نقولا أبو هنا المخلصي

نقولا أبو هنا المخلصي
(1888م ـ م)
مولده وأصله:
نقولا بن ميخائيل اندراوس أبو هنا، ووالدته كاترين الحداد ولد في 18 شباط سنة 1888م في قرية أم الشوف في لبنان تدعى بطحة شرقي دير القمر على مسافة خمسة عشر كيلومتراً منها وموقعها فوق المختارة مستوطن الجنبلاطيين، وتنتمي أسرة (أبو هنا) الكبرى إلى أصل يسمى (ربع مدّ)، وقد ورد في نسخة مخطوطة من تاريخ الأمير حيدر شهاب يقول فيها ما مفاده: ان أسرة (ربع مدّ) أصلها من آل الجناوي في دمشق، وقبل اربعمائة سنة خرج ثلاثة أخوة من آل الجناوي بتجارة أرز من دمشق إلى بلاد العرب فوصلوا إلى مجمع البحرين حيث المغاص على اللؤلؤ. وكان الأعراب قد غاصوا هناك والتقطوا كميات وافرة من دقاق اللؤلؤ المسمى بالجمان، فأخذ أولئك الاعراب يبادلون الاخوة التجار كل ربع مد لؤلؤ بربع مدّ أرز، ولما عاد التجار المذكورون إلى دمشق اقتسموا اللؤلؤ بينهم بربع المد، فسمَّاهم الناس لذلك بيت ربع مدّ، ثم نزح اولئك الاخوة عن دمشق فسكن أحدهما الشوف والآخر الساحل فوق صيدا والثالث سكن الفرزل، ويظهر أنه كان كبير الرأس فسموه «أبو مخ» ولا تزال سلائله منبثة في الفرزل وزحلة ونواحي بعلبك وفي معلولا ويعرفون بآل «أبي مخ» وبقي أخواه على لقب ربع مد، وسلائلهما منبثة في الشوف وكثير من القرى المجاورة لصيدا وكثير من القرى اللبنانية وفي عكار ولكنهم في الاعم الأغلب تركوا لقبهم الاصلي فبعضهم لقب بالحداد وغيرهم بغير ذلك حسب عوارض الزمان والمهن كما لُقب الجد الرابع للمترجم بأبي هنا.
دراسته:
تلقى المترجم دراسته الاولية في مدرسة القرية وهي القراءة البسيطة ومبادىء الحساب، وفي العاشرة من عمره وضعه شقيقه الاكبر وكان يقطن بيروت في مدرسة الفرير الخارجية برأس بيروت حيث مكث فيها سنتين درس فيها مبادىء اللغتين العربية والفرنسية.
في دير المخلص:
دخل مدرسة دير المخلص سنة 1903م وأتم دراسته فيها سنة 1909م ومال أيام التخرج إلى اللغة العربية، فلما أنهى دراسته وسيم كاهناً وضعته السلطة الروحية استاذاً للغة العربية في مدرسة الرهبانية حيث بقي يدرس اللغة صرفها ونحوها وآدابها العالية مدة (19) سنة متتابعة.
ثم طلب للتدريس في الكلية البطريركية في بيروت، فألقى فيها دروس البيان العربي والخطابة سنتين، وفي سنة 1930م طلب للتدريس في اكليركية القديسة حنا المعروفة (بالصلاحية) في اورشليم، فمكث يدرّس فيها البيان والخطابة مدة خمس سنوات، ثم تقلب في خدمة الشعب كاهناً بين عكا والقاهرة، وبعد ذلك عاد إلى دير المخلص وعلم في مدرسة الرهبانية وفي سنة 1939م دعي لخدمة الشعب في مسغيرة من قرى البقاع، ثم عاد بعد خمس سنوات إلى دير المخلص ولزم المطالعة والتأليف.
مؤلفاته:
عرّب عن الفرنسية وهو في عهد التخرج رواية تنصر مكورفيس أول ملوك فرنسا، وقصيدة تتألف من نحو (330) بيتاً في وصف الحرب الكونية الاولى، وهي من أوزان مختلفة.
ألف رواية عربية عنوانها (العفو عند المقدرة) وهي ذات أربعة فصول تمثل ما جرى بين الخليفة العباسي المأمون وعمه ابراهيم ابن المهدي.
وعرب عن الفرنسية رواية (البرج الشمالي) وأمثال الشاعر الفرنسي لافونتين عربها نظماً فيما لا يقل عن عشرة آلاف بيت، وعلق عليها حواشي ذات فوائد جمة لمن يطالعها، وقد طبع المترجم منها نصفها الاول وكان مزمعاً على طبع القسم الثاني فعاجلته المنية.
ألف كتاباً في البيان العربي، تابع فيه اهل البيان الفرنسي في درس الحواشي الباطنة والظاهرة والقوى العاقلة والذاكرة والذوق مما يتمثل دوره في البيان والأدب.
أما البيان الذي كتبه ادباء العرب قديماً وتناقله عنهم المتحدثون فلم يرق للمترجم العلامة، لأنه مقصور على درس التراكيب اللفظية من مسند ومسند إليه، وفصل ووصل وأشباه ذلك، إلا مسائل الاستعادة والتشبيه والمجاز، فهذه لها شأنها المهم، وقد توسع في درسها وتحقيقها ومثَّل على كل بحث بياني بأمثال أخذها عن العرب والفرنجة وعن هوميروس الشاعر اليوناني العظيم، وقصد المترجم من كل ذلك أن يكون لمطالع البيان مندوحة واسعة يحصل منها بسهولة مواقع الكلام ويميز بين مستحسناته ومستهجناته وسمينه وغثه.
وضع درساً انتقادياً على نسختين من ديوان الشاعر العربي أبي تمام، النسخة الاولى طبعها الشيخ محي الدين الخياط البيروتي مفسرة المفردات بقلمه، وقد وقع له في تفاسيرها أخطاء لغوية أوضح صوابها والنسخة الثانية للدكتور ملحم ابراهيم الاسود، وهي مشروحة شرحاً مطولاً، لكن بين معنى الشاعر وشرح الشارح مدى واسعاً والاغلاط المعنوية كثيرة مستفيضة حتى ليندر ان يجد القارىء صلة بين كلام الشاعر وكلام الشارح، وانتقد المترجم كلتا النسختين في رسالة مسهبة عنوانها (فوضى الأقلام).
وجادت قريحته بمحاضرتين ألقاهما في القصيدة العصماء التي نظمها المرحوم خليل المطران وعنوانها (نيرون) بيَّن في المحاضرة الاولى محاسن هذه القصيدة بالتفصيل، وفي المحاضرة الثانية أوضح فيها ما اعتورها من الاغلاط اللفظية والبيانية، وقد اطلع الشاعر خليل المطران عليها، فكان معجباً بانتقاد المترجم لقصيدته، وقد طبع القصيدة ولائحة الاغلاط في كراس واحد.
ولديه مجموعة كبيرة من كتاباته الخاصة ومثلها مجموعة من معرّباته لقطع أدبية واخلاقية عن أشهر الكتبة الفرنسيين.
ألف رواية ذات فصل واحد عنوانها (الأمير بشير الشهابي) بين نابوليون بونابرت والجزار وهي مخطوطة، وعرب عن الفرنسية رواية دينية عنوانها (دعوة الرسول متى) تقع في خمسمائة بيت شعر. وألف سنة 1911م رواية بناء الدير المسمى دير المخلص وهي مخطوطة، وعرب عن الفرنسية كتاباً ضخماً للكردينال (جيبونس الأميركاني) عنوانه (إيمان ابنائنا) وهو كتاب جدلي في القضايا المختلف عليها بين الكاثوليك والبروتستانت ولا يزال مخطوطاً.
ونشر مقالات لغوية وبيانية واخلاقية كثيرة في بعض المجلات والجرائد.
رحلاته:
قام في سنة 1938م برحلة إلى وايطاليا استغرقت اربعة اشهر قضاها بالبحث والاستقصاء في النواحي الأدبية، وشاهد المتحف والمكتبة الوطنية وفيها كنوز من الكتب العربية ما لا يعلم له اسم عندنا، وكلها من المخطوطات النادرة، وشاهد بينها مخطوطين احدهما لمقامات الحريري، والثانية لكليلة ودمنة، وكلتاهما من المخطوطات الفنية البالغة الاتقان في خطها وصورها وتذهيبها من الداخل والخارج.
شعره:
ومن تراثه الأدبي ديوان يحتوي على مجموعة شعرية لا تقل ابياتها عن عشرة آلاف بيت، وهذه قصيدة من شعره وصف بها قلعة عربية قديمة على مقربة من دير المخلص إلى الجنوب فوق النهر وهي من بناء الصليبيين قال:
خرائب تنطق في صمتها
بما يعجز البلغا من عِبَر
تقول انظروا عبرة الدهر فيّ
عسى يستفيد الصحيح والنظر
لقد كنت عالية الرأس قدماً
ولي منعة الطود دون الخطر
يلوذ من الخطب بي معشر
فأدرأ عنهم عواديَ البشر
تسيل دماء العداة امامي
كما سال نهر لديّ هدر
إلى أن أغارت علي الخطوب
فلم أر من صد عني الغير
لقد تركوني أُغالب دهري
وما غولب الدهر إلا قهر
وهذي رسومي علي شهود
بذل حديث وعز غبر
لقد صرت مثل كتاب قديم
أرث البلى صحفه ونثر
ومحى رسوماً به وجروفاً
فصارت دوارس تعيي الفكر
فيا زائري استفيدوا إذا ما
وقفتم عليَّ وغُضوا البصر
فإني صورة دنياكم
فباطلها في هوائي ظهر
لقد كان مَن شيدوني رجالاً
أشداء بأس فصاروا خبر
ألحت عليهم ليالي الفناء
وأيامه فتولوا زُمر
وقد جرفتهم سيول الخطوب
إلى لجَّ موت لهم قد غمر
ونهري رمز لتلك السيول
وفي البحر من بعد رمزُ الحُفَرْ
كذلك عقبى الخلائق طراً
وكل على أرضنا في سفر
فيمضي الذين بنوا أوَّلاً
وما قد بنوا تابعٌ للأثر
وفاته:
أُصيب المترجم بمرض القلب قبل وفاته ببضعة أشهر، وبالرغم من أنه ملقى على مهد الضنى تنتابه الآلام والنوبات الشديدة والاطباء مشدودن عليه المنع عن شغل الخاطر والجسم، فإنه كان يجالد ويعمل في الحقل الأدبي وآخر كتاب أنجز طبعه عنوانه (التعليم فن ولذة).
واشتدت عليه العلة فطواه الردى يوم الاحد في الحادي عشر من شهر آذار سنة 1956م ووري لحده في مدافن دير المخلص، وهكذا خسر ميدان الأدب شاعراً أديباً وناثراً خطيباً ومؤلفاً عبقرياً خلف للمكتبة العربية تراثاً أدبياً سيخلده على كر الدهور.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

محمد مهدي علام

محمد مهدي علام (1318 ـ 1412هـ/1900 ـ 1992م) الكاتب الموسوعي، اللغوي. الذي يصدر كتبه باسم ...