أصل العائلة الغسانية التي آخرها جبلة السادس الذي امتد حكمه إلى سنة (637) ميلادية وأسلم في ذلك العصر ومن الغسانية ملكتان شهيرتان (ماوية) التي نصرت زوجة القيصر (ولنس) بعد موته حين حاصرها في تخت ملكها قوم (لويز يغوط) (ومارية) الملقبة بذات القرطين لإهدائها إلى الكعبة حين تنصرت لؤلؤتين لا تعرف قيمتهما وكان الغسانيون في تلك المدة مساعدين لقياصر القسطنطينية على الفرس وبعد تنصرهم في نصف القرن الرابع محاربين لملوك الحيرة تلقب منهم الحارث الخامس الأعرج ابن أبي شمر بلقبي البطريق الملك من طرف القيصر (يوستينان) وشهد سنة (531)م واقعة قالقينيقة التي انهزم فيها القائد (بليزير) الروماني أمهر قواد يوستينان الثاني وكذا انهزم المنذر الثالث سنة (539)م إلا أنه عوض خسائره في سنين قلائل وغزا بعد ذلك بلاد العرب غزوة انتصر فيها على يهود خيبر وسافر إلى القسطنطينية سنة (562)م ومات سنة (572)م وساعد الغسانيون أيضا القيصر (موريق) المتعاهد معهم من سنة 584 إلى سنة 588 والقيصر هرقل المتعاهد معهم من سنة (610 إلى سنة 641)م وقاتلوا في واقعة مؤتة سنة 629 وانهزموا فيمن انهزم في واقعة اليرموك سنة (634)م وانقادوا للخلفاء بعد ذلك بثلاث سنين.
وكان شمال بلاد العرب منحصرا في ابتداء القرن السابع بعد الميلاد بين ممالك الفرس واليونان المتغلبين على مصر وفلسطين وبحيث جزيرة طور وسينا وبين مملكتين تدفع إحداهما الجزية إلى الرومانيين بالقسطنطينية والأخرى إلى ملوك المدائن وكان لهاتين المدينتين تغلب كلي على صحاري الشام والعراق وجزيرة دجلة والفرات.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

أصل العرب

أصل العرب أصل العرب من اليمن من بنو قحطان العرب العاربة ولكن يقول العلامة سديو ...