أمين الجندي

أمين الجندي
(1229هـ ـ 1295هـ) (1813م ـ 1879م)
أصله ـ.
هو أمين بن محمد بن عبد الوهاب بن إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد الجندي العباسي ولد في المعرة سنة 1229 هجرية و1813 ميلادية ويتصل نسبه بالمرحوم الشاعر الشيخ أمين الجندي الحمصي بالجد الأكبر محمد الجندي.
نشأته ـ.
كان والده مفتياً في معرة النعمان فنشأ بكنفه فأحسن تهذيبه وتربيته وتثقيفه وعلمه، تلقى شتى العلوم فكان آية في النبوغ وظهرت مواهبه وتفوق على أقرانه وهو فتى ودل على أن الكفاءآت الشخصية تفوق الكفاءآت المكتسبة، ثم سافر إلى حلب وأخذ العلم عن أجل علمائها منهم مفتي حلب الشيخ عبد الرحمن المدرس وأخذ الحديث عن الشيخ محمود المرعشي فكان حجة في العلوم العقلية والنقلية.
سفره إلى حمص ـ.
وفي سنة 1240 هجرية اقتضت لوالده مصالح خاصة فسافر معه إلى حمص وأقام فيها إلى سنة 1248 هجرية وأقبل على طلب العلم واستفاد بعد إعداده العلمي الرصين من الأدباء المعاصرين له، ثم عاد مع أبيه إلى معرة النعمان. وفي سنة 1253 هجرية تقلد فيها منصب القضاء.
مواقف الحسَّاد ـ.
وقد شق على الحسًّاد أن يروا المترجم له في منصب القضاء فبدأت حركات الدس والافتراء تظهر للوجود، على أن أميناً لم يهن ولم يتزعزع، فكان اسمه يلقي الرعب في قلوب أخصامه وحساده.
وفي عام 1260 هجرية حضر مع والده إلى الشام بطلب من واليها لأمر سياسي اقتضى ذلك وتبلغا في عام 1262م الفرمان السلطاني بإقامتهما الإجبارية في الشام، فكان المترجم له ووالده محط أنظار العلماء والأدباء والشعراء وموضع احترامهم وإجلالهم.
وقد مضت بالفقيد الحياة في عبوس فكان يطأ العراقيل بقدمه ويتخطاها كأنها طريق معبد انتشرت فيه الورود والرياحين.
العودة إلى معرة النعمان ـ.
وقد توسط محمد نامق باشا مشير الجيش الخامس بأمرهما فصدر العفو عنهما فعاد ووالده إلى معرة النعمان فدخلاها في غرة شهر ربيع الأول سنة 1263 هجرية واستقبلا كالفاتحين بعد غياب دام زهاء ثلاث سنوات. وتوجه على أبيه منصب الإفتاء وعليه منصب القضاء.
توليه الإفتاء في المعرة ـ.
وفي يوم الاثنين الرابع عشر من شهر شوال سنة 1264 هجرية توجه إليه منصب الإفتاء وبقي فيه إلى سنة 1266 هجرية فكان فيه حر التفكير لا يربطه ولا يقيده إلى منطقه الخاص فلا سلطان للقلب ولا للعاطفة عليه.
نقله إلى دمشق ـ.
وبزغت شموس مواهبه ومجده فاشتهر أمره وذاع صيته فاستدعاه إلى دمشق محمد أمين باشا مشير الجيش الخامس وأعجب بعلمه وشعره ونثره وتضلعه باللغات التركية والفارسية والعربية، وقربه وأعزه وجعله أمين سره في الجيش وبقي في هذه الوظيفة في عهود المشيرين المتتابعين، ثم التحق بالجيش الارزنجاني وأقام هناك مدة أربعة أشهر.
وفي عام 1274 هجرية توجه بالإذن إلى إستانبول فأقام فيها مدة خمسة أشهر تعرف خلالها على فضلائها وعاد بعدها إلى دمشق، وفي عام 1276 هجرية سافر مرة أخرى إلى إستانبول وأقام فيها مدة أربعة أشهر ثم عاد إلى الشام لامانة السر في الجيش العربي.
توليه الإفتاء بدمشق ـ.
وعلى إثر وقوع حادثة النصارى في لبنان وامتداد شرارتها إلى الشام حضر فؤاد باشا وزير الخارجية وزيراً مفوضاً فوق العادة للتحقيق وإصلاح ما وقع وأخذ المترجم له مستشاراً له وتجلت له عبقريته ومواهبه العلمية فانتخبه إلى إفتاء الشام وورد المنشور العالي في شهر جمادى الأولى سنة 1277 هجرية.
تعيينه في مجلس شورى الدولة ـ.
ثم تولى ولاية الشام محمد راشد باشا الشرواني سنة 1279 هـ 1860 ميلادية وكانت بينهما مودة سابقة وصحبة أكيدة وكانا منتسبين إلى علي فؤاد باشا الصغير، فلم تمض أيام قلائل حتى تضافرت جهود الحاسدين على محاربته فكتب الوالي الشرواني إلى دار الخلافة بلزوم عزل أمين الجندي من منصب الافتاء وإسدائه إلى المرحوم الشيخ محمود حمزة بدون سبب، فأقام في بيته ثم دعا الوالي أدباء دمشق وشعرائها وفضلائها إلى محفل عظيم ومنهم أمين الجندي ولم يتخلف عن قبول الدعوة بالرغم مما بينهما من اغبرار تفادياً من تأويل الحاسدين وشماتتهم، ولما اكتمل عقد الحضور أخرج الباشا ورقة حاوية على بيت من الشعر وهو:
إن الأفاعي وإن لانت ملامسهاعند التقلب في أنيابها العطبوطلب من الشعراء الحاضرين تخميسه وكان قصده ظاهراً أن يقف على بداهة الشعراء منهم وباطناً التبكيت على أمين الجندي خاصة. فأخذ الشعراء يتبارون في ذلك، وأظهر كل واحد منهم ما جادت به قريحته الشعرية، وأما أمين الجندي فإنه امتنع عن تخميسه واعتذر بقلة البضاعة واشتغال البال، فلم يقبل اعتذاره، وألح عليه الحاضرون بتخميسه، ولما لم يجد بداً من ذلك أخذ القلم وكتب ارتجالا:
لا تغترر بليال نام حارسهاولا بدولة فسق أنت فارسهاواحذر أسود الوغى يوماً تدانسهاإن الأفاعي وإن لانت ملامسهاعند التقلب في أنيابها العطبنأول الورقة للوالي، فلما قرأها خجل خجلاً زائداً وندم على ما فرط منه بحق صديقه، واشتهر أمر تخميس هذا البيت الذي تجاوز فيه حد الإعجاب بين الأوساط الأدبية لما حواه من رد مفحم.
وعيّن إلى مجلس شورى الدولة فكان أحد أعضائه فسافر إلى استانبول بتاريخ 15 ربيع الأول 1285 هجرية واستلم مهام وظيفته فكان المرجع الذي كانت تجتمع حوله مفارق الطرق وتلتقي عنده الأطراف، فالسلطات التشريعية كلها كانت تنزل المترجم له في منزلة الثقة والتقدير وكانت تفترق في كل شيء ثم تتلاقى في موقف من المواقف على يديه، وكان أكثر الاعضاء نشاطاً وإنتاجاً وأقلهم سعياً وراء الدعاية والإعلان وأبعدهم عن مهاترات الجدل غير المجدي، ومنح أسمى الرتب الملكية تقديراً لخدماته الجلّى في حقلي التشريع والتأليف.
وفاة ولده ـ.
وشاء الدهر أن يعكر صفوه، فقد تلقى في غرة ذي القعدة سنة 1285 هجرية نعي ولده المرحوم محمد ذكي فهزه الحزن والأسى وسافر مأذوناً إلى دمشق وبقي فيها مدة أربعة أشهر لتنظيم شؤونه الخاصة ثم عاد إلى الإستانة مع أهل بيته.
رسول السلم والتنظيم ـ.
وفي رمضان سنة 1287 هجرية ثار على الدولة عاصياً أمير جبل عسير المجاور لليمن المدعو محمد باشا بن غائض وجمع كثيراً من القبائل وحاصر الجديدة، وصدرت الإرادة بسوق الفرق العسكرية برئاسة الفريق رديف باشا لتأديب الثائرين وعيّن المترجم له قاضياً له، ثم عهدت إليه الدولة برئاسة مجلس تشكيل ولاية اليمن فقام بهذه المهمة الخطيرة أحسن قيام، فأخمد الثورة وأصلح الإدارة والأمور، ومع قربه من مجرى الحوادث كان أبرز الذين سبق أن أوفدتهم الحكومة إلى اليمن إخلاصاً ونشاطاً وتأثيراً وأشرفهم نزاهة وأخلاقاً وأعظمهم اعتداداً بالكرامة، ثم عاد إلى دمشق فعهد إليه برئاسة ديوان محكمة التمييز.
صفاته ـ.
من أبرز العناصر التي تتكون منها عظمة الفقيد الفذ تواضعه وطموحه وهذه الصفة من أكبر العوامل التي أدت لرفعته. كريم في خلقه مع أصدقائه ومعارفه وكريم في يده، هذه اليد الكريمة التي تعطي دون منٍ مع من يتحقق أنه معوز ويحتاج إلى العون، برٌّ بأهله وذويه، سريع البديهة والإلهام يتنأول الموضوع بالتلميح فيغنى عن التصريح، وإذا أُحرج تخلص من الموقف كالشعرة من العجين كل ذلك بقوة بيان قلَّ من وهب مثلها، متعه الله بإيمان قوي وشخصية جذابة. يعرف كيف ينتهز الفرص ويذلل الصعوبات، أُوتي القدرة على حل المشكلات دون إجهاد.
كان رحمه الله رجلاً يملأ العين والنفس هيبة وسمتاً مع سماحة في محياه وبشاشة في قسماته وتعبيراته، قوياً طاغياً في جرأته التي لا تعبأ بالحادثات والعقبات.
لقد جمع إلى حدة الذهن وذكاء القريحة ورباطة الجأش وسعة الصدر فكان هذا المزاج من أكبر فوزه على إخصامه، لأنه لم يكن يغضب وإذا غضب كظم فلا يؤثر غضبه على قريحته، في عينيه سحر وذكاء وفيهما عبقرية لا تستطاع ترجمتها بالألفاظ.
تآليفه ـ.
له من المؤلفات النظمية والنثرية باللغات العربية والفارسية والتركية الشيء الكثير وأبرزها كتاب في اللغة التركية (في فضل الشام)وتعريب كتاب (علم الحال نظماً ونثراً) وله منظومة رائعة في أسماء أهل بدر الكرام وديوان شعري عزَّ نظيره، وقد نبغ في الشعر العاطفي والديني والصوفي التأملي ومن شعره الجيد قصيدة في الغزل نقتطف منها قوله ولا عجب بذلك فوالده رحمه الله كان شاعراٍ بليغاً:
بدا وجهها في ظلمة الليل كالبدرونمّ عليها عابق الطيب والعطروبشرنا بالوصل عند ابتسامهابريق ثناياها الشبيهة بالدرنهضت إليها فانثنت بلطافةتقبلني والدمع من فوقها يجريومن قوله مضمناًقالوا عذار الحبيب غطّىديباجة الخد قلت حسبيقد كف فيه العذول عنيوإن هذا من فضل ربيومن قصائده التي مدح بها السلطان عبد المجيد خان بمناسبة إجلاء الجيش المصري بقيادة إبراهيم باشا من البلاد الشامية قوله:
ملكٌ به افتخر السرير وأُخمدتبجلوسه فتنٌ بها الكون امتلامن آل عثمان الاكارم من بنوافي المجد بيتاً لا يزال مؤثلالقد تأثر الفقيد بفنون ابن عمه الشاعر الشيخ أمين الجندي لما أقام مع والده في حمص من سنة 1240 إلى سنة 1248 هجرية ولازمه خلالها في كل مناسبة، وله منظومات كثيرة من الموشحات والمواليات منها قوله:
من قصتي سطّرت بين الورى أوراقولم أجد في الهوى من عاذل أوراقغنّت على الغصن في جنح الدجى أوراقفأذكرتني ليالي كنت ناسيهاوما تكدر من عيشي بها أوراقومن موشحاته البديعة قوله:
شادن تاه على بدر السماوتجلى برداء سندسيويبيض اللحظ والسمر حماخمر ريق في ثغير ألعسواقترح عليه بعض أعيان حماه في موقف بمدح خال ملاصق لشقة المحبوب فقال ارتجالا:
من الزنج خال في رياض خدودهأقام زماناً في النعيم المكمّلرأى وردة فاقت فرام اغتيالهافصادفه وشي العذار المسلسلفقيده في جانب الثغر حارساًفواعجباً لص على الدر قد ولىّخطبه ـ.
لقد كان رحمه الله أبلغ الخطباء في عهده وأعظمهم أثراً في النفوس وامتلاكاً لناصية الكلام وكانت خطبه شهيرة مفعمة بآيات الحق والهدى واليقين، تتفجر من فمه الألفاظ خارقة قوية واضحة سريعة، رنين التنوين فيها كرنين القضاء المحتوم.
ملازمة العلماء والشعراء إليه ـ.
كانت داره في دمشق مرتع العلماء والشعراء والفضلاء، فقد كان رحمه الله تاجاً على رأس الزمن وجادت قرائح الشعراء في مدحه، ومدحه الشاعر الهلالي في قصيدته الرائية الشهيرة:
سعد الزمان بديعه وعصامهفخر العلوم العالم النحريرومنها
روحي الفداء لنسبة جنديةوالله حزب جنوده منصورشهدت له البلغاء لما جاءهممنه بشير بلاغة ونذيروفاته ـ.
ونرى منعاً للالتباس الواقع بين الأمينين إن نذكر هنا أن الشيخ أمين الجندي الحمصي ولد في سنة 1180 هجرية ولما توفي سنة 1256 هجرية كان الفقيد المترجم له في السابعة والعشرين من عمره.
وفي أواخر شهر محرم سنة 1295 هجرية و1879 لبى نداء ربه ليكون في منازله الخالدة كالبدر لا يعتريه نقصان ولا تحويل، ودفن في مقبرة مرج الدحداح وقد فاضت قرائح الشعراء برثائه وممن رثاه العلامة المرحوم الشيخ طاهر الجزائري بقصيدة منها قوله:
كفى عبرةً من حادث الدهر ما طوىوسوف ترى طي الرواسي ولو طوىومنها
ولو كان ينجي المجد أنجى من الردىأمين العلا الجندي الذي الفضل قد حوىهمام غدا في عصره متفرداًروى عن معالي مجده كل من روىفقال الرجا للعفو والبشر أرخواهناء أمين المجد في جنة ثوىرحمة الله ورضوانه وسلام عليه في الخالدين.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عبد الله يوسف عزام

عبد الله يوسف عزام (1360هـ ـ 1410هـ) (1941م ـ 1989م) أمير المجاهدين العرب في أفغانستان. ...