معركة القادسية

معركة القادسية
وقعة القادسية من أشهر الوقائع التي حدثت بين الصدر الأول من المسلمين وبين الفرس. وكان قائد المسلمين فيها سعد ابن أبي وقاص المشهور. وكان قائد الفرس رستم المعروف ببسالته وعلمه بأساليب الكر والفر.
بدأ سعد منازلة خصمه بدعوته للإسلام فأرسل إليه ثلاثة من ذوي الرأي يدعونه وقومه إلى الحق. فقالوا له: إن أميرنا يدعوك إلى ما هو خير لنا ولك، والعافية أن تقبل ما دعاك إليه ونرجع إلى أرضنا وترجع إلى أرضك، وداركم لكم وأمركم فيكم، وما أطعتم كان زيادة لكم دوننا وكنا عوناً لكم على احد إن أرادكم. فاتق اللّه ولا يكون هلاك قومك على يدك وليس بيننا وبين أن نغبط بهذا الأمر إلا أن ندخل فيه.
فأبى رستم أن يصغي إلى هذه النصيحة فأمر سعد بمناوأة القوم القتال وكان به مرض عرق النسا إذ ذاك فلم يستطع الركوب فبقي على سطح القصر مكباً على وجهه في صدره وسادة يشرف على الناس والصف في أصل حائطه فعابه بعض جنوده وقال شعرا:
نقاتل حتى أنزل اللّه نصره وسعد بباب القادسية معصمفأبنا وقد آمت نساء كثيرة ونسوة سعد ليس فيهن أيمفبلغت أبياته سعداً فقال: اللهم إن كان هذا كاذباً وقال الذي قال رياء وسمعة فاقطع عني لسانه ثم أنه نزل إلى الناس وأراهم ما به من القروح فعذروه. واستخلف خالد ابن عرفطة ودعا بناس من ذوي الرأي منهم المغيرة بن شعبة وطليحة الأسدي وعمرو بن معديكرب وأمثالهم وأمرهم بتحريض الناس على القتال وأمر سعد الناس بقراءة سورة الأنفال. فلما قرئت هشت قلوب الناس وعيونهم ونزلت عليهم السكينة عند قراءتها. ثم قال سعد:
ألزموا مواقفكم حتى تصلوا الظهر فإذا صليتم فإني مكبر تكبيرة فكبروا واستعدوا فإذا سمعتم الثانية فكبروا والبسوا عدتكم ثم إذا كبرت الثالثة فكبروا ولينشط فرسانكم الناس فإذا كبرت الرابعة فازحفوا جميعاً حتى تخالطوا عدوكم.
فلما كبر الثالثة خرج أهل النجدات فأنشبوا القتال ودارت رحى الحرب. فقصدت الفرس بعض جهات الجيش بسبعة عشر فيلاً فنفرت خيولها وكادت تهلك فرسانها وكانت في تلك الجهة بنو بجيلة. فأرسل سعد إلى بني أسد وعليهم طليحة أن ادفعوا عن بجيلة فخرج طليحة بن خويلد في كتائب فباشروا الفيلة وقام الأشعث بن قيس في بني كندة فحرضهم على القتال فلما رأى الفرس ما يكفي الناس والفيلة من بني أسد رموهم بجدهم وحملوا عليهم وفيهم ذو الحاجب والجالينوس والمسلمون ينتظرون التكبيرة الرابعة من سعد واجتمعت جلبة فارس على أسد فثبتوا لهم. وكبر سعد الرابعة وزحف إليهم المسلمون ورحى الحرب تدور على أسد. وحملت الفيلة على الميمنة والميسرة فكانت الخيول تحيد عنها.
فأرسل سعد إلى عاصم بن عمرو التميمي أن يكفيه وقومه شر الفيلة. فتقدم عاصم بجماعة من شجعان قومه ورماتهم فقطعوا وضن الفيلة فعوت وفرت برجالها ونفس عن أسد فردوا جنود الفرس عنهم إلى مواقعهم واقتتلوا حتى غربت الشمس ثم حتى ذهبت هدأة من الليل. ثم رجع الفريقان وقد أبلى بنو أسد بلاء في ذلك اليوم وهو يوم أرماث.
فلما أصبح القوم وهو يوم أغواث وكل سعد بالقتلى والجرحى من ينقلهم فبينما هم يدفنون القتلى إذ طلعت نواصي الخيل من جهة الشام ومعها القعقاع بن عمرو الذي قال فيه أمير المؤمنين أبو بكر: لا يهزم جيش فيهم مثل هذا. وكانت هذه الطليعة جيش أرسله عمر لنجدة سعد من العراق تحت قيادة هاشم بن عتبة بن أبي وقاص ابن أخي سعد ويعرف بالمرقال وكان القعقاع هذا على مقدمته وكانت تلك المقدمة ألفاً فأمرهم القعقاع أن يتقطعوا أعشاراً كلما بلغ عشرة مدى البصر سرحوا عشرة أخرى.
فخرج القعقاع إلى الميدان ونادى هل من مبارز فبرز إليه ذو الحاجب من كبار قادة الفرس فقتله القعقاع ثم خرج البنذوان والفرزان فانضم إلى القعقاع الحارث بن طيبان فقتل كل منهما واحداً وما زال الناس يتبارزون إلى الظهر ثم تزاحف الفريقان واقتتلوا حتى انتصف الليل.
فلما أصبحوا وهو اليوم الثالث المسمى بيوم عماس فكان من مكايد القعقاع أن بات تلك الليلة يسرب أصحابه إلى المكان الذي فارقهم فيه وقال لهم إذا طلعت الشمس فأقبلوا مئة مئة. فإن أقبل هاشم بن عتبة القائد العام للنجدة فذاك وإلا جددتم للناس رجاء وجداً. وأصبحوا على مواقعهم فلما طلعت الشمس أقبل أصحاب القعقاع فحين رآهم كبر وكبر المسلمون وتقدموا وتكتبت الكتائب فجاء أصحاب القعقاع حين انتهى إليهم هاشم بن عتبة فأخبرهم بما صنع القعقاع فجعل أصحابه سبعين سبعين وكان فيهم قيس بن هبيرة بن عبد يغوث المعروف بقيس بن مكشوح فانتدب مع هاشم حتى إذا خالط الناس كبر وكبر المسلمون ثم حمل على المشركين حتى خرج صفهم إلى العتيق وكان الفرس باتوا يعملون توابيتهم ويعدون فيلتهم وأقبلت الرجالة تحميها حتى لا يقطع المسلمون وضنها فلم تنفر الخيل منهم لأنها استأنست بالرجال المطيفين بها وكان هذا اليوم شديداً على العرب والفرس وقاتل فيه القعقاع وعمرو بن معدي كرب وهاشم بن عتبة وقيس بن مكشوح وعاصم بن عمرو وأضرابهم قتالاً شديداً وانتدب عمرو والقعقاع للفيلة فشرداها وما زال القتال حامياً حتى أمسوا واشتد القتال ليلاً وكانت ليلة الهرير، وكان الفرس لا يريدون غير الزحف فقد مرا صفوفهم وزاحفهم الناس بغير إذن سعد، وكان أول من زاحفهم القعقاع فقال سعد: اللهم اغفرها له وانصره فقد أذنت له وإن لم يستأذني. ثم أن سعداً واعد المسلمين ثلاث تكبيرات ليزحفوا جميعهم فلما كبر الأولى تقدمت أسد، ثم حملت النخع ثم بجيلة ثم زحف الرؤساء ورحى الحرب تدور على القعقاع وتقدم حنظلة بن الربيع وأمراء الأعشار وغيرهم. ولما كبر سعد الثالثة تلاحق الناس بعضهم ببعض وخالطوا جنود الفرس واستقبلوا الليل بعدما وصلوا العشاء وكان صليل الحديد فيها كصوت القيون (أي الحدادين) وداموا يقاتلون إلى الصباح وبات سعد بليلة لم يبت مثلها ورأى العرب والعجم أمراً لم يروا مثله قط فما ظهر الصبح إلا والمسلمون هم الأعلون. وكان أول شيء سمعه نصف الليل صوت القعقاع بن عمرو وهو يقول:
نحن قبلنا معشرا أو زائداأربعة وخمسة وواحداتحسب فوق اللبد الأساوداحتى إذا ماتوا دعوت جاهدااللّه ربي واحتزرت عامداوأصبح الناس وهم حسرى لم يغمضوا أجفانهم فسار القعقاع في الناس فقال: إن الدائرة بعد ساعة لمن بدأ القوم فاصبروا ساعة واعملوا فإن النصر مع الصبر فاجتمع إليه جماعة من الرؤساء صمدوا لرستم حين خالطوا الذين دونه فلما رأت ذلك القبائل قام فيهم رؤساؤهم وقالوا لا يكونن هؤلاء جدا في أمر اللّه منكم ولا هؤلاء (يعنون الفرس) أجرأ على الموت منكم فحملوا فيما يليهم واقتتلوا حتى قام قائم الظهيرة فكان أول ما زال الفيرزان والهرمزان فتأخرا وثبت حتى انتهيا وانفرج القلب وركب عليهم النقع وهبت ريح عاصف فقلعت خيمة رستم فهوت في العتيق وانتهى القعقاع ومن معه إلى السرير وقد قام عنه رستم وجاء هلال بن علقمة فضرب رستم فقتله ونادى إني قتلت رستم فأطاف به الناس وانهزم قلب الفرس فقام الجالينوس بالقيادة ونادى الفرس إلى العبور وأما المقرنون في السلاسل فتهافتوا كلهم في العتيق وأخذ ضرار بن الخطاب (دوفشن كابيان) وهو العلم الأكبر الذي كان للفرس فعوض عنه ثلاثين ألفاً وأعطى سعد سلب رستم لقاتله هلال.
كانت وقائع القادسية هذه من أعظم الوقائع الإسلامية قتل فيها من المسلمين نحو سبعة آلاف وخمس مئة وقد بالغ المؤرخون في عدد من قتل من الفرس. وانتهت هذه الوقائع بكسر شرة الفرس وتشتت جيوشهم. مع أن الفرس كانوا يهزؤون بجيش سعد لقلته ويشبهون سهامه بالغازل. روى أبو رجاء الفارسي عن أبيه عن جده قال: حضرت وقعة القادسية فلما رمتنا العرب بالنبل جعلنا نقول (دوك دوك) نعني مغازل فما زالت بنا تلك المغازل حتى أزالت أمرنا.
غنم المسلمون في هذه الوقعة من الفرس شيئاً لا يحصى ولم يغنموا من قبل مثله. وقد بلغ ذعر الفرس من المسلمين في هذه الوقعة ما لم يبلغه في وقعة سواها حتى لقد رؤى شخص من النخع يسوق ثمانين أسيراً من الفرس، واستأمن فريق من جنود الفرس وطلبوا أن يضموا إلى الجيش الإسلامي ليقاتلوا معه. وكان مع رستم أربعة آلاف يسمون جند شهانشاه فاستأمنوا على أن ينزلوا حيث أحبوا ويحالفوا من أحبوا ويفرض لهم في العطاء فأعطوا الذي سألوه وحالفوا زهرة بن حرية السعدي التميمي فأنزلهم سعد حيث اختاروا وفرض لهم ألف ألف درهم (أي مليون).
بعد وقعة القادسية لم يجد المسلمون من الفرس مقاومة تذكر فإن سعدا بعد الفتح بنحو شهرين كاتب عمر أمير المؤمنين فيما يفعل فكتب إليه يأمره بالسير إلى المدائن فسار إليها وفتحها وقوض دولة الفرس تقويضاً.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

معركة مارتيزا

معركة مارتيزا تولى السلطان مراد الأول السلطة في الدولة العثمانية سنة 761 هـ وعمره ستة ...