أبو الخير الجندي الحمصي

أبو الخير الجندي الحمصي
(1867م ـ 1939م)
أصله ونشأته:
هو السيد أبو الخير بن محمد الجندي العباسي، ولد في حمص سنة 1867 ميلادية ونشأ في حجر والده جامعاً لطارف مجده وتالده، أخذ عن علماء زمانه وكان بكر أبيه فاعتنى بتربيته وتثقيفه، ولما شب انتسب إلى خدمة الدولة فتدرج في الوظائف العدلية والمالية والإدارية، وأقام مدة طويلة في دمشق تبسم ثغر إقباله فيها.
نفي المترجم إلى الأناضول:
وفي خلال الحرب العالمية الأولى. صدرت أوامر جمال باشا بنفي القافلة الأولى وهي تضم نخبة من العوائل العريقة في مجدها ونفوذها فسيقت في القطار الحديدي إلى الأناضول دون أن تعطى المهلة الكافية لتصفية علاقاتها. وكان المترجم وبعض إخوته وأبناء عمه ضمن القافلة الأولى وأقام في مدينتي اسكي شهر وسيوري حصار مدة سنتين ونصف كان خلالها موضع اعجاب كبار الشخصيات التركية بعلمه وفنونه.
تعيينه متصرفاً لحوران:
وبتاريخ 25 مارس سنة 1920 عين متصرفاً لحوران، وفي عهده وقعت مذبحة خربة الغزالة المروعة وبالنظر لاهمية هذه الحادثة التاريخية البارزة وعلاقتها بوضع المترجم فإني رأيت الإشارة إليها بلمحة موجزة.
حادثة خربة الغزالة:
عقب الاحتلال الفرنسي لسوريا أرسلت السلطة المنتدبة قوة مؤلفة من عشرين جندياً من السنغال إلى حوران فمانع الحوارنة مجيء هذه القوة وهاجوا واجبروها على العودة في القطار، فاهتم الافرنسيون لهذا التحدي الذي يحول دون توطيد كيانهم الإنتادبي في تلك المنطقة، ورأى المرحوم علاء الدين بك الدروبي رئيس مجلس الوزراء في ذلك العهد أن يقوم بزيارة حوران لتهدئة الخواطر ورافقه في هذه الرحلة المشئومة المرحوم عبد الرحمن باشا اليوسف رئيس مجلس الشورى لوجاهته ونفوذه على الحوارنة بالنسبة لصلات المودة بينه وبين المرحوم فارس بك الزعبي أحد زعماء الحوارنة والمرحوم عطا الأيوبي وزير الداخلية والمرحوم الشيخ عبد الجليل الدره والمرحوم الشيخ عبد القادر الخطيب وأحمد بك الخاني مرافق رئيس الدولة والمرحوم منير بدرخان، ولما اتصل خبر هذه الزيارة بالفقيد المترجم له أبرق إلى وزير الداخلية يعلمه بأن الشعب الحوراني في هياج وإن الوضع الراهن يستوجب تأجيل الزيارة ريثما تهدأ الحالة، ولما علم بإصرار الحكومة على المجيء عززها ببرقية ثانية أبان فيها خطورة الحالة والعدول عن الزيارة موقتاً. فالبرقية الأولى وصلت إلى وزير الداخلية والثانية لامر ما… تأخر تسليمها دقائق معدودات كان خلالها رجال الحكومة المشار إليهم قد ركبوا القطار بطريقهم إلى درعا ولم يدروا ما يضمر لهم الدهر الغادر من مفاجئات رهيبة.
أما الحوارنة في درعا فقد ثاروا على الحكومة وامتطى فرسانهم الخيول وصاروا يطلقون النار إرهاباً فهرب الموظفون وبقي المترجم يجابه الموقف ولكن الهياج بلغ منتهاه، وأرجف دعاة السوء بأن رجال الحكومة سيوزعون الأموال على زعماء العشائر، وانتشرت هذه الفكرة بين العوام فبت الرأي بوجوب قطع الطريق على رجال الحكومة في محطة خربة الغزالة ونهب الأموال قبل أن يستأثر الزعماء بالنصيب الأوفر منها، مع أن مهمة وفد الحكومة هي تهدئة الخواطر وإزالة التوتر دون أن يكون هناك أي مبلغ من المال أو فكرة لتوزيع شيء منه، وشاءت إرادة الله أن تقع الكارثة، فلما وصل القطار الذي يقل رجال الحكومة هاجمه الحوارنة، فكان أول من مزق جسمه رصاص الهائجين هو المرحوم علاء الدين بك الدروبي رئيس مجلس الوزراء وعبد الرحمن باشا اليوسف رئيس مجلس الشورى، ولما رأى تجار محطة خربة الغزالة هذا المصير المؤلم اندفعوا بسائق العاطفة والعصبية وهم من حي الميدان بدمشق واحتاطوا بالمرحوم عطا بك الأيوبي ورفاقه واخفوهم في بيوتهم وقد فتش الثائرون على صناديق الذهب في عربات القطار فلم يجدوا إلا الخيبة والندم لما فرط منهم.
ولما أظلم الليل كان عطا بك الأيوبي ورفاقه بطريقهم إلى نهر الشريعة ـ حيفا فعادوا عن طريق البحر إلى بيروت فدمشق، ثم اتخذت الحكومة الإجراءات المقتضية فجمعت من الحوارنة قيم النهوبات ووزعته على الأشخاص المنكوبين وعوضت بمبلغ عشرة آلاف ليرة ذهبية لكل من ورثة المرحومين المقتولين وأعدم في المرج الأخضر بدمشق أربعة من الحوارنة وهم الذين أدانهم التحقيق ظلماً وعدواناً بدافع من الزعماء، ونجي من القصاص المحرض والمسبب الأول لهذه المذبحة المروعة وهو أحد زعماء الحوارنة وقد لقي وجه ربه، لأن مصلحة الافرنسيين قضت بالاستفادة من زعامته المزيفة بتثبيت أقدامهم في تلك المنطقة فمشي في ركابهم طيلة حياته دون النظر إلى ما تقتضيه مصلحة الوطن.
مسؤولية المتصرف:
وبالطبع فإن كل ما يقتضي على الحكومة عمله في مثل هذه الأحوال هي اقالة المتصرف، فأبلغ المترجم له بتاريخ 6 شباط 1921 قرار عزله بداعي أنه لم يقم باتخاذ التدابير الواجبة للحيلولة دون وقوع ما حدث وتناست برقياته وهي تشير إلى خطورة الحالة وأرجاء الزيارة لوقت ملائم.
وفي سني 1923 ـ 1924 ـ 1925 مثل حمص في المجلس التمثيلي.
متصرفية الفرات:
وبتاريخ 17 تموز 1929 عين متصرفاً لدير الزور وكانت محافظة الجزيرة منضمة إليها في ذلك الوقت وبقي فيها حتى احيل إلى التقاعد بتاريخ 21 آذار 1931 وما زال أهل الفرات يذكرون عهده بالخير والثناء.
صفاته:
لقد استأثرت بمواهب الفقيد الهمم الباذخة، فكان حسن الإدارة في الوظائف التي تقلدها ولم تبدر عنه أية هفوة تشينه، كان رحمه الله مهيب الطلعة جليل القدر، جبله الله على الخير والتقى والورع، ينظر إلى حاضره في يومه دون أن يحتاط للمستقبل، صافي السريرة كثير التواضع، لا يحب الشهرة والظهور، يهوى مجالسة الشعراء والعلماء والفضلاء.
كان رحمه الله حاتمي المشرب ورث الكرم عن أبيه.
مؤلفاته:
أديب هو في وجه الزمان غرة، برع بنظم حسن المعاني في اللغات العربية والتركية والفارسية وله مؤلفات في العقائد والأخلاق والأدب والتاريخ، وقد ترجم ونشر القدوري في الفقه، وألف وهو في المدينة المنورة تاريخ العترة النبوية وألف في منفى الأناضول تاريخ العباسيين علق فيه على المغالطات الموجودة في كتب التاريخ التركية، درس البيان والبديع والمنطق على الشاعر المرحوم (الهلالي الحموي) عندما كان موظفاً في حماه سنة (1295) هجرية، وتأثر بروحه وأسلوبه فكان شعره ونثره بحراً خضماً على بحر زاخر، ومن نظمه قصيدة نقتطف منها بعض قوله:
فتكت بعادل قدها المشهور
ورنت بفاتر لحظها المشهور
حوراء لما ان أراشت جفنها
كم من قتيل ضاع أثر أسير
ناديت لما أن شهرت بحبها
يا خير أيامي بها وشهوري
فنه:
كان الفقيد رحمه الله يهوى الفن الموسيقي والأصوات الجميلة، مرهف الحس والشعور، فإذا سمع ما يطربه سالت عبراته دون أن يخرج عن وقاره، تفنن في نظم الموشحات البديعة وتأثرت ألحانه بالأنغام التركية لطول إقامته في استانبول مهد الفن والطرب، فجاءت آية في بديع نظمها وروعة ألحانها، لازم الفنان العبقري المرحوم القباني خلال مدة إقامته في حمص وارتشف من فنه، وكفاه اعتزازاً ومجداً فنياً أن الموشح الخالد: وهو «دار من تهواه دار» هو من نظمه وتلحينه ونغمته (شورك) ولم يسبقه أي فنان قبله ولا بعده لتلحين مثله على هذه النغمة الفاتنة، وهذه بعض أدواره:
دار من تهواه دار
ان تكن بالحب دار
عاذلي دعني وشأني
هائماً في كل دار
اطلعت شمس المحيا
في الدجا شبه الثريا
فاسقني صافي المحيا
من لماذات الخمار
وهذا موشح من نغمة الحجاز:
حلت ليلة القدر
مذ بانت اخت البدر
خلف ستر
وحد خلاقاً صور
مجلاها الباهي الأنور
والمحيا
جل من فيه اظهر
شامات تحكي العنبر
أعطريا
معه يا عذولي عذراً
في حبي خود عذرا
مريميا
لو زارت يوماً كسرى
اضحى في الهوى قسر
قيصريا
وهذا وشح من نعمة الكردان:
صبا قلبي لليلى ولم تعرف
غرام هد حيلا إلا تنصف
فكم شقت مرائر ولم تسعف
اصارتني قتيلا غدا الموقف
سلوا منها عن الدم خضاب الكف
ودمعي سال عندم ولا أوكف
فما حبي بجائر لما استنكف
وحسبي فيه أعدم أما ينكف
وله موشحاته كثيرة منتشرة في الأقطار العربية ومحفوظة من قبل أهل الفن.
وفاته:
مرض الفقيد على أثر اصابته بنزلة صدرية حادة لم تمهله اكثر من يومين وفي يوم الخميس التاسع من شهر كانون الأول 1939 لبى نداء ربه وهو على هيئة تشعر بحسن الختام وشيعت جنازته بموكب عظيم ودفن بمقبرة عائلته بجوار الصحابي الجليل خالد بن الوليد رضي الله عنه، وقد رثاه ابن عمه الشاعر المجيد السيد محي الدين الجندي بقصيدة مؤثرة منها قوله:
عجيب من الدنيا الوثوق بعهدها
وكأس الردى ما من مذاقته بد
ومنها: هو السيد الجندي والعلم الذي
أرانا جحيم الحزن من بعده البعد
أبا الخير من طابت مآثره له
مآثر لا يقوى على حصرها عد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

زيد بن علي

زيد بن علي (79 ـ 122هـ ـ 697 ـ 750م) زيد بن علي بن الحسين ...