مذاهب الفلاسفة اليونانيين القدماء في الروح وأدلتهم على بقائها

مذاهب الفلاسفة اليونانيين القدماء في الروح وأدلتهم على بقائها
الفلسفة اليونانية على جلالة قدرها لم تخرج عن كونها كلاما في كلام لا تفي بحاجة المدارك العصرية التي تتطلب الأدلة الحسية. ولكن من الضروري الإلمام بتلك الأقوال والبراهين الكلامية تكميلاً لسلسلة التاريخ الخاص بالروح، وإننا سنلم بها على عجل كما هو الواجب وكما هي رغبة القارىء فيما نعتقد.
عقيدة طاليس:
عد الروح بعض فلاسفة اليونان بخاراً، واعتبرها آخرون حرارة، وتخيلها قوم منهم أثيراً. أما الفيلسوف طاليس المتوفى سنة (548) ق م فقد عدها أصل الحركة.
عقيدة فيثاغورس:
أما أشياع الفيلسوف فيثاغورس المتوفي في القرن السادس ق م فقد قالوا: إنها وحدة قائمة بذاتها وأداة تتحرك بحركة ذاتية وإنها الإدراك.
عقيدة أفلاطون:
أما أفلاطون فقد رأى أن هنالك روحين أحداهما الروح العاقلة وهي الخالدة ومسكنها الدماغ، والأخرى غير خالدة ولا عاقلة وهي قسمان: غضبية ومستقرها الصدر، وشهوية ومكانها البطن.
عقيدة أرسطو:
أما أرسطو فقد حدد الروح بأنها الأصل والصورة الأولى لجسم طبيعي ومتمتع بحياة بالقوة. وعد ثلاث صنوف من الأرواح منبثة في مجموع الجسد وهي: الروح الغاذية، والروح الحاسة أو الحيوانية والروح العاقلة.
عقيدة ابن رشد وباكون:
فلما جاء الفيلسوف الإسلامي أبو الوليد بن رشد المتوفي سنة (595) هجرية ارتضى هذا التقسيم المثلث وبقي مذهبه شائعاً تحت أسماء متعددة إلى أن ظهر باكون الفيلسوف الإنكليزي في القرن السابع عشر.
عقيدة ديكارت:
فأعرض عن إحدى هذه الأرواح الثلاث وهي الغاذية وأبقى الحاسة والعاقلة.
فلما ظهر الفيلسوف الفرنسي ديكارت المتوفي سنة (1560) م حذف الروح الحاسة ولم يبق إلا الروح العاقلة واهتم بتمييز الروح عن الجسم وتحديد خصائص كل منهما.
فاعتبر ديكارت الروح جوهراً أخص صفاته الفكر الذي هو أصل كل رأي واعتبر الجسم جوهراً أخص صفاته الإمتداد ومن أحواله الصورة والحركة. وذهب إلى أن هذين الجوهرين متميزان أحدهما عن الآخر تمام التميز الأول لا يتصور فيه إمكان التجزي والانقسام وعدم التجانس في أجزائه بخلاف الجوهر الثاني فإنه يقبل الانقسام والتجزي والتغير بطبيعته.
قال: ولما كانت الروح شيئاً والجسد شيئاً آخر فلا يتصور أن تتبع الروح حال الجسم ولا مصيره. وعليه فيفنى الجسم والروح باقية.
احتاج أشياع هذا المذهب للبحث عن واسطة يصح أن توجد بين الروح والجسد لتصل أحدهما بالآخر فإنهما لما كانا من طبيعتين مختلفتين كل الاختلاف فيصعب أن يتحدا أحدهما بالآخر على النحو الذي نرى عليه الإنسان الحي بدون أن يكون بين الجسد والروح اتصال بواسطة شيء ثالث فارتأوا ثلاثة آراء. فذهب الفيلسوف مالبرنش المتوفي سنة (1715) م إلى أنه لا يوجد بين الروح والجسد أدنى اتصال غير أن حركة كل منها خلقت مقابلة للأخرى بدون أن يكون أحدهما سبباً في حركة الآخر. فأما أن يكون الخالق يحرك الأجساد بواسطة النواميس التي يحكم بها انفعالات الروح وأما أن يثير في الروح من الانفعالات ما تقابل به حركات الأجساد.
عقيدة لبنتز:
ولكن الفيلسوف لبنتز المتوفي سنة (1716) م خالف مالبرنش وذهب مذهباً آخر فقال: إن الروح والجسد متميزين أحدهما عن الآخر وقال إن انفعال أحدهما للآخر ليس من تأثير أحدهما على الآخر ولكن الخالق خلق الروح والجسد على شاكلة واحدة بحيث أن كل حركة وسكون في أحدهما يقابلها نظيرة له في الآخر، مثلهما في ذلك كساعتين تملآن وتدوران في وقت واحد فتتوافقان في جميع حركاتهما وسكناتهما، وآلاتهما متميزة لا تعلق لبعضها ببعض.
عقيدة كودوورب:
ولكن الفيلسوف (كودوورب) رأى رأياً ثالثاً. فقال إن بين الروح والجسد شيئاً ليس بروح ولا جسد ولكنه مشترك بينهما وظيفته أن يجمع بين الروح والجسد وأن يجعل أحدهما يقبل تأثيرات الآخر.
عقيدة باسكال:
أما الفيلسوف باسكال الفرنسي فقال: إن وجه اتحاد الجسم بالروح ليس من الأمور الممكن إدراكها فإن الإنسان وهو أعجب المخلوقات لم يستطع أن يدرك ما هو الجسم. ولم يستطع أن يدرك ما هي الروح فمن يستطيع أن يدرك وجه اتصال أحدهما بالآخر.
يرى القارىء معنا أن هذه الأقاويل التي كانت رائجة في القرن الثامن عشر لا تقنع غلة باحث في عصرنا هذا فما هي إلا أقوالاً ليس لها شاهد يؤيدها من الحس ويكفيك دليلا على وهنها اختلاف الفلاسفة فيها، وكل شيء يختلف عليه ويمكن الأخذ والرد فيه لا يصح أن يتخذ عقيدة في مثل عصرنا الحاضر الذي يتطلب البرهان المحسوس، وإنما نحن نورد هذه الأقوال لنعطي قارئنا صورة مصغرة من تاريخ الكلام في الروح والتدليل على وجودها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عقائد القدماء في الروح والخلود

عقائد القدماء في الروح والخلود كانت الأمم القديمة عامة تعتقد في وجود الروح وخلودها. فكان ...