محمد رسول الله صلى الله عليه وسلّم

محمد رسول الله صلى الله عليه وسلّم
أبو القاسم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم من قبيلة قريش من نسل عدنان ونسب رسول الله صلى الله عليه وسلّم يصل إلى إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، النبي العربي الأمي خاتم الأنبياء والمرسلين أرسله الله للعالم كله، وشريعته ناسخة لكل الشرائع السابقة، أيده الله بالمعجزات والوحي وأكبر معجزاته القرآن الكريم، وكانت ولادة رسول الله صلى الله عليه وسلّم بمكة عام الفيل وهو العام الذي حدثت فيه حادثة أصحاب الفيل، الموافق سنة 571 م، وكان رضاعه صلى الله عليه وسلّم في بادية بني سعد أرضعته حليمة السعدية وخلال وجوده في بني سعد كانت حادثة شق الصدر لرسول الله صلى الله عليه وسلّم، ثم رجع إلى أمه آمنة بنت وهب حتى ماتت وعمره ست سنين فكفله جده عبد المطلب ومات جده بعد سنتين فكفله عمه أبو طالب وأثناء كفالة أبي طالب لرسول الله صلى الله عليه وسلّم سافر معه إلى الشام في تجارة فرآه الراهب بحيري فبشَّر به عمه وحذره اليهود وعمل عليه الصلاة والسلام برعاية الغنم وشهد حلف الفضول وكان صاحب أخلاق كريمة حتى سماه قومه بالصادق الأمين، وكان زواج النبي صلى الله عليه وسلّم بخديجة بنت خويلد عندما بلغ الخامسة والعشرين من عمره، وشارك عليه الصلاة والسلام ببناء الكعبة ووضع الحجر الأسود، وحببت إليه الخلوة للعبادة والتفكر فكان يقضي شهراً في غار حراء يتعبد ويتفكر ثم بدىء بالرؤيا الصادقة ولما بلغ الأربعين كان ابتداء الوحي أثناء اختلاء النبي صلى الله عليه وسلّم في غار حراء وشرع يدعو الناس من حوله سراً إلى الإسلام فآمن به البعض واستمرت دعوة النبي صلى الله عليه وسلّم السرية قرابة الثلاث سنوات كانوا يجتمعون خلالها في دار الأرقم ثم أعلن الدعوة. بدأت بذلك مرحلة الجهر بالدعوة فدعا للإسلام ونبذ الأوثان والخرافات ولكن قريش هزأت به وآذته فصبر وحماه عمه أبو طالب حتى مات، وأسلم عمه حمزة وعمر بن الخطاب فقوي بهما، واشتد أذى قريش لأصحابه فأذن لمن ليس له عشيرة تحميه بأن يهاجر إلى أرض الحبشة فهاجرت مجموعة وقد كانت الهجرة إلى الحبشة متنفساً لهم ثم اجتمع المشركون على منابذة بني هاشم والمطلب ابني عبد مناف لأنهم رفضوا تسليم النبي صلى الله عليه وسلّم لقتله وسكنوا شِعب أبي طالب وأصابهم جوع وفقر كبير خلال الحصار في شعب أبي طالب الذي استمر حوالي ثلاث سنوات ثم انتهى الحصار، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلى الطائف فصدوه وفي هجرة النبي صلى الله عليه وسلّم إلى الطائف والصد عنها درس بليغ للدعاة، وأسري به إلى بيت المقدس ثم عرج به جسداً وروحاً إلى السماوات السبع وسميت هذه الرحلة بـ الاسراء والمعراج، ثم بدأ صلى الله عليه وسلّم يعرض نفسه على القبائل في مواسم الحج لينصروا دينه، فأسلم بمكة ستة من الأوس والخزرج من أهل المدينة وعادوا إليها، فلم يلبث أن جاءه منها اثنا عشر رجلاً فآمنوا به وبايعوه بيعة العقبة الأولى، فبعث معهم مصعب بن عمير ليعلمهم شرائع الإسلام والقرآن فلم يمض غير قليل حتى انتشر الإسلام في المدينة ووفد على النبي صلى الله عليه وسلّم جمعٌ من أهلها فدعوه وأصحابه إلى الهجرة إليهم وعاهدوه على الدفاع عنه وبايعوه بيعة العقبة الثانية فأجاب دعوتهم وأمر أصحابه بالخروج من مكة ثم لحقهم وبلغ قريشاً خبرُ الهجرة إلى المدينة فتبعوا النبي صلى الله عليه وسلّم ليقتلوه فنجا ودخل المدينة وبنى فيها مسجده وفي سنة دخوله صلى الله عليه وسلّم الى المدينة يبتدأ التاريخ الهجري وكان ذلك سنة 622 م ولم يتركه مشركو قريش آمناً في دار هجرته بل كانوا يقصدونه لقتاله فيها حتى نزلت آيات الإذن بالحرب وكانت الآيات تنزل قبلها آمرةً بالصبر وكانت المعركة الأولى بينه وبين المشركين في غزوة بدر بجوار المدينة في رمضان من السنة الثانية للهجرة، وفي السنة الثالثة كانت غزوة أحد في الجبل المشرف على المدينة وكانت حادثة يوم الرجيع، وفي الرابعة غزوة ذات الرقاع وبدر الثانية وحادثة بئر معونة، وفي السنة الخامسة غزوة الخندق وغزوة بني قريظة وغزوة بني المصطلق، وفي السادسة عزوة ذي قرد وصلح الحديبية وبيعة الرضوان وفيها بعث النبي صلى الله عليه وسلّم الرسل إلى كسرى وقيصر والنجاشي وغيرهم من عظماء الملوك كالمقوقس بمصر والحارث الغساني بالشام يدعوهم إلى الإسلام، وفي السنة السابعة كانت غزوة يهود خيبر وعمرة القضاء، وفي الثامنة غزوة مؤتة وغزوة حنين وفتح مكة وكانت معقل المشركين من قريش وغيرهم وفي التاسعة غزوة تبوك وكان النصر في أكثر هذه الوقائع للمسلمين، وفي العاشرة أقبلت وفود العرب قاطبة على النبي صلى الله عليه وسلّم وهو بالمدينة وبعث علي بن أبي طالب إلى اليمن فأسلمت همدان كلها وتتابع أهل اليمن وملوك حمير على الإسلام وحج أبو بكر بالناس في السنة التاسعة وحج رسول الله صلى الله عليه وسلّم حجة الوداع سنة 10 هـ وكانت خطبته فيها وهو على ناقته من أطول خطبه وأكثرهن استيعاباً لأمور الدنيا والدين وفي أواخر صفر سنة 11 هـ بعث النبي صلى الله عليه وسلّم أسامة بن زيد على رأس جيش إلى الشام ولكن الجيش توقف عندما مرض النبي صلى الله عليه وسلّم وكانت وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلّم في 12 ربيع الأول عام 11 هـ حيث دفن في مرقده الشريف بالمدينة المنورة.
الهجرة إلى المدينة:
بعد بيعة العقبة الثانية مع السبعين رجلاً طابت نفس رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقد جعل الله له منعةً وقوماً يحمونه، وبدأ إيذاء المشركين للمسلمين يشتد فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم واستأذنوه في الهجرة فأذن لهم بالهجرة إلى يثرب فجعل المسلمون يهاجرون سراً وينزلون عند الأنصار في المدينة فآواهم الأنصار ونصروهم، وكل المسلمين خرجوا خفية إلا سيدنا عمر بن الخطاب خرج جهاراً نهاراً وعلمت قريش بهذا فغضبت كثيراً وأدركوا أن مركز قوة المسلمين قد أصبح خارج مكة فدبروا مؤامرة لقتل رسول الله قبل خروجه من مكة فجمعوا أربعين شاباً قوياً كل شاب من قبيلة لقتله عند خروجه من بيته وذلك كي يذهب دمه هدراً بين القبائل وضربوا لذلك موعداً معلوماً فأتى جبريل عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم يأمره بالهجرة وينهاه أن ينام في مضجعه تلك الليلة، فانطلق رسول الله إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه يأمره أن يتخلف بعده بمكة كي يؤدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم الودائع التي كانت عند رسول الله للناس (فقد كانوا يستودعون عنده ما يخشون عليه لما يعلمون من أمانته وصدقه) وخرج من بيته وإذا بالشباب الذين يتربصون به تأخذهم سنة من النوم وهاجر مع الصديق أبو بكر وانطلق المشركون يبحثون عنه لقتله صلى الله عليه وسلّم ولكن الله عز وجل حماه من كيدهم حتى وصل إلى قباء واستقبله من فيها وأقام هناك بضعة أيام وأسس مسجد قباء وهو الذي قال الله فيه (لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه) وأدركه علي رضي الله عنه بعد أن أدى الودائع إلى أصحابها ثم واصل النبي صلى الله عليه وسلّم سيره إلى المدينة واستقبله أهلها ونزل عند سيدنا أبي أيوب ثم أسس المسجد (مسجد المدينة المنورة المسجد النبوي المعروف) وآخى بين المهاجرين (المسلمون الذي هاجروا من مكة) والأنصار (المسلمون سكان المدينة (يثرب)) فيقتسم كل أنصاري أملاكه مع أخيه المهاجر وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلّم وثيقة حدد فيها نظام حياة المسلمين فيما بينهم وأوضحت علاقتهم مع غيرهم بصورة عامة واليهود بصورة خاصة.
غزوة بدر الكبرى:
وهي أول غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلّم وسببها أن النبي صلى الله عليه وسلّم سمع بقافلة لقريش قادمة من الشام بإشراف أبي سفيان بن حرب فحض المسلمين إليها ليأخذوها لقاء ما تركوا من أموال في مكة عند الهجرة منها وعرف أبو سفيان الأمر فأرسل إلى قريش وهرب بالقافلة مسرعاً فتجهزت قريش بسرعة وخرجوا قاصدين الغزو وخرج معظم أشراف قريش وكانوا قريباً من ألف مقاتل وعدد المسلمين ثلاث مئة وأربعة عشر رجلاً لأنهم لم يتوقعوا قتالاً ثم وصل خبر خروج قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلّم فاستشار أصحابه فوافقوا على القتال ونزلوا في مكان قريب من آبار بدر فأشار أحد الصحابة على النبي صلى الله عليه وسلّم بتغيير المكان إلى آبار بدر كي يشربوا منها ولا يستفيد منها العدو فوافق النبي صلى الله عليه وسلّم وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلّم يطمئن أصحابه بتأييد الله ونصره حتى أنه كان يعين مصارع المشركين فيقول هذا مصرع فلان… وراح يجأر رسول الله صلى الله عليه وسلّم بالدعاء والمسلمون كذلك وفي صبيحة يوم الجمعة في السنة الثانية من الهجرة في رمضان بدأ القتال وأيد الله المؤمنين بالملائكة وانتهت المعركة بنصر كبير للمسلمين وقتل في تلك المعركة سبعون من صناديد قريش وأسر سبعون واستشهد من المسلمين أربعة عشر رجلاً واستشار النبي صلى الله عليه وسلّم أصحابه في شأن الأسرى فكان رأي أبي بكر الفداء ورأي عمر القتل فأخذ النبي برأي أبي بكر فنزل القرآن معاتباً ومؤيداً لرأي عمر رضي الله عنه.
الهجرة إلى الحبشة:
وهي أول هجرة في الإسلام وذلك عندما اشتد أذى المشركين للمسلمين ورأى رسول الله ما يصيب المسلمين من العذاب والبلاء وهو لا يقدر على حمايتهم قال لهم: لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكاً لا يظلم عنده أحد وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه، فخرج المسلمون إلى الحبشة خفية فراراً بدينهم وكان عددهم 83 مسلماً فلما رأت قريش ذلك أرسلت إلى النجاشي عبد الله بن أبي ربيعة عمرو بن العاص بهدايا مختلفة للنجاشي وحاشيته وذلك رجاء أن يرفض قبول هؤلاء المسلمين في جواره ولكن النجاشي رفض أن يسلِّمهم قبل سماعهم فسألهم عن دينهم فكلمه جعفر بن أبي طالب عن الإسلام وقرأ عليه القرآن فبكى النجاشي وقال: (إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاةٍ واحدة) وردَّ النجاشي المشركين بهداياهم وأبقى المسلمين عنده آمنين مطمئنين وبعد فترة من الزمن بلغهم إسلام أهل مكة فرجعوا إلى مكة وإذ الخبر كذب فدخلوا مكة تحت الجوار أو خفية.
بيعة العقبة الأولى:
في السنة الحادية عشرة من البعثة عرض النبي صلى الله عليه وسلّم نفسه على القبائل كعادته كل عام فبينما هو عند العقبة (موضع بين منى ومكة ترمى عندها جمرة العقبة) لقي جماعة وكانوا ستة من الخزرج فعرض عليهم الإسلام فأسلموا لأنهم كانوا يسمعون به من اليهود فقد كانوا يقولون لهم (إن نبياً مبعوث الآن أطل زمانه سنتبعه ونقتلكم معه قتل عادً وإرم)، وواعدوا رسول الله صلى الله عليه وسلّم في الموسم المقبل، وانتشر الإسلام خلال تلك السنة في المدينة ولما كان العام الذي يليه وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلاً مسلماً فبايعوا رسول الله في منطقة العقبة وهي التي تسمى بيعة العقبة الأولى. روى عبادة بن الصامت خبر هذه البيعة فقال: (كنا اثني عشر رجلاً، قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم تعالوا بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوني في معروف…) قال عبادة: فبايعناه على ذلك فلما أرادوا الانصراف بعث رسول الله صلى الله عليه وسلّم معهم مصعب بن عمير وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام ويفقههم في الدين فكان يسمى مقرىء المدينة.
بيعة العقبة الثانية:
عاد مصعب بن عمير في موسم العام التالي ومعه جمع كبير من مسلمي المدينة خرجوا مستخفين مع حجاج قومهم المشركين فواعدوا رسول الله صلى الله عليه وسلّم أن يلتقوا عند العقبة من أوسط أيام التشريق وعندما انتهوا من الحج وحان الموعد تسللوا في منتصف الليل واجتمعوا في الشعب عند العقبة وكانوا ثلاثة وسبعون رجلاً وبايعهم رسول الله على نصرته ونصرة دينه أي على القتال والتضحية في نصرة هذا الدين فوافقوا وبايعوه وطلب منهم اثنا عشر نقيباً فاختاروهم وهذه هي بيعة العقبة الثانية.
غزوة أحد:
سببها أن بعض زعماء قريش ممن لم يقتلوا في غزوة بدر اجتمع رأيهم على الثأر لقتلاهم في بدر وأخرجوا معهم النساء حتى لا يتراجعوا وكان عددهم حوالي الثلاثة آلاف مقاتل، وعلم بخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلّم فاستشار المسلمين فكان رأي البعض البقاء في المدينة والبعض رأيه الخروج فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلّم بألف من أصحابه في السنة الثالثة من الهجرة وتراجع المنافقون بعدما خرجوا واقترح بعض الصحابة الاستعانة باليهود بناءً على ما بينهم من ميثاق فرفض وعسكر في الشعب من أحد والمسلمون لا يزيدون على سبعمائة مقاتل وعيَّن النبي صلى الله عليه وسلّم خمسين رامياً على الجبل لحماية ظهر المسلمين وأمرهم بعدم مغادرة مواقعهم مهما حدث، فاقتتل الناس وحميت الحرب وكان المسلمون هم المتقدمون حتى انهزم المشركون ونساؤهم يدعون بالويل، وتبعهم المسلمون يقتلون ويغنمون فنزل الرماة وبقي بعضهم ممتثلين أمر النبي صلى الله عليه وسلّم فلاحظ خالد بن الوليد (قبل إسلامه) خلو الجبل وقلة أهله فالتف عليهم وقتل الرماة وهجم على بقية الجيش وتأذى رسول الله صلى الله عليه وسلّم وشاع بين الناس أن رسول الله قتل فحصل اضطراب بين المسلمين ثم هدأت الحرب ورجع المشركون وقد زهدوا بالنصر الذي أحرزوه ودفن المسلمون شهداءهم وكان فيهم الحمزة عم النبي صلى الله عليه وسلّم ومصعب بن عمير رضي الله عنهم وأخذ اليهود والمنافقون يظهرون الشماتة بالمسلمين. انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلّم من معركة أحد مساء السبت فبات تلك الليلة في المدينة فلما صلى الصبح يوم الأحد أمر بالخروج لمتابعة العدو وأن لا يخرج معهم إلا من شهد أحداً فخرجوا حتى عسكروا بحمراء الأسد (مكان من المدينة على بعد عشرة أميال) فأوقد المسلمون نيراناً عظيمة حتى ترى من المكان البعيد وتوهم كثرة أصحابها ومرَّ بهم مشرك وتجاوزهم فمر على المشركين محتفلين بالنصر وهم يأتمرون بالرجوع إلى المدينة للقضاء على المسلمين، وسألوا المشرك فأخبرهم أن المسلمين كثير جداً يريدون قتلكم… فأدخل الله بذلك رعباً عظيماً في قلوب المشركين فهبوا مسرعين إلى مكة وأقام المسلمون في حمراء الأسد ثلاثة أيام ثم رجعوا إلى المدينة.
غزوة الخندق:
وتسمى بغزوة الأحزاب وكانت سنة خمس للهجرة وسببها: أن نفراً من زعماء اليهود من بني النضير الذين أجلاهم رسول الله عن المدينة بعد نقضهم للعهد الذي بينهم وبين رسول الله ومحاولتهم قتل رسول الله غدراً قدموا مكة ودعوا قريشاً إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلّم وقالوا: سنكون معكم حتى نستأصلهُ وقالوا لمشركي قريش (إن ما أنتم عليه خير من دين محمد) صلى الله عليه وسلّم، فاتفقوا مع قريش على حرب المسلمين وتداعوا لذلك ثم خرج أولئك النفر من اليهود حتى جاءوا غطفان فدعوهم إلى مثل ما دعوا قريشاً إليه ولم يزالوا بهم حتى وافقوهم على ذلك ثم التقوا ببني فزارة وبني مرة وتم لهم مع هؤلاء جميعاً اتفاق على الزمان والمكان لحرب المسلمين، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلّم الخبر وسمع بخروجهم من مكة أخبر الناس بذلك واستشارهم فأشار عليه سلمان الفارسي بالخندق فأعجب ذلك المسلمين (والخندق مما لم يكن يعلمه العرب من وسائل الحرب) فخرجوا من المدينة وعسكروا في سفح جبل سلع فجعلوه خلفهم ثم بدأوا بحفر الخندق بينهم وبين العدو وكان عدد المسلمين يومئذ ثلاثة آلاف وعدد ما اجتمع من قريش واليهود والقبائل الأخرى عشرة آلاف، وخرج حيي بن أخطب النضري (زعيم بني النضير) حتى أتى كعب بن أشرف القرظي زعيم يهود بني قريظة فأغراه بنقض العهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم وقال له: جئتك بقريش وساداتها وبغطفان وسادتها… وقد عاهدوني وعاقدوني على أن لا يبرحوا حتى نستأصل محمداً ومن معه، فقال له كعب: جئتني والله بذل الدهر… ويحك يا حيي دعني وما أنا عليه فإني لم أر من محمد إلا صدقاً ووفاءً ولم يزل حيي بكعب حتى أقنعه بالخيانة ونقض العهد، وكانت خطورة انضمام بني قريظة إلى هذا الحلف ضد المسلمين أنهم كانوا مقيمين في المنطقة التي لم يمتد إليها الخندق وذلك اعتماداً على أن بني قريظة تحمي هذه المنطقة وفاءً للعهد الذي بينهم وبين المسلمين، وبلغ خبر نقض بني قريظة للعهد للمسلمين وبدأ المنافقون ينشرون الخوف في صفوف المسلمين، وفوجىء المشركون بالخندق حينما وصلوا إليه وعسكروا حول الخندق يحاصرون المسلمين ولم يحدث قتال يذكر إلا بعض المناوشات الفردية واستمر حصار المشركين للمسلمين بضعة عشر يوماً ثم رجعوا مدبرين وكفى الله المؤمنين القتال بأمرين اثنين إحداهما: أنه جاء رجل فأسلم وعاد ونشر الشك بين الأحزاب فكل حزب يخشى خيانة الآخر والأمر الثاني: ريحٌ هوجاء مخيفة في ليلة مظلمة باردة جاءت فقلبت قدورهم واقتلعت خيامهم وقطعت أوتارهم فرحلوا بعد بضعة عشر يوماً من الحصار وذلك لما أصابهم من الريح ولما خافوه من الخيانة والغدر، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلّم لا يفتر طيلة هذه الأيام والليالي عن الاستغاثة والتضرع والدعاء لله تعالى أن يؤتي المسلمين النصر.
هجرة الرسول صلى الله عليه وسلّم إلى الطائف:
لما ازداد أذى المشركين للنبي صلى الله عليه وسلّم وللمسلمين من أصحابه خرج رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلى الطائف يلتمس النصرة من ثقيف ويرجو أن يقبلوا منه ما جاءهم به من عند الله عز وجل ولما وصل رسول الله صلى الله عليه وسلّم جاء إلى نفر من ثقيف من السادات فجلس إليهم ودعاهم إلى الله وكلمهم بما جاءهم من أجله فردوا عليه رداً منكراً، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلّم من عندهم وهو يرجوهم أن يكتموا خبر مقدمه إليهم عن قريش فلم يجيبوه إلى ذلك أيضاً بل أغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به ويرمونه بالحجارة حتى إن رجلي رسول الله تدميان وزيد بن حارثة يقيه بنفسه حتى شج رأسه عدة شجاج إلى أن وصل رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلى بستان فرجع سفهاء ثقيف الذين كانوا يتبعونه فاستظل رسول الله تحت شجرة ودعا الله عز وجل بالدعاء المشهور، وكان ابنا ربيعة صاحبي البستان ينظران إليه فتحركت الشفقة في قلبيهما فأرسلا إليه قِطْفاً من العنب في طبق مع غلام نصراني اسمه عدَّاس فوضع عداسٌ الطبق بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلّم وقال له: (كل)، فمد رسول الله صلى الله عليه وسلّم يده قائلاً (بسم الله) ثم أكل، وجرى حديث بينهما عرف عدَّاسٌ أنه نبي من الله فأكب على رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقبل رأسَه وَيَدَيْهِ وقَدَمَيْهِ. وعاد رسول الله ومعه زيد بن حارثة إلى مكة وعند وصولهم قال له زيدٌ: كيف تدخل عليهم يا رسول الله وهم أخرجوك؟ فقال: (يا زيد إن الله جاعل لما ترى فرجاً ومخرجاً وإن الله ناصر دينه ومظهر نبيه).
غزوة ذات الرقاع:
في السنة الرابعة للهجرة وسببها ما ظهر من الغدر لدى كثير من قبائل نجد بالمسلمين كما ظهر ذلك في مقتل الدعاة السبعين في حادثة بئر معونة فخرج عليه الصلاة والسلام قاصداً قبائل محارب وبني ثعلب وعسكر رسول الله صلى الله عليه وسلّم في مكان بنجد من أرض غطفان يسمى »نخل» فلقي بها جمعاً عظيماً من غطفان ولكن الله تعالى قذف في قلوب تلك القبائل الرعب فتفرقوا بعيداً عن المسلمين ولم يقع أيُّ قتال، أما سبب تسمية هذه الغزوة بـ ذات الرقاع ما رواه البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم في غزاة ونحن ستة نفر بيننا بعير نعتقبه (أي نتعاقب في الركب عليه فيركب كل واحد منا عليه ثم ينزل ويركب الثاني وهكذا) فنقبت أقدامنا فكنا نلف على أرجلنا الخِرق فسميت غزوة ذات الرقاع، وفي طريق العودة من هذه الغزوة اشترى رسول الله صلى الله عليه وسلّم الجمل من جابر بن عبد الله ثم لم يأخذه رسول الله في المدينة وأعطى جابراً ثمنه والجمل معاً وفي هذه الغزوة صلى المسلمون صلاة الخوف.
غزوة بني المصطلق:
وتسمى بغزوة المريسيع وكانت في العام الخامس للهجرة، وسببها ما بلغ النبي صلى الله عليه وسلّم من أن بني المصطلق يجمعون له وقائدهم الحارث بن ضرار فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلّم بهم خرج إليهم حتى لقيهم على ماء يقال له »المريسيع» فتزاحم الناس واقتتلوا فهزم الله بني المصطلق وقتل من قتل منهم (وخرج مع المسلمين في هذه الغزوة عدد كبير من المنافقين كان يغلب عليهم التخلف في الغزوات السابقة وذلك لما رأوا من إطراد وكثرة النصر للمسلمين وطمعاً في الغنيمة).
الحصار في شِعْبِ أبي طالب:
إجتمع مشركو قريش على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلّم بعدما فشلوا بالعروض التي أغروه بها كي يترك دعوته وفشلوا أيضاً بالتهديد والايذاء، وكلموا في ذلك بني هاشم وبني عبد المطلب، ولكنهم رفضوا تسليمه صلى الله عليه وسلّم إليهم، فلما عجزت قريش عن قتله عليه الصلاة والسلام أجمعوا على منابذته ومنابذة من معه من المسلمين ومَنْ يحيمه من بني هاشم وبني عبد المطلب، فكتبوا بذلك كتاباً تعاقدوا فيه على ألا يناكحوهم ولا يبايعوهم ويضيقوا عليهم… حتى يسلم بنو عبد المطلب رسول الله صلى الله عليه وسلّم إليهم للقتل، وعلقوا الكتاب في جوف الكعبة، والتزم كفار قريش بهذا الكتاب ثلاث سنوات تقريباً بدءاً من السنة السابعة من البعثة، وحوصر بنو هاشم وبنو عبد المطلب ومن معهم من المسلمين ومعهم رسول الله صلى الله عليه وسلّم في شِعْبِ (وادي) بني عبد المطلب من مكة، أما المسلمون فتديناً وأما الكفار فحمية، إلا أبو لهب عبد العزى بن عبد المطلب فإنه ظاهر النبي صلى الله عليه وسلّم والمسلمين بالعداوة، واشتد على المسلمين البلاء في هذه السنوات الثلاث حتى إنهم كانوا لا يجدون ما يأكلون فيأكلوا ورق الشجر والأعشاب وبلغ بهم الجهد مبلغه ذاقوا خلالها ألوان العذاب والشقاء، فلما مضت السنوات الثلاثة تلاوم قوم من بني قصي فأجمعوا أمرهم على نقض ما تعاهدوا عليه، وسلط الله على الصحيفة بعض الحشرات القارضة فأكلتها إلا ما فيه ذكر الله تعالى وأخبرهم بذلك النبي صلى الله عليه وسلّم: »والصحيفة داخل الكعبة لم يرها أحد فاطلعوا عليها فوجدوها كما أخبر عليه الصلاة والسلام فقالوا: هذا سحر! وزادهم ذلك بغياً وعدواناً ثم نقضت هذه الصحيفة ورجع القوم وكلٌ إلى مسكنه».
مسجد الضرار:
كان في المدينة رجل من الخزرج اسمه أبو عامر الراهب وكان قد تنصر في الجاهلية وله مكانة كبيرة في الخزرج، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلّم المدينة واجتمع عليه المسلمون وصارت للإسلام كلمة عالية، أكل الغيظ كبد أبي راهب هذا وأظهر العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلّم ثم خرج فاراً إلى مشركي قريش يمالئهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلّم ثم لما رأى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلّم في اتساع وانتشار ذهب يستنصر بهرقل ملك الروم فوعده بذلك فأقام أبو عامر عنده وكتب إلى قومه من منافقي المدينة يعدهم بما وعده به هرقل، وأمرهم أن يتخذوا له مركزاً يقدم عليهم فيه من يقدم من عنده لأداء كتبه ويكون مرصداً له إذا قدم عليهم بعد ذلك، فبدأوا في بناء مسجد قريب من مسجد قباء فبنوه وأحكموه وفرغوا منه قبل خروج رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلى تبوك، وجاءوا فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلّم أن يأتي إليهم فيصلي في مسجدهم ليحتجوا بصلاته فيه على تقريره وإثباته وذكروا أنهم إنما بنوه للضعفاء منهم وأهل العلة في الليلة الشاتية، فعصمة الله من الصلاة فيه وقال لهم عليه الصلاة والسلام: (إنا على سفر ولكن إذا رجعنا إن شاء الله) فلما رجع صلى الله عليه وسلّم من تبوك واقترب من المدينة نزل عليه جبريل بخبر مسجد الضرار وما أخفاه الذين بنوه من الكفر والنفاق وما أضمروه من تفريق جماعة المسلمين فأرسل عليه الصلاة والسلام من هدم ذلك المسجد قبل وصوله إلى المدينة ونزل قوله تعالى: {والذين اتخذوا مسجداً ضراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله من قبل، وليحلِفُنَّ إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون، لا تقم فيه أبداً، لمسجدٌ أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطَّهرين}[التوبة: 107 ـ 108] نسب رسول الله صلى الله عليه وسلّم:
هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب (شيبة الحمد) بن هاشم بن عبد مناف المغيرة بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، فهذا هو القدر المتفق عليه من النسب الشريف للنبي صلى الله عليه وسلّم أما فوق ذلك فمختلف فيه ولا يعتمد عليه في شيء غير أن مما لا خلاف فيه أن عدنان من ولد اسماعيل نبي الله ابن إبراهيم خليل الله عليهما الصلاة والسلام، وإن الله عز وجل قد اختار نبيه محمد صلى الله عليه وسلّم من أزكى القبائل وأفضل البطون وأطهر الأصلاب فما تسلل شيء من أدران الجاهلية إلى شيء من نسبه الشريف عليه الصلاة والسلام، روى مسلم في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أنه قال: (إن الله اصطفى كنانة من ولد اسماعيل واصطفى قريشاً من كنانة واصطفى هاشماً من قريش واصطفاني من بني هاشم).
ولادة رسول الله صلى الله عليه وسلّم:
ولد رسول الله صلى الله عليه وسلّم في يوم الإثنين الثاني عشر من ربيع الأول عام الفيل أي العام الذي حاول فيه أبرهة الأشرم الحبشي غزو مكة وهدم الكعبة فرده الله شرَّ ردة وسميت هذه الحادثة (حادثة أصحاب الفيل) عام 175 للميلاد وقد وُلِدَ عليه الصلاة والسلام يتيماً فقد مات أبوه عبد الله وكانت أمه آمنة بنت وهب حامل به لشهرين فقط فكفله جده عبد المطلب واعتنى به واسترضع له ـ كما كانت عادة العرب ـ امرأة من بني سعد بن بكر يقال لها حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية وكان رضاع رسول الله صلى الله عليه وسلّم في بني سعد خيراً لهم.
رضاع رسول الله صلى الله عليه وسلّم:
كانت حليمة السعدية (مرضعة رسول الله صلى الله عليه وسلّم) تحدث أنها خرجت من بلدها مع زوجها وطفلها مع مجموعة نسوة يقصدن مكة يلتمسن الرضعاء (الأطفال الصغار للرضاع) وكانت تركب أتاناً (حمارة) وذلك في سنة مجدبة فكانت هذه الدابة تؤخرها عن الركب لضعفها وجوعها وعندما وصلوا مكة عُرِضَ رسول الله صلى الله عليه وسلّم على كل المرضعات فلم تقبل أخذه ولا واحدةٌ منهم وذلك عندما يعلمن أنه يتيم ولم يبق من المرضعات امرأة إلا وأخذت طفلاً لترضعه إلا حليمة فكرهت أن تعود دون رضيع فأخذت رسول الله صلى الله عليه وسلّم وهي تعلم أنه يتيم وذلك التماساً للبركة وفي طريق العودة كانت دابتها تسبق بقية الدواب فاستغرب النساء من ذلك وعندما باتوا على طريق العودة أرضعت رسول الله فرضع حتى روي ورضع ولدها حتى روي وناما (وكان ولدها قبل ذلك لا ينام ليلاً من الجوع ولا يدعها وزوجها تنام) وحلب الزوج الناقة فشرب حتى روي وشربت حتى رويت وما كانت هذه الناقة تحلب شيئاً قبل مجيء رسول الله صلى الله عليه وسلّم حتى قال لها زوجها: (والله يا حليمة لقد أخذتِ نسمة بركة)(يقصد رسول الله صلى الله عليه وسلّم) فقالت: (والله إني لأرجو ذلك) حتى وصلوا بني سعد وكانت أرضهم مجدبة قاحلة جافة في تلك السنة ولذلك فالغنم لا تحلب شيئاً وما إن جاء رسول الله صلى الله عليه وسلّم حتى أصبحت غنم حليمة سمينة ذات لبن كثير حتى إن قومها كانوا يقولون (لرعيانهم: ويلكم اسرحوا حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب) ـ يقصدون حليمة ـ تقول حليمة: (فلم نزل به نتعرف من الله الزيادة والخير حتى مضت سنتاه (أي بلغ عمره سنتان) وفصلته ـ أي فطمته وقطعته عن الرضاع ـ على أمه ونحن أحرص شيء على مكثه فينا لما كنا نرى من بركته فكلمنا أمَّه وقلتُ لها: (لو تركتِ بَنيَّ ـ تقصد رسول الله صلى الله عليه وسلّم ـ عندي حتى يغلظ ـ أي يقوى ـ فإني أخاف عليه وَبَأَ مكةَ) فلم نزل بها ـ أي نقنعها حتى ردته معنا) وبعد رجوع رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلى بادية بني سعد بأشهر حصلت معه حادثة شق الصدر فأرجعته حليمة إلى أمه خوفاً عليه.
يهود خيبر:
تقعُ خيبر إلى الشمال من المدينة المنورة (يثرب) ويشكل موقعها أهمية كبيرة إذ هي مفتاح يثرب من ناحية الشمال وقد استوطنها جماعة من اليهود منذ القرون الأولى للميلاد وكانت حصونها التي أقاموها تعد أقوى حصون اليهود قاطبة في مناطق وجود اليهود بالمدينة أو حواليها وقد ازدادت قوتهم بعد أن قدم عليهم من يهود قبيلتي بني قينقاع وبني النضير بعد إجلائهم عن المدينة بسبب خيانتهم للعهد الذي بينهم وبين المسلمين، ولذلك أصبحت خيبر على هذا النحو تشكل خطراً كبيراً يتهدد المسلمين من ناحية الشمال، وزاد حقد اليهود على المسلمين بعد انتصار المسلمين في غزوة الأحزاب وبدأوا يتفاوضون مع قبيلة غطفان ويهود وادي القرى وتيماء وفدك لتكوين حلف جديد يتزعمه اليهود لحرب المسلمين ووصل ذلك للمسلمين ففاجأوا يهود خيبر قبل أن يصلوا صفوفهم بغيرهم وذلك في السنة السابعة للهجرة ودارت حرب قاسية استمات فيها الفريقان حتى أدرك اليهود أنهم خاسرون فطلبوا الصلح من رسول الله صلى الله عليه وسلّم فصالحهم وسمح لهم بالبقاء في أراضيهم (التي أصبحت ملكاً للمسلمين بحكم الفتح) ويأخذوا نصف الثمار مقابل عملهم إلى أن يرى المسلمون إخراجهم، ولم يلبث يهود فدك ووادي القرى وتيماء أن قبلوا الصلح مع المسلمين بمثل شروط الصلح مع خيبر.
غزوة بني قريظة:
في السنة الخامسة للهجرة لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلّم من غزوة الخندق ووضع السلاح واغتسل أتاه جبريل عليه الصلاة والسلام، فقال: قد وضعت السلاح والله ما وضعنا السلاح فاخرج إليهم وأشار إلى بني قريظة (وذلك أنهم خانوا المسلمين ونقضوا عهدهم في أشد الأوقات ضيقاً عندما اجتمعت جيوش الأحزاب حول خندق المدينة حيث أعان بنو قريظة الأحزاب على المسلمين) فأمر النبي صلى الله عليه وسلّم بلالاً أن ينادي في الناس قائلاً: (من كان سامعاً مطيعاً فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة) فحمل المسلمون أسلحتهم وزحفوا نحو بني قريظة مباغتين لهم قبل أن يكملوا استعدادهم ويقووا حصونهم فحاصر المسلمون حصون بني قريظة خمساً وعشرين ليلة حتى أجهدهم الحصار وقذف الله في قلوبهم الرعب فأرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلّم أن يخرجوا من ديارهم كما خرجت بنو النضير فأبى عليهم ذلك وأخيراً اختاروا حليفهم في الجاهلية وصديقهم في الإسلام سعدَ بنَ معاذ سيدَ الأوس حكماً ـ وقد كان بنو قريظة حلفاء للأوس ـ بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلّم فحكم بقتل رجالهم وأسر نسائهم وأطفالهم وأخذ أموالهم فقال عليه الصلاة والسلام: (قضيتَ بحكمِ الله تعالى) ونُفِّذ الحكم بالخونة.
اليهود في المدينة:
اختلف في أصل وجود اليهود في المدينة ففي قول ضعيف أنهم عرب تهودوا والقول الراجح أنهم يهود نزحوا إلى المدينة خلال القرنين الأولين للميلاد فراراً مما نزل بساحتهم في فلسطين على أيدي الرومان في عامي (70 م، 117 م) وانتهى إلى تدمير الهيكل وطردهم جميعاً من المدينة المقدسة واختار اليهود يثرب لأنها تعتبر إحدى المحطات التجارية الهامة على طريق التجارة الرئيسي آنذاك الممتد بين مكة والشام ولأن يثرب واحة خضراء فقد تملك اليهود الأراضي الزراعية بها وكان بنو قينقاع يحترفون صناعة الحلي والجواهر فتملكوا بذلك دولاب العمل الإقتصادي (الزراعة والتجارة والصناعة) وهم ثلاث قبائل (بنو قريظة ـ بنو النضير ـ بنو قينقاع) سكنوا في أطراف المدينة باستثناء بنو قينقاع سكنوا في وسط المدينة وأصبحت لليهود السيادة في المدينة وبتوالي السنين راحت أعداد الأوس والخزرج (قبيلتان عربيتان في المدينةُّ) تتزايد وراحوا ينافسون اليهود في تملك الأراضي الزراعية فازدادت قوتهم مما دفع عدداً من البطون اليهودية الضعيفة تدخل في حماهم وتنتسب إليهم في الوقت الذي دب العداء بين جماعات اليهود الكبيرة حتى وصل إلى الاقتتال فيما بينهم ولقي بنو قينقاع من بني قريظة والنضير الكثير من العنت فانتقلت بذلك السيادة إلى قبيلتي الأوس والخزرج (العرب) فأضمروا الحقد على العرب وكعادتهم لجأوا إلى الحيلة والخديعة بأسلوب الدس والوقيعة وتفريق الكلمة ثم جاء رسول الله صلى الله عليه وسلّم وَوَحَّد بين أهلها على كلمة الإسلام وكتب معاهدة مع اليهود منذ أول دخولها وكان لهذه الوثيقة أهمية كبيرة مما يتعلق بالقيمة الدستورية لدولة الإسلام الجديدة وقد نصت هذه المعاهدة على بنود كثيرة أهمها: لليهود دينهم وللمسلمين دينهم كلٌّ يقر على دينه ولا يعتدي أحدٌ على أحدٍ وإن بين المسلمين واليهود عهد على نصر من حورب من أهل هذه الصحيفة (الوثيقة) أي يحمي كل واحد منهم الآخر في حال الاعتداء على المدينة.
بنو قريظة:
هي أقوى القبائل اليهودية التي كانت تقطن يثرب وقد حرصوا على أن يحطوا رحالهم في أخصب المناطق الزراعية ثم أقاموا على وادي مهزور، وأقاموا ـ كغيرهم من اليهود ـ حصوناً قوية يتدرعون بها ضد أعدائهم من القبائل العربية النازلة إلى جوارهم كالأوس والخزرج الذين دخلوا في عهد الرسول صلى الله عليه وسلّم عندما قدم المدينة وقد كان بنو قريظة حلفاء للأوس، وقد كتب النبي صلى الله عليه وسلّم مع اليهود المقيمين في المدينة معاهدة على السلم بينهم وعدم مساعدة أحد يعتدي عليهم بل نصرة كل منهم الآخر وحماية المدينة من الأعتداء عليها وأن يأمن كل منهم على نفسه ودينه وماله وعرضه وأولاده. وجاء زعيم بني النضير (الذين تم إجلاؤهم عن المدينة) حييُّ بن أخطب الذي استبدَّت الكراهيةُ للمسلمين بقلِبه وبدأ يحرض كل قبائل العرب ضد محمد وأصحابه فجاء إلى قريش وذكرها بقتلى غزوة بدر وضياع سيادتها على الطريق التجاري إلى الشام إذا ازدادت قوة المسلمين في المدينة وسألت قريش وفدَ اليهود »يا معشر اليهود انكم أهل الكتاب الأول وأهل العلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد أفديننا خير أم دينه؟» وأعماهم الحقد، فأجابوا: »بل دينكم خير من دينه وأنتم أولى بالحق منه» وقد سجل الله عز وجل ذلك عليهم في القرآن الكريم قال تعالى: {ألم ترى إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً. أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيراً} وآثار اليهود أيضاً قبيلة غطفان وغيرها ثم جاء حيي بن أخطب (زعيم بني النضير) إلى كعب بن أسد زعيم بني قريظة يغريه على حرب المسلمين فتردد أولاً ثم اقتنع وكانت خطورة انضمام بني قريظة إلى هذا الحلف أنهم كانوا يقيمون في المنطقة التي لم يمتد إليها الخندق (الذي حفره المسلمون حول المدينة عندما علموا بمقدم الأحزاب اعتماداً على أن بني قريظة تحمي هذه المنطقة وفاءً لعهدها مع الرسول وانتهت غزوة الأحزاب هذه بفشل الأحزاب وعاد القرشيون وحلفاؤهم خاسرين لم ينالوا من المسلمين مأرباً ودعا الرسول المسلمين إلى قتال بني قريظة الذين تحصنوا بأسوارهم واستمر الحصار إلى أن عرض بنو قريظة التسليم مقابل الجلاء كما فعل من قبل مع بني قينقاع وبني النضير ولكن الرسول أصر على التسليم دون شروط وأن يقبلوا حكمه فيهم، ثم اختار اليهود سعد بن معاذ حكماً وقاضياً عليهم فحكم عليهم بقتل المحاربين من بني قريظة وسبي الذراري والنساء وتقسيم الأموال وتم تنفيذ الحكم ونال الخونة جزاءهم.
بنو قينقاع:
قبيلة من القبائل اليهودية التي استوطنت يثرب إبان القرون الأولى للميلاد وكانوا يحترفون صناعة الحلي والجواهر لذلك نزلوا بوسط يثرب وأقاموا لهم سوقاً خاصاً وغنموا من عملهم هذا كثيراً وكانت قبيلة بني قريظة تحظى بكراهية شديدة من جانب قبيلتي بني النضير وبني قريظة اليهوديتين وصلت إلى حد تعرضها لاعتداءاتهما بصورة قاسية ثم توقفت هذه الاعتداءات بعد قدوم الرسول صلى الله عليه وسلّم والمسلمين إلى المدينة وتحوَّل حقدهم وكراهيتهم باتجاه المسلمين وازداد ذلك بعد معركة بدر بين المسلمين وقريش وانتصار المسلمين فيها وظهر حقدهم الدفين على المسلمين عندما اعتدوا على امرأة مسلمة متحجبة وكشفوا عورتها فاستغاثت فهجم مسلم وقتل اليهودي الآثم فقتلوا المسلم وأصبحت فتنة وأراد الرسول عليه الصلاة والسلام تهدئة النفوس واحترام عقد الموادعة (الذي عُقِدَ بين المسلمين واليهود عند دخول الرسول المدينة) لكن اليهود رفضوا قائلين (يا محمد لا يغرنك أنك لقيت قوماً لا علم لهم بالحرب (يقصدون هزيمة قريش في بدر) فأصبتَ منهم فرصة، إنا والله لئن حاربتنا لتعلمن أنا نحن الناس) فأمر الرسول عليه الصلاة والسلام بحصار بني قينقاع واستمر الحصار خمسة عشر يوماً حتى أعلن اليهود استسلامهم فأجلاهم رسول الله صلى الله عليه وسلّم عن المدينة تاركين ممتلكاتهم.
بنو النضير:
قبيلة يهودية نزحت إلى يثرب مع غيرها من القبائل والبطون اليهودية خلال القرون الأُولى للميلاد ونزلوا في أطراف المدينة بأخصب المناطق الزراعية وهي منطقة العوالي في الجنوب الشرقي للمدينة وقد ابتنوا لأنفسهم قلاعاً وحصوناً يتحصنون بداخلها كانت تعد من أقوى الحصون في المدينة وكانوا يعتزون بقوتهم وحصونهم وكانوا من أوائل الجماعات اليهودية التي أظهرت عداءها للرسول عليه الصلاة والسلام والمسلمين منذ قدومهم المدينة وبخاصة شاعرهم كعب بن الأشرف الذي أطلق للسانه العنان في النيل من المسلمين وأعراضهم وظهر عداؤهم ونقضهم للعهد بينهم وبين رسول الله عليه الصلاة والسلام بالتعامل والتحالف مع المنافقين في المدينة والتحالف مع أبي سفيان واستقبل زعيمهم أبا سفيان بن حرب عندما قدم من مكة في مئتين من أهلها وأغار على أطراف المدينة وأحرق دارين وقتل رجلين وعاد إلى مكة وتآمروا على قتل النبي صلى الله عليه وسلّم عندما زارهم وأظهروا الترحيب به وهم يخططون لاغتياله فأوحي إلى النبي بما يُبَيِّتُ له اليهود فذهب من عندهم وقرر إجلاءهم عن المدينة لأنهم نقضوا العهد وكادوا يقتلون النبي صلى الله عليه وسلّم فأمر النبي صلى الله عليه وسلّم بقتال بني النضير واستمر القتال عشرين ليلة حتى إن اليهود بدأوا يخربون بيوتهم بأيديهم واستبد بهم اليأس فطلبوا من المسلمين الأمان على أموالهم ودمائهم ودراريهم حتى يخرجوا من المدينة فلم يقبل النبي صلى الله عليه وسلّم إلا بخروجهم آمنين على أرواحهم ولهم من أموالهم ما حملته الإبل فقط فكانوا يحملون الإبل بضائعهم وحاجاتهم وينطلقوا.
اشتراك النبي صلى الله عليه وسلّم في بناء الكعبة ووضع الحجر:
الكعبة المشرفة هي أول بيت بني لعبادة الله وحده وقد تعرضت الكعبة للإعتداءات التي أوهت بنيانها وصدعت جدرانها وكان بين هذه العوادي سيل كبير اجتاح مكة قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلّم بسنوات قليلة فزاد تصدع جدران الكعبة فأعادت قريش تشييد الكعبة حرصاً على هذا البناء المقدس فقد كان احترام الكعبة وتعظيمها بقية مما ظل محفوظاً من شرعة إبراهيم عليه السلام بين العرب، وقد شارك رسول الله صلى الله عليه وسلّم في بناء الكعبة وإعادة تشييدها وكان ينقل الحجارة على كتفه الشريف صلى الله عليه وسلّم وقد بلغ من العمر حينها خمساً وثلاثين سنة، ولما وصل في بناء الكعبة إلى وضع الحجر الأسود اختلفت القبائل حول من يستحق شرف وضع الحجر الأسود في مكانه فاقترح عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلّم أن يضعوا الحجر على ثوب ثم تأخذ كل قبيلة بطرف ثم يحملوه إلى مكانه وفعلوا ذلك فحمله رسول الله صلى الله عليه وسلّم وضعه في مكانه ورضي جميع القوم.
حادثة شق الصدر لرسول الله صلى الله عليه وسلّم:
وهي من إرهاصات النبوة (أي الأمور الخارقة للعادة التي تحصل مع النبي قبل نبوته) وهي من دلائل اختيار الله إياه لأمرٍ جليل وقد رويت هذه الحادثة بطرق صحيحة وعن كثير من الصحابة وخلاصتها: أن النبي صلى الله عليه وسلّم كان في بادية بني سعد عند حليمة ترضعه، وحدث أن كان يلعب مع بعض الغلمان إذا أتاه ملكان على شكل رجلين عليهما ثياب بيض فأخذاه فأضجعاه فشقا صدره فأخرجا من قلبه علقة سوداء فقالا: هذا حظ الشيطان منك ثم غسلا قلبه بإناء ذهبي فيه ماء زمزم وثلج حتى أنقياه وأعادا قلبه لمكانه والحكمة من هذه الحادثة ـ والله أعلم ـ ليست استئصال غدة الشر من قلب النبي صلى الله عليه وسلّم إذ لو كان الشر منبعه غدة في الجسم لأمكن أن يصبح الشرير خيراً بعملية جراحية ولكن الحكمة ـ والله أعلم ـ هي إعلان أمر النبي صلى الله عليه وسلّم وتهييؤه للعصمة والوحي من صغره بواسائل مادية إنها إذا عملية تطهير معنوية اتخذت هذا الشكل المادي الحسي ليكون فيه إعلان إلهي بين أسماع الناس وأبصارهم.
أصحاب الفيل:
استولى الحبشة على اليمن وبنى سلطانهم أبرهة الأشرم كنيسة كبيرة لم يُرَ مثلُها في زمانها، ثم كتب إلى النجاشي (ملك الحبشة): (إني بنيتُ لكَ أيها الملك كنيسة لم يُبْنَ مثلها لملك كان قبلك ولست بمنته حتى أصرف إليها حج العرب!) فلما تحدثت العرب بذلك الكتاب غضب رجل وذهب إلى اليمن وأحدث داخل كنيسة أبرهة، فوصل الخبر لأبرهة فغضب وأقسم ليسيرن إلى البيت حتى يهدمه (يقصد الكعبة) فخرج بجيش ومعه فيل، وحاول بعض القبائل العربية ردَّ جيش أبرهة فلم يستطيعوا لقوة الجيش وأُتي بأموالٍ من مكة على شكل الغنائم وكان مما وصله مئتي بعير لعبد المطلب بن هاشم (هو جد الرسول صلى الله عليه وسلّم) وهو يومئذ كبير قريش وسيدها فجاء وقابل أبرهة فهابه أبرهة وذلك لجمال ووسامة عبد المطلب وسأل أبرهة عبد المطلب عن حاجته فأخبره أنه يريد مئتين من الإبل قد أصابها له، فقال أبرهة لترجمانه: (قل له: قد كنتَ أعجبتني حين رأيتُك ثم قد زهدتُ فيكَ حين كلمتَني، أتكلمني في مئتي بعير أصبتُها لك وتتركُ بيتاً هو دينُك ودينُ آبائك قد جئتُ لهدْمِهِ لا تكلمُني فيه؟!! فقال له عبدُ المطلب: إنِّي أنا ربُّ الإبلِ، وإنَّ للبيت رباً سيمنَعُهُ). ودخل أبرهة بجيشه إلى مكة قاصدين الكعبة فجلس الفيل وامتنع عن الاقتراب من الكعبة فنهروه وضربوه حتى أوجعوه وهو لا يتحرك نحو الكعبة فوجهوه نحو اليمن فهرول مسرعاً ونحو الشام فهرول أما نحو الكعبة فيبرك ولا يتحرك! ثم أرسل الله طيراً وجعلت ترمي على الجيش حجارة لا تصيب أحداً منهم إلا هلك فخرجوا هاربين وأصيب أبرهة ومات، وسمي هذا العام بـ عام الفيل وهو العام الذي كانت فيه ولادة رسول الله صلى الله عليه وسلّم، يقول الله عز وجل عن هذه الحادثة: (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ألم يجعل كيدهم في تضليل وأرسل عليهم طيراً أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول).
كفالة أبو طالب لرسول الله صلى الله عليه وسلّم وقصة بحيرى الراهب:
لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلّم من العمر ست سنوات ماتت أمه آمنة وتحول رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلى كفالة جده عبد المطلب وكان يحبه كثيراً حتى إنه كان يجلسه بجانبه في مجلسه (ويقول لأعمامه عندما يريدون إبعاده: دعوا ابني فوالله إن له لشأناً!) فما إن تم لرسول الله صلى الله عليه وسلّم ثماني سنوات حتى توفي جده عبد المطلب فتحول إلى كفالة عمه أبي طالب ولما تم له صلى الله عليه وسلّم اثنتا عشرة سنة سافر عمه أبو طالب إلى الشام في ركب للتجارة فأخذه معه ووصل الركب إلى »بصرى» ومروا على راهب هناك يقال له: (بحيرى) وكان عليماً بالانجيل والنصرانية وأبصر بحيرى النبي صلى الله عليه وسلّم فجعل يتأمله متفحصاً وكلَّمه ثم التفت إلى أبي طالب فقال له: ما هذا الغلام منك؟ فقال: ابني (وكان أبو طالب يدعوه بابنه لشدة محبته له وشفقته عليه) فقال له بحيرى ما هو بابنك وما ينبغي أن يكون أبو هذا الغلام حياً، فقال أبو طالب: هو ابن أخي، قال الراهب: فما فعل أبوه؟ قال: مات وأمه حبلى به. قال بحيرى الراهب: صدقت، فارجع به إلى بلده واحذر عليه من يهود فوالله لئن رأوه هنا ليصيبوه بشرٍ، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم، فأسرع به أبو طالب راجعاً إلى مكة ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلّم يستقبل فترة الشباب من عمره فبدأ بالسعي للرزق وعمل برعي الغنم وحفظه الله من كل ما قد ينحرف إليه الشبان من مظاهر اللهو والعبث.
زواج النبي صلى الله عليه وسلّم من خديجة:
كانت خديجة امرأة تاجرة ذات شرف ومال تستأجر الرجال في مالها وتشاركهم فيه فمنهم العمل ومنها رأس المال، فلما بلغها عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم صدق الحديث وعظم الأمانة وكرم الأخلاق أرسلت إليه ليخرج في مالها إلى الشام تاجراً وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره ومعه غلامها (ميسرة) فقبل عليه الصلاة والسلام هذا العرض ورحل إلى الشام متاجراً بمالها ومعه غلامها ميسرة، فحالفه التوفيق في هذه الرحلة أكثر من غيرها، وعاد إلى خديجة بأرباح مضاعفة، وأدى لها ما عليه من أمانة تامة ونبل عظيم، ووجد ميسرة من خصائص النبي صلى الله عليه وسلّم وعظيم أخلاقه ما ملأ قلبه دهشة له واعجاباً به فروى ذلك لسيدته خديجة فأعجبت خديجة بعظيم أمانته ولعلها دهشت لما نالها من البركة بسببه عليه الصلاة والسلام فعرضت نفسها عليه زوجة فوافق عليه الصلاة والسلام وكلَّم في ذلك أعمامه فخطبوها له وتزوجها عليه الصلاة والسلام وقد تم له من العمر خمسة وعشرون عاماً ولها من العمر أربعون عاماً وقد كانت تزوجت قبل زواجها من رسول الله صلى الله عليه وسلّم برجلين.
إختلاء النبي صلى الله عليه وسلّم في غار حراء:
لما اقترب سن رسول الله صلى الله عليه وسلّم من الأربعين نشأ لديه حب للعزلة بين الفترة والأخرى وحبب الله إليه الاختلاء في غار حراء، وحراء جبل يقع في جانب الشمال الغربي من مكة فكان يخلو فيه، ويتعبد الليالي ذوات العدد، فتارة عشرة وتارة أكثر من ذلك إلى شهر، ثم يعود إلى بيته فلا يكاد يمكث فيه قليلاً حتى يتزود من جديد لخلوة أخرى ويعيد الكرة إلى غار حراء، وهكذا إلى أن كان ابتداء الوحي وهو في غار حراء.
إبتداء الوحي:
أول ما بدىء به رسول الله صلى الله عليه وسلّم من النبوة الرؤيا الصالحة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا وقعت في الحقيقة ثم حبب إليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء فيتعبد فيه الليالي ثم يعود إلى أهله ويأخذ ما يحتاجه من طعام وحاجات ثم يعود للخلوة حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك سيدنا جبريل عليه السلام فقال له: اقرأ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: ما أنا بقارىء، قال: فأخدني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال الملك: اقرأ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: ما أنا بقارىء قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال الملك: اقرأ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: ما أنا بقارىء قال: فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني فقال: (اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم) فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلّم يرجف فؤاده خائفاً فدخل على زوجته خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فقال: (زملوني زملوني) فزملوه حتى ذهب عنه الخوف، فقال لخديجة بعد أن قصَّ عليها ما حدث معه: لقد خشيت على نفسي، فقالت خديجة: (كلا والله لا يخزيك الله أبداً إنك لتصل الرحم وتَحْمِلُ الكَلَّ ـ أي تعين اليتيم والعاجز ـ ـ وتُكْسِبُ المعدومَ أي الفقير ـ وتُقْرِي الضيفَ ـ أي تحسن إليه ـ وتعينُ على نوائبِ الحق) وانطلقت مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم حتى أتت ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى وكان ابن عم خديجة وكان امرأ قد تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الإنجيل في العبرانية وعندما عرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلّم ما نزل عليه من الوحي، فقال له ورقة: هذا الناموس (أي جبريل أو الوحي) الذي نزل على موسى يا ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: أو مخرجيَّ هم؟ قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً، ثم لم يلبث ورقة أن توفي.
دعوة النبي صلى الله عليه وسلّم السرية:
بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلّم الدعوة إلى توحيد الله وعبادته وحده ونبذ الأصنام ولكنه كان يدعو إلى ذلك سراً حذراً من قريش التي كانت متعصبة لشركها ووثنيتها فلم يكن عليه الصلاة والسلام يظهر الدعوة في المجالس العمومية لقريش ولم يكن يدعو إلا من كانت تشده إليه صلة قرابة أو معرفة سابقة، وكان أوائل من دخل الإسلام من هؤلاء: خديجة بنت خويلد وعلي بن أبي طالب وزيد بن حارثة وأبو بكر بن أبي قحافة (الصديق) وعثمان بن عفان والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص… وغيرهم، رضي الله عنهم جميعاً وكان هؤلاء يلتقون بالنبي صلى الله عليه وسلّم سراً وكان أحدهم إذا أراد ممارسة عبادة من العبادات ذهب إلى وادٍ من أودية مكة يستخفي فيها عن أنظار قريش، ثم لما زاد الذين دخلوا في الإسلام على الثلاثين ـ ما بين رجل وامرأة ـ اختار لهم رسول الله صلى الله عليه وسلّم دار أحدهم وهو الأرقم بن أبي الأرقم، وكان يلتقي بهم فيها ويرشدهم ويعلمهم أمور دينهم الجديد، واجتمع في هذه الفترة من الدعوة السرية ما يقارب الأربعين عامتهم من الفقراء والأرقاء ـ العبيد ـ.
دعوة النبي صلى الله عليه وسلّم الجهرية:
ازداد عدد المسلمين في مكة وكان النبي صلى الله عليه وسلّم يدعو للإسلام سراً حتى انتشر ذكر الإسلام بمكة، ثم جاء الأمر من الله عز وجل للرسول صلى الله عليه وسلّم بالجهر بالدعوة وذلك بقوله تعالى: {فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين} وقوله: {وأنذر عشيرتك الأقربين واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين وقل: إني أنا النذير المبين} وقد مضى على الدعوة السرية قرابة ثلاثة سنين من بعثته عليه الصلاة والسلام، واستجاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم لقوله تعالى: {فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين} بأن صعد على الصفا ونادى الناس فاجتمعوا عليه، فقال عليه الصلاة والسلام: أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقيّ؟ قالوا: ما جربنا عليك كذباً. قال: {فإني نذير لكم بين يدي عذاب أليم}. فقال له عمه أبو لهب: (تباً لك… ألهذا جمعتنا؟) فنزل فيه قوله تعالى {تبت يدا أبي لهب وتب…} وكان رد الفعل من قريش أمام جهره بالدعوة أن أدبروا عنه تنكروا لدعوته معتذرين بعدم استطاعتهم أن يتركوا الدين الذي ورثوه عن آبائهم وأصبح من تقاليد حياتهم وحينئذ نبههم الرسول صلى الله عليه وسلّم إلى ضرورة التفكير بالعقل ونبذ التقليد والاتباع الأعمى وأوضح لهم أن آلهتهم التي يعكفون على عبادتها لا تضر ولا تنفع، كما قال الله عز وجل: {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول، قالوا: حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً ولا يهتدون} فلما عاب آلهتهم وسَفَّهَ أحلامَهم (عقولهم) بدأوا بخلافه ومعاداته وإيذائه من تبعه من المسلمين الضعفاء.
الإسراء والمعراج:
الإسراء: هي الرحلة الخارقة للعادة التي أكرم الله بها نبيه من المسجد الحرام بمكة إلى المسجد الأقصى بالقدس، والمعراج: هو ما أعقب ذلك من العروج به إلى طبقات السماوات العلا ثم الوصول به إلى حد انقطعت عنده علوم الخلائق من ملائكة وإنس وجن كل ذلك في ليلة واحدة معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وسلّم وهي كانت بالجسم والروح معاً، بدأت بأن أتي رسول الله بالبراق (وهو دابة فوق حمار ودون بغل يضع حافره عند منتهى طرفه حمل رسول الله صلى الله عليه وسلّم من مكة إلى بيت المقدس فصلى هناك إماماً بالأنبياء ثم عرض عليه ثلاثة آنية إناءُ ماءٍ وخمرٍ ولبن فشرب من اللبن، فقال جبريل: اخترت الفطرة ثم عرج به إلى السماء الأولى فالثانية فالثالثة وهكذا وهو يرى نبياً في كل سماء حتى وصل إلى سدرة المنتهى وأوحى الله إليه عندئذ ما أوحى، وفي رحلة الإسراء والمعراج فرضت الصلوات الخمس على المسلمين وهي خمسون صلاة في اليوم والليلة ولكن الله خففها إلى الخمس فمن أداهن إيماناً واحتساباً كانت له أجر خمسين صلاة مكتوبة، ولما كانت صبيحة اليوم التالي وحدث رسول الله صلى الله عليه وسلّم الناس بما شاهد فكذبه المشركون حتى قال له بعضهم: صِفْ لنا بيتَ المقدس: فأظهر الله عز وجل صورته بين عينيه وأخذ يصفه لهم وصفاً تفصيلياً كما يسألون.
يوم الرجيع:
في السنة الثالثة للهجرة قدم وفد من قبائل عضل القارة على رسول الله صلى الله عليه وسلّم يذكرون أن أخبار الإسلام قد وصلتهم وأنهم بحاجة إلى من يعلمهم شؤون هذا الدين، فبعث الرسول صلى الله عليه وسلّم نفراً من أصحابه فانطلقوا حتى إذا كانوا في الطريق عرف خبرَهم بنو لحيان (حيٌ من هذيل) فتبعوهم بقريب من مئة رام حتى أدركوهم وأحاطوا بهم وقالوا للمسلمين: (لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا أن لا نقتل منكم رجلاً) فلم يسلم المسلمون أنفسهم وقال أميرهم عاصم بن ثابت (أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر) فقاتلوهم حتى قتلوا سبعة منهم ولم يبق سوى ثلاثة خبيب بن عدي وزيد بن الدثنة ورجل آخر فأعطوهم العهد والميثاق فنزلوا إليهم فلما استمكنوا منهم ربطوهم فقال الثالث: هذا أول الغدر ورفض أن يصحبهم فقتلوه وباعوا خبيباً وزيداً بمكة فاشترى خبيباً بنو الحارث وكان خبيب قتل الحارث يوم بدر) فأسروه ثم قتلوه واشترى زيداً صفوانُ بن أمية وقتلوه.
حادثة بئر معونة:
في السنة الرابعة للهجرة قدم عامر بن مالك المشهور بلقب »ملاعب الأسنة» على رسول الله صلى الله عليه وسلّم فعرض عليه الإسلام ولكنه لم يسلم ولم يظهر تجنباً عن الإسلام بل قال: (يا محمد لو بعثت رجالاً من أصحابك إلى أهل نجد فدعوهم إلى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك)، فقال عليه الصلاة والسلام: (إني أخشى عليهم أهل نجدٍ)، فقال عامر: (أنا لهم جار فابعثهم فليدعوا الناس إلى أمرك). فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلّم سبعين رجلاً من أصحابه من خيار المسلمين فساروا حتى نزلوا ببئر معونة وبعثوا أحدهم بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلى عامر بن الطفيل فلما وصلهُ لم ينظر في كتابه وقتله وروى البخاري أنه لما طعن قال: (فزت ورب الكعبة)، ثم نادى عامر بن الطفيل بني عامر يستعديهم على بقية الدعاة الذين أرسلهم رسول الله صلى الله عليه وسلّم فلم يجيبوه وقالوا: (لن نخفر أبا براء »عامر بن مالك») فنادى عليهم قبائل من سليم من عُصيّة ورِعْل وذكوان فأجابوه وانطلقوا فأحاطوا بالدعاة في رحالهم فلما رأوهم أخذوا سيوفهم وقاتلوهم فقتل المسلمون من آخرهم وكان مع الدعاة اثنان لم يكونا عند وقوع هذه الخيانة ثم قتل أحدهماوأفلت الآخر فرجع إلى المدينة وتأثر النبي صلى الله عليه وسلّم لمقتل هؤلاء الدعاة الصالحين أصحاب القرآن من أصحابه وبقي شهراً يقنت في صلاة الصبح يدعو على قبائل سليم: رعل وذكوان وبني لحيان وعُصيَّة.
غزوة حنين:
في شوال سنة ثمان للهجرة، حدثت وسببها أن الله تعالى حين فتح مكة على رسوله ودانت له قريش بعد بغيها وعدوانها اتفق أشراف هوازن وثقيف وقد امتلأت صدورهم غيظاً للنصر الذي آتاه الله رسوله والمؤمنين فحشدوا حشوداً كبيرة وكان أميرهم مالك بن عوف سيد هوازن وأمرهم فجاءوا معهم بأموالهم ونسائهم وأبنائهم وذلك حتى يجد كل منهم ما يحبسه عن الفرار وهو الدفاع عن الأهل والمال والولد، فخرج المسلمون في اثني عشر ألف عشرة آلاف من المدينة وألفين من مكة وعلم مالك بن عوف بمجيء المسلمين فتهيأ أصحابه في وادي حنين وانتشروا يكمنون في أنحائه وأوعز إليهم أن يحملوا على محمد صلى الله عليه وسلّم وأصحابه حملة واحدة ووصل المسلمون عند الفجر فلم يروا إلا الكتائب تغير عليهم وهجموا على المسلمين هجوماً واحداً فارتدَّ المسلمون راجعين لا يلوي أحد منهم على أحد فانحاز رسول الله صلى الله عليه وسلّم ذات اليمين ثم نادى في الناس: (إليَّ يا عباد الله أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب) ثم قال للعباس (وكان رجلاً قوي الصوت): ناد أصحاب السمرة (الشجرة التي كانت عندها بيعة الرضوان عام الحديبية) فقال العباس بأعلى صوته: (يا أصحاب السمرة) فقالوا: (لبيك لبيك…) وأقبلوا يقتتلون، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلى قتالهم وقال: (الآن حمي الوطيس) ثم أخذ حصيات ورمى بها في وجوه الكفار ثم قال: (انهزموا ورب محمد) فقذف الله في قلوب المشركين الرعب فانهزموا واتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون ووصل مالك بن عوف ومن معه من رجالات قومه حتى وصلوا إلى الطائف فامتنعوا بحصنها ثم حاصرها المسلمون مدة ولم تفتح فرجع المسلمون قائلين (آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون) وقال الصحابة: يا رسول الله ادع الله على ثقيف فقال: (اللهم أهد ثقيفاً واتِ بهم) ثم بعد زمن جاء وفدٌ من ثقيف إلى المدينة لإعلان إسلامهم وجاء مالك بن عوف وأسلم وحسن إسلامه.
غزوة تبوك:
في شهر رجب من السنة التاسعة للهجرة وذلك أنه بلغ المسلمين أن الروم قد جمعوا جيشاً كبيراً واستعانوا بلخم وجذام وغيرهم من نصارى العرب الذين كانوا تحت إمرة الروم وكان عددهم أربعين ألف مقاتلٍ فأعلن رسول الله صلى الله عليه وسلّم الخروج وأخبر بالجهة المقصودة على خلاف العادة (لأنه كان يوري بجهة ثم يتجه إلى جهة) وذلك ليأخذ المسلمون حِذْرَهم وليتأهبوا لأن المسافة بعيدة وقد صادف ذلك حراً شديداً فكانت هذه الغزوة ثقيلة على النفس كثيراً ميزت المؤمن من المنافق وأنفق الصحابة للمعركة فأتى سيدنا عثمان بـ300 بعير مجهَّزٍ وبألف دينار بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقال: لا يضر عثمان ما فعل بعدها وجاء عمر بنصف ماله وجاء أبو بكر بماله كله (وكان سبَّاقاً للخير) وخرج المسلمون فيما يقارب ثلاثين ألفاً من المسلمين وتخلف بعض المنافقين ونزلت الآيات القرآنية تفضحهم وتخلف بعض المسلمين المؤمنين منهم كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية (هم الذين نزل قبول توبتهم من الله تعالى بعد خمسين يوم من مقاطعتهم) وعانى المسلمون في هذه الرحلة جهوداً شاقة وأصابهم الجوع والعطش حتى جمعوا بعض الطعام ودعا رسول الله بالبركة فأكلوا حتى شبعوا ولما وصلوا تبوك لم يجدوا قتالاً فقد اختفت الجموع وتفرقت ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلّم حاكم أيلة فصالحه على الجزية وأتاه أهل جرباء وأذرج فأعطوه أيضاً الجزية ومرَّ الجيش بطريق العودة بديار ثمود فأسرعوا فيها السير ووصلوا المدينة في رمضان أي استمر غيابهم شهرين.
عمرة القضاء:
خرج رسول الله صلى الله عليه وسلّم في ذي القعدة من السنة السابعة للهجرة قاصداً مكة فاعتمر عمرة القضاء (بدلاً عن العمرة التي صُدَّ عنها في العام الماضي وعقد صلح الحديبية) وكان عدد المعتمرين ألفين، وتحدث المشركون من قريش بأن محمداً وأصحابه في شدة ومرض وضعف فاجتمعوا عند دار الندوة لينظروا إليه وأصحابه، فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلّم المسجد اضطبع بردائه ثم قال: رحم الله أمرأ أراهم اليوم من نفسه قوة ثم استلم الركن وخرج يهرول هو وأصحابه معه، ولما أتم رسول الله صلى الله عليه وسلّم النسك ومضى ثلاثة أيام وذلك حسب الاتفاق مع أهل مكة خرج المسلمون من مكة إلى المدينة.
غزوة مؤتة:
حدثت في السنة الثامنة للهجرة ومؤتة: مدينة تقع جنوبي عمان وهي تابعة للأردن، وسبب الغزوة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أرسل الحارث بن عميرة الأزدي إلى ملك بصرى شرحبيل بن عمرو الغساني فربطه وقتله ولم يقتل لرسول الله صلى الله عليه وسلّم رسول غيره (والرسل لا تقتل) فندب رسول الله الناس للخروج إلى الشام واجتمع في المسلمين ثلاثة آلاف مقاتل أمَّر عليهم زيد بن حارثة فإن قتل فاللواء لجعفر بن أبي طالب فإن قتل فاللواء لعبد الله بن رواحة فإن قتل فليختاروا أميراً يرتضونه وأوصاهم صلى الله عليه وسلّم أن يدعوا من هناك للإسلام فإن أجابوا وإلا استعانوا عليهم بالله وقاتلوهم وأوصاهم ألا يقتلوا النساء ولا الأطفال ولا المكفوفين وألا يهدموا المنازل وألا يقطعوا الأشجار، ولكن العدو علم بمقدمهم فاستعدوا لهم بجيش عظيم بلغ مئة ألف مقاتل واستنجد شرحبيل الغساني بحلفائه الرومان فأمده هرقل بمئة ألفٍ أخرى وعندما علم المسلمون بهذا الجيش الكبير تشاوروا بينهم أن يبعثوا رسولاً إلى النبي صلى الله عليه وسلّم يخبرونه ويستشيرونه فوقف سيدنا عبد الله بن رواحة مشجعاً المسلمين على المضي للقتال قائلاً »يا قوم والله إن التي تكرهون: للتي خرجتم تطلبون: الشهادة وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين إما النصر وإما الشهادة في سبيل الله» فأخفت هذه الكلمات مشاعر التردد وانطلقوا للقتال في سبيل الله واجتمع الطرفان وحمي وطيس المعركة فسقط زيد بن حارثة شهيداً ثم جعفر بن أبي طالب حتى إذا اجتمع حوله الأعداء نزل عن فرسه فعقرها وانطلق يقاتل راجلاً حتى قتل ووجد في جسده خمسين طعنة ليس منها شيء في ظهره كما رواه البخاري ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة فقاتل حتى استشهد ثم اتفق الناس على إمرة خالد بن الوليد فأخذ اللواء وغيَّر بعض ترتيب الجيش وأثار الغبار وراء الجيش ليوهم أن مدداً قد أتى وغيَّر خطة الحرب فانهزم الكفار فانحاز خالد بالجيش حينئذٍ عائداً إلى المدينة ورأى أن العودة بالجيش سالماً أكبر غنيمة ولم يتبع العدو كعادة المنتصر ليعود بالغنيمة وحين عادوا قال لهم بعض من في المدينة: »يا فرار فررتم في سبيل الله» فقال عليه الصلاة والسلام: ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار إن شاء الله) وقد كان رسول الله نعى القوَّاد الثلاثة قبل مجيء الجيش فأخبر باستشهاد كل قائد وعيناه تذرفان حتى قال: (أخذ الراية سيف من سيوف الله)(يقصد سيدنا خالد بن الوليد رضي الله عنه).
صلح الحديبية:
في العام السادس للهجرة أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلّم المسلمين أنه رأى في المنام (ورؤيا الأنبياء وحي وحق) أنه دخل هو وأصحابه المسجدَ الحرام آمنين محلقين رؤوسهم ومقصرين، وأعلن أنه متوجه إلى مكة معتمراً فتبعه جمع كبير من المهاجرين والأنصار بلغ عددهم ألفاً وأربعمئة تقريباً، وأحرم صلى الله عليه وسلّم بالعمرة في الطريق وساق معه الهدي ليعلم الناس أنه لم يأت للقتال بل جاء لزيارة البيت الحرام وأداء النسك فقط، وعلمت قريش بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلّم وأصحابه للعمرة فخافوا كثيراً وظنوا أنها خدعة دبرها محمد صلى الله عليه وسلّم وأتباعه ليتمكنوا من دخول مكة بعد أن صدوهم عن المدينة (في غزوة الخندق) فعزموا على منع المسلمين من دخول مكة وجهزوا جيشاً عظيماً بقيادة خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل فتعمد رسول الله صلى الله عليه وسلّم أن ينحرف عن طريق هذا الجيش وأخذ طريقاً آخر وعراً بين الشعاب هو طريق الحديبية وذلك حرصاً على المسالمة وتعظيماً للإحرام وللأشهر الحرم ولما وصل المسلمون الحديبية نزلوا أبها.
بيعة الرضوان:
اختار النبي صلى الله عليه وسلّم عثمان بن عفان رضي الله عنه رسولاً من جانب المسلمين إلى قريش قبل كتابة صلح الحديبية ليخبرهم أن الغرض من مجيء المسلمين هو العمرة فقط ولكن قريشاً أصرت على الرفض وحبست عثمان عندها فشاع بين المسلمين أن عثمان قُتل فلما بلغ الخبرُ رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: (لا نبرح حتى نناجز القوم) فأسرع الناس وحملوا السلاح وتهيؤوا للحرب وبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلّم تحت شجرة هناك فكان النبي صلى الله عليه وسلّم يأخذ بيد أصحابه الواحد تلو الآخر يبايعونه على أن لا يفروا يقاتلوا حتى الموت، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلّم بيد نفسه وقال: (هذه عن عثمان) ورضي الله عنهم وأرضاهم وتقبل البيعة منهم قال تعالى: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً} وسميت لذلك هذه البيعة بـ بيعة الرضوان، ولما تمت البيعة علم رسول الله صلى الله عليه وسلّم أن ما بلغه من مقتل عثمان باطل.
ولما علمت قريش بأمر بيعة الرضوان أخذت تعيد النظر في أمر قتال المسلمين فأطلقت سراح عثمان بن عفان وأرسلت سهيل بن عمرو للتفاوض في أمر الصلح بينهم وبين المسلمين فتم الاتفاق والصلح بين الطرفين على ما يلي: 1 ـ توقف الحرب بين الطرفين لمدة عشر سنوات، 2 ـ أن يرد المسلمون إلى قريش من لجأ منها إليهم وأما من لجأ من المسلمين إلى قريش لا يردونه، 3 ـ أن يؤجل المسلمون العمرة إلى العام القادم فيدخلوا مكة بعد خروج قريش منها ويقيموا فيها ثلاثة أيام وليس معهم إلا السيوف، 4 ـ من أحب الدخول في عهد قريش دخل ومن أراد الدخول في عهد محمد صلى الله عليه وسلّم دخل فدخلت خزاعة في عهد المسلمين وبنو بكر في عهد قريش وقبل رسول الله صلى الله عليه وسلّم هذا الصلح على الرغم من أن بعض المسلمين لم يرتضوه لظنهم أن فيه إجحافاً بالمسلمين ولكن في الحقيقة كان صلح الحديبية نصراً مبيناً للمسلمين كما سماه الله في كتابه وذلك لأن المسلمين استراحوا من عناء مقاومة المشركين وقتالهم وتفرغوا للدعوة إلى دين الله تعالى في داخل الجزيرة العربية وخارجها حتى إن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أرسل الرسائل في السنة السابعة للهجرة إلى الأقطار والمماليك المحيطة بالجزيرة العربية فكتب إلى ملوكها وأمرائها فأرسل إلى كسرى ملك الفرس وهرقل قيصر الروم والمقوقس زعيم القبط بمصر والحارث الغساني ملك الحيرة بالشام فرفض الدعوة بعضهم وردَّ بعضهم سفراء الرسول صلى الله عليه وسلّم رداً جميلاً وفي السنة الثامنة بعث بكتبه إلى ملك البحرين وملك اليمن وملك عمان فأسلموا.
وأما الشرط الذي شرطته قريش على النبي صلى الله عليه وسلّم من ردِّه من جاء مسلماً إليها والذي أثار قبوله كثيراً من المسلمين عادت قريش بنفسها فطالبت بإلغائه وذلك لأن المسلمين الذين كانوا يخرجون من مكة إلى المدينة ويرفضهم رسول الله صلى الله عليه وسلّم وفاءً بالعهد، كانوا يجتمعون حتى إنهم كوَّنوا قوةً وكانوا كلما سمعوا بقافلة للمشركين أغاروا عليها وأخذوا مالها عوضاً عن أموالهم التي تركوها في مكة فأرسلت قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم تناشده الله والرحم أن يقبلهم عنده ويضمهم إليه فجاؤوا إلى المدينة.
فتح مكة:
وكان ذلك في شهر رمضان سنة ثمان للهجرة وسببها أن أناساً من بني بكر كلموا أشراف قريش في أن يعينوهم على خزاعة بالرجال والسلاح (وخزاعة كانت قد دخلت في عهد المسلمين) فأجابوهم لذلك، فأغاروا على خزاعة ليلاً فقتلوا منهم عشرين رجلاً، فوصل الخبر لرسول الله صلى الله عليه وسلّم فقال: (لا نصِرْتُ إنْ لم أنصر بني كعب مما أنصرُ منه نفسي) وندمت قريش على ما بدر منها فأرسلت أبا سفيان بن حرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم ليجدد الهدنة فلم يجبْه رسول الله صلى الله عليه وسلّم ولا أبو بكر ولا عمر فرجع إلى مكة خائباً وتجهز المسلمون خفية وقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: (اللهم خذ على أبصار قريش فلا يروني إلا بغتة) وخرج يوم الأربعاء في العاشر من رمضان بعد العصر وأرسل صلى الله عليه وسلّم إلى من حوله من العرب فالتقى كلهم وبلغ عدد المسلمين عشرة آلاف ولم تكن الأنباء قد وصلت قريش بعد ولكنهم كانوا يتوقعون شيئاً فخرج أبو سفيان مع نفر يريد الاستكشاف فرأى المسلمين وأمسكه الحرس وأتوا به فأسلم ثم أسرع إلى مكة بعد رؤية الجيش الكبير فدخلها قبل أن يصلها رسول الله صلى الله عليه وسلّم وصرخ بأعلى صوته: (يا معشر قريش هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن…. ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن) فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد، وسمع رسول الله قائلاً يقول: (اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الكعبة) فلم يرض وقال: (بل اليوم يوم الرحمة، اليوم يعظم الله الكعبة) وأمر قادة جيوشه ألا يقاتلوا إلا من قاتلهم باستثناء ستة رجال وأربع نسوة منهن (جاريتان تتغنيان دائماً بهجاء النبي صلى الله عليه وسلّم) ودخل المسلمون مكة ولم يجد أحد منهم قتالاً إلا خالد بن الوليد لقيه جمع من المشركين قاتلوه فقاتلهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: (قضاء الله خير) ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلّم خافضاً رأسه تواضعاً لله عز وجل حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح حتى إن لحيته الشريفة لتكاد تمس الرحل وهو يقرأ سورة الفتح واتجه نحو البيت (الكعبة المشرفة) وحوله ثلاثمئة وستون صنماً فجعل يطعنها بعود في يده الواحد تلو الآخر، ونُظِّفَ البيتُ من الأصنام والرسوم، وأعطى مفتاح الكعبة لعثمان بن طلحة (وهو من حجبة البيت) وقال له: (خذوها خالدة مخلدة)، وأمر بلالاً فصعد الكعبة فأذن للصلاة بقوله: (الله أكبر….) فأقبل الناس يدخلون في دين الله أفواجاً وخطب رسول الله خطبة بليغة جداً ثم قال: (يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيراً أخ كريم وابن أخ كريم فقال: إذهبوا فأنتم الطلقاء) ثم جاء الناس لمبايعة رسول الله صلى الله عليه وسلّم على السمع والطاعة لله ورسوله فلما فرغ من مبايعة الرجال بايع النساء وما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلّم يد امرأة أجنبية كما روت السيدة عائشة.
حجة أبي بكر:
في السنة التاسعة للهجرة عندما عاد رسول الله صلى الله عليه وسلّم من غزوة تبوك أراد الحج ثم قال: (إنما يحضر المشركون فيطوفون عراة فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك) فأرسل أبو بكر وأتبعه بعلي رضي الله عنهما ينهيان المشركين عن الحج بعد ذلك العام وينهيان عن الطواف بالبيت عريان ويعطيانهم مهلة للدخول في الإسلام أربعة أشهر ثم ليس بينهم وبين المسلمين إلا القتال أو الإسلام، يقول سبحانه وتعالى: (وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم).
حجة الوداع:
مكث رسول الله صلى الله عليه وسلّم بالمدينة تسع سنين لم يحج، ثم أعلن للناس في السنة العاشرة أنه عازم على الحج، فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله صلى الله عليه وسلّم ويعمل مثل عمله وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلّم من المدينة بموكب كبير جداً من المسلمين ودخل صلى الله عليه وسلّم مكة من أعلاها من طريق كداء حتى انتهى إلى باب بني شيبة فلما رأى البيت قال: (اللهم زد هذا البيت تشريفاً وتعظيماً وتكريماً ومهابة وزد مَنْ عظمهُ ممن حجه أو اعتمره تشريفاً وتكريماً ومهابة وتعظيماً وبراً) ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلّم في حجه فعلَّم الناس مناسكهم وبين لهم سنن حجهم وقال عليه الصلاة والسلام: (خذوا عني مناسككم) وألقى رسول الله صلى الله عليه وسلّم في يوم عرفة خطبة الوداع الجامعة في جموع المسلمين الذين احتشدوا حوله في الموقف بعرفة ومنها قوله صلى الله عليه وسلّم: »أيها الناس اسمعوا قولي فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبداً أيها الناس إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا…. كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع…. إن الشيطان قد يئس من أن يُعْبَدَ بأرضكم هذه أبداً.. فاحذروه على دينكم أيها الناس إن النسيء زيادة في الكفر… اتقوا الله في النساء فإنكم إنما أخذتموهن بأمان الله…. وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله وسنة رسوله…. أرقاءكم أرقاءكم.. أطعموهم مما تأكلون واكسوهم مما تلبسون وإن جاءوا بذنب لا تريدون أن تغفروه فبيعوا عباد الله ولا تعذبوهم… كل مسلم أخ للمسلم وإن المسلمين إخوة…. وستلقون ربكم فلا ترجعوا بعدي ضلالاً يضرب بعضكم رقاب بعض ألا ليبلغ الشاهدُ الغائب فلعل بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: اللهم اشهد (ثلاث مرات)» وعند الغروب نزل من عرفات إلى مزدلفة وبات هناك ثم اتجه نحو منى فرمى جمرة العقبة ثم انصرف نحو المنحر فنحر ثلاثاً وستين بدنة ثم أعطى علياً فنحر ما بقي من المئة ثم ركب فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر ثم شرب زمزم ثم اتجه صلى الله عليه وسلّم عائداً إلى المدينة المنورة.
بعث أسامة بن زيد إلى أرض فلسطين:
بعد عودة رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلى المدينة من حجة الوداع أقام قليلاً ثم أمر المسلمين بالتهيؤ لغزو الروم وأختار أسامة بن زيد لإمرة الجيش وكان رضي الله عنه شاباً في مقتبل العمر فتكلم في إمرته بعض المنافقين مستنكرين فخطب رسول الله صلى الله عليه وسلّم ورأسه معصوب وأكَّد على إمرة أسامة، فتجهز الناس وخرج كل المهاجرين والأنصار وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلّم أسامة بن زيد أن يسير إلى موضع مقتل أبيه زيد بن حارثة وأن يصل إلى تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين ووافق ذلك بدء شكواه صلى الله عليه وسلّم من مرضه الذي توفي فيه، فخرج أسامة بجيشه إلى ظاهر المدينة فعسكر بالجرف (مكان قرب المدينة) ينتظرون ماالله قاض في هذا الأمر (فقد سمعوا بمرض النبي صلى الله عليه وسلّم).
وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلّم:
بدأت علامات انتهاء الأجل عندما خرج عليه الصلاة والسلام مع أحد الصحابة إلى البقيع للاستغفار لهم فقال لصاحبه: (إني قد أعطيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها فخُيرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة… قد اخترت لقاء ربي والجنة) وكان أول وجعه صلى الله عليه وسلّم صداعاً شديداً يجده في رأسه وكانت السيدة عائشة رضي الله عنها ترقيه خلال ذلك بالمعوذات، وأراد الخروج لأصحابه فقال: أهريقوا عليَّ من سبع قرب لم تحلل أوكتيهن لعلي أعهد إلى الناس (أي أخرج إلى الناس لأكلمهم) ثم خرج إلى الناس عاصباً رأسه فصلى بهم وخطبهم قائلاً: (عبد خيره الله بين أن يؤتيه زهرة الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده) فبكى أبو بكر رضي الله عنه (إذ علم ما يقصده النبي صلى الله عليه وسلّم) وناداه قائلاً: (فديناك بآبائنا وأمهاتنا) فقال عليه الصلاة والسلام: (على رسلك يا أبا بكر، أيها الناس: إن أمن الناس علي في ماله وصحبته أبو بكر ولو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً ولكن أخوة الإسلام. لا تبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبو بكر….) ثم عاد رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلى بيته واشتد به وجعه وثقل عليه مرضه ولم يعد يقوى على الخروج إلى الصلاة مع الناس فقال: (مروا أبا بكر فليصل بالناس) وخرج مرة وصلى فكان أبو بكر يأتم به صلى الله عليه وسلّم والناس تأتم بأبي بكر رضي الله عنه. ثم عاد واشتد مرضه وبدأت سكرات الموت وكان بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلّم ركوة فيها ماء فجعل يدخل يده في الماء ويمسح بها وجهه ويقول: (لا إله إلا الله إن للموت سكرات) وكانت فاطمة رضي الله عنها إذا رأت ذلك قالت: (واكرب أباه!) فيقول لها صلى الله عليه وسلّم: (ليس على أبيك كرب بعد هذا اليوم) حتى قبض عليه الصلاة والسلام انتشر خبر وفاته صلى الله عليه وسلّم فجاء أبو بكر ودخل على ابنته السيدة عائشة وكشف عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقبله وبكى، ثم خرج وإذ بسيدنا عمر رضي الله عنه يكلم الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم لم يمت؟!! فقال سيدنا أبو بكر (ر) على رسلك يا عمر فلم ينصت له سيدنا عمر واستمر في الكلام ورَفْض قبول نبأ وفاة الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلّم فصعد سيدنا أبو بكر رضي الله عنه المنبر وقال الكلمة الخالدة: (أما بعد أيها الناس من كان منكم يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ومن كان منكم يعبد الله فإن الله حي لا يموت).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

أهل الصفة

أهل الصفة كانوا قوما من الفقراء قيل كان يبلغ عددهم أربعمائة كانوا منقطعين في مسجد ...