أم القرى

أم القرى
من أشهر مدن العالم كله وهي عاصمة بلاد العرب وفيها البيت العتيق الذي يحج إليه المسلمون من مشارق الأرض ومغاربها. فقد كتب محمد لبيب بك البتنوني في بعد رحلته الحجازية ما قد شاهده منها في الحج وكتب عنها عن عيان، فقال:
«مكة وتسمى بكة وأم القرى، مدينة ترتفع عن سطح البحر بنحو 330 متراً وهي على عرض 31 درجة و 28 دقيقة وفي طول 40 درجة و 9 دقائق وتصعد عماريتها إلى عهد إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام، وكان يعيش بنوه في الخيام والمضارب حتى عاد قصي بن كلاب من الشام في القرن الثاني من الهجرة فبنى فيها المساكن والبيوت حول الكعبة ومن ثم أخذت تزيد في عمرانها إلى الآن.
ثم قال: «وهذه المدينة تمتد من الغرب إلى الشرق على مسافة نحو ثلاثة كيلو مترات طولاً وما يقرب من نصف ذلك عرضاً في وادٍ مائل من الشمال إلى الجنوب منحصر بين سلسلتي جبال تكادان تتصلان ببعضهما من جهة الشرق والغرب والجنوب أعني على أبواب مكة الثلاثة ولذا لا يشاهد أبنيتها القادم إليها إلا وهو على أبوابها والسلسلة الشمالية منها تتركب من جبل الفلج (الفلق) غرباً ثم جبل قيقعان ثم جبل الهندي ثم جبل لعلع ثم جبل كداء (بفتح أوله ومد آخره) وهو في أعلى مكة ومن جهته دخل رسول اللّه البلد حين الفتح أما الجنوبية فإنها تتركب من جبل أبي حديدة غرباً يتلوه جبلا كُدى (بضم أوله وألف لينة في آخره) وكُدَيّ (بالتصغير) بانحراف إلى الجنوب ثم جبل أبي قبيس إلى شرقيهما ثم جبل خندمة وكل سفوح هذه الجبال من الحرم تراها عامرة بالبيوت والمساكن التي تدرج عليها إلى قلب الوادي منها الكبير والصغير يحتشد فيها زمن الحج (خلق كثير من كل مكان). وإذا كان الحج بالجمعة كان الناس أضعاف ذلك ومساكنها على شبه مساكن جدة وأحسن موقع في مكة شعب جياد لارتفاعه وسعة طرقه ومساكنه وفيه بيوت كثيرة.
«وضمن هذه المساكن بعض الدور القديمة فترى دار ابن عباس في المسعى على يمين السالك إلى المروة وفي الشرق الشمالي للحرم آثار دار أبي سفيان المشهورة في الجاهلية والإسلام».
«والحرم الشريف بين هذه البيوت مائل إلى الجهة الجنوبية مما يلي جبل أبي قبيس. وفي هذه الجهة دار الخيزران يتلوها شرقاً شعب بني هاشم ويسمونه شعب على ثم شعب المولد ثم شعب بني عامر. وفي هذه الجهة كانت مساكن بني عبد المطلب في الجاهلية أما باقي قريش فكانوا في الجهة الأخرى من الحرم خصوصاً جهة الشمال ومن دونهم باقي أهالي مكة».
ويقصد مكة زمن الحج أنواع العالم الإسلامي من جميع الأطراف المسكونة فترى بها الأزياء المتباينة والسحن المختلفة حتى ليجدر بها أن تسمى بالمعرض الإسلامي ولقد رأيت فيها رجلاً يابانياً من كبار قواد اليابان قد أسلم وقدم إليها لتأدية فريضة الحج.
وأهل مكة كلهم مسلمون ولا يدخلها غير مسلم من السنة التاسعة للهجرة وكان علي رضي الله عنه ينادي في الموسم الحج بقوله:
(ألا لا يحج بعد عامنا هذا مشرك) وكان المراد بذلك منع المشركين من الحج وعدم دخولهم البلد التي بها تتم مناسكهم لأنهم مع ما كانوا عليه من سوء الضمير وخبث الطوية كانوا يلقون بذور الشقاق والغل بين قبائل العرب المسلمين ويوغرون صدورهم بقصد التفرقة التي يكون من ورائها الطعن فلما مات رسول اللّه ارتدت العرب في أطراف الجزيرة بعد عشرة أيام من بيعة أبي بكر وذلك بتأثير المشركين منهم حتى بلغ من أمر هؤلاء أن ادعى النبوة منهم طليحة في الشمال ولهيعة في اليمن ومسيلمة الكذاب مع سجاح في اليمامة شرق بلاد العرب وقام غيرهم في الدعوة لنفسه في وسط البلاد هنالك استنفر أبو بكر المسلمين إلى قتال أهل الردة. وبعث إليهم بأحد عشر لواء وأمرهم أن يحاربوهم وأن لا يقبلوا منهم غير الإسلام فساروا وأبلوا في قتالهم بلاءً حسناً وخصوصاً جيش خالد بن الوليد الذي كان له الفضل الأكبر في رجوع الناس إلى الإسلام.
وبعد وفاة أبي بكر سار عمر على طريقته في تطهير بلاد العرب ممن كان على غير دين الإسلام لأنهم أهل البلاد الذين بهم عزها ولهم يكون خيرها أو شرها وبهم تكون سعادتها أو شقاوتها وسار على سنته من أتى بعده من الخلفاء إلى اليوم.
ومن عاداتهم تقديم الشاي في أي وقت تحية للقادم عليهم وإقامة المآدب في حفلة يسمونها قليلة (لعلها آتية من القيلولة) ويتفاخرون بكثرة صنوف الطعام المتغايرة في شكلها وطعمها وليس لأطعمتهم نظام مخصوص فمنها الهندي والعربي والشامي والمصري والتركي ويقعد المدعوون في هذه الولائم على سماط يمد في الأرض وتقدم إليهم الألوان واحداً بعد آخر.
«أما مولد النبي فهو في شعب بني عامر أو شعب المولد وهو مكان قد ارتفع الطريق عنه بنحو متر ونصف وينزل إليه بواسطة درجات من الحجر توصل إلى باب يفتح إلى الشمال يدخل منه إلى فناء يبلغ طوله نحو اثني عشر متراً وعرضه ستة أمتار وفي جداره الأيمن (الغربي) باب يدخل منه إلى قبة في وسطها (يميل إلى الخلف الغربي) مقصورة من الخشب داخلها رخامة قد تقعر جوفها لتعيين مولد السيد الرسول عليه الصلاة والسلام وهذه القبة والفناء الذي خارجها لا يزيد مسطحها عن ثمانين متراً مربعاً. وهما يكونان الدار التي ولد فيها رسول اللّه وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهب هذه الدار لعقيل بن أبي طالب فباعها ولده لمحمد بن يوسف الثقفي (أشقيق الحجاج) فلما بنى داره المشهورة بدار ابن يوسف وكانت بجوارها أدخلها فيها حتى اشترتها الخيزران أم الرشيد وفضلتها وبنتها على ما كانت عليه وجعلتها مسجداً وهي باقية كذلك إلى يومنا هذا».
«يقرب من مولد النبي مولد سيدنا علي رضي اللّه عنه وهو كشكل سابقه إلا أنه أصغر منه».
«أما مولد السيدة فاطمة ففي درب الحجر وهو دار خديجة بنت خويلد زوج رسول اللّه وفيها ولدت جميع أولادها منه. وقبل بعثته كان يعمل في تجارتها إلى الشام ثم اختارته لنفسها لما كان عليه من الخلق العظيم فتزوجها في سنة 28 أي قبل بعثته بخمس عشرة سنة وماتت خديجة رضي اللّه عنها قبل الهجرة بأربع سنين وهي في الرابعة والستين من عمرها».
«وهذه الدار قد ارتفع عنها الطريق أيضا فينزل إليها بجملة درجات توصل إلى طرقة على يسارها شبه مصطبة مرتفعة عن الأرض بنحو ثلاثين سنتيمتراً مسطحها نحو عشرة أمتار طولاً في أربعة عرضاً وفيها كتاب يقرأ فيه الصبيان القرآن الكريم وعلى يمينها باب صغير يصعد إليه بدرجتين يدخل منه إلى طرقة ضيقة عرضها نحو مترين وفيها ثلاثة أبواب الذي على اليسار لغرفة صغيرة يبلغ سطحها ثلاثة أمتار طولاً في أقل منها عرضاً وهذا المكان كان معداً لعبادته وقد كان ينزل الوحي عليه. وعلى يمين الداخل إليه مكان منخفض عن الأرض يقولون إنه كان محل وضوئه عليه الصلاة والسلام. والباب الذي في قبالة الداخل إلى الطرقة يفتح على مكان واسع يبلغ طوله نحو ستة أمتار في عرض أربعة وهو المكان الذي كان يسكنه مع زوجته خديجة رضي اللّه عنها. أما الباب الذي على اليمين فهو لغرفة مستطيلة عرضها نحو أربعة أمتار في طول نحو سبعة أمتار ونصف وفي وسطها مقصورة صغيرة أقيمت على المكان الذي ولدت فيه السيدة فاطمة رضي اللّه عنها وفي جدار هذه الغرفة الشرقي رف موضوع عليه قطعة من رحى قديمة يقولون إنها من رحى السيدة فاطمة التي كانت تستعملها في حياتها. وعلى طول هذا المسكن والطرقة الخارجة والمصطبة من جهة الشمال فضاء مرتفع بنحو متر ونصف يبلغ طوله نحو ستة عشر متراً وعرضه نحو سبعة أمتار وأظن أنه المكان الذي كانت السيدة خديجة تخزن فيه تجارتها».
«وهذه الدار كانت مقراً له ومحل إقامته في مكة ومبعثه إلى الخلق كافة إذا أمعنت بها نظرك وفكرك لا تراها إلا البساطة بنفسها. دار تحتوي على أربع غرف ثلاث داخلية منها واحدة لبناته والثانية له ولزوجه، والثالثة له ولربه والرابعة بمعزل عنها له ولعموم الناس. ياللّه ما هذا الترتيب الجميل وما هذا النظام البديع؟ بل ما هذه الآداب الكبرى والكمالات الحيوية العظمى التي صيغت في شكل هذه البساطة المتناهية ؟ تأمل قليلاً ترى أن هذا النظام هو بذاته ما قضت به المدنية العصرية لولا أنه يعمل فيها بشكل تعددت صفاته، وكثرت حاجياته. هذه هي دار الرسول الذي أرسل للناس كافة نعم هذا هو منزل هذا النبي الأمي وذلك هو نظامه في بيته. ذلك النظام الذي وإن كان مجرداً عن مظاهر العظمة والفخامة فقد اكتسى بحلى الجلال والكمال اللهم إني آمنت بك وبرسولك هذا الذي لم يتخذ دينك وسيلة إلى عيش الأغنياء وحياة العظماء بل كان حسبه من عيشه ما كان يقوم بحياته التي إنما كانت كلها خيراً وبركة ويمناً وسعادة للناس أجمعين».
«ولما هاجر إلى المدينة استولى على هذه الدار عقيل بن أبي طالب ثم اشتراها منه معاوية بن أبي سفيان فجعلها مسجداً وعمرت في زمن الناصر العباسي وقد وضع في حائط الطرقة الخارجية على يسار الداخل لوح من الرخام مكتوب عليه بالحروف البارزة «بسم اللّه الرحمن الرحيم أمر بعمارة مريد مولد الزهراء البتول فاطمة سيدة نساء العالمين بنت الرسول محمد المصطفى المختار سيدنا ومولانا الإمام المفترض الطاعة على الخلق أجمعين الناصر لدين اللّه أمير المؤمنين أعز اللّه أنصاره وضاعف اقتداره وجعل منافعه ومشتملاته وأجره عائداً على مصالحه ثم على مصالح هذا المقام الشريف المقدس الطاهر النبوي. على ما يرى الناظر المتولي له في ذلك من الحظ الوافر والمصلحة لهذا المريد والمولد المقدس المذكور بعد ذلك ابتغاء وجه اللّه تعالى وطلباً لثواب الدار الآخرة تقبل اللّه ذلك منه وجزاه أجر المحسنين. وذلك على يد الفقير إلى رحمة اللّه تعالى علي بن أبي البركات الدوراني الأنباري في سنة (604) هـ ومن غير ذلك أو بدله عليه لعنة اللّه ولعنة اللاعنين إلى يوم الدين آمنين. وصلى اللّه على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله الطاهرين».
ثم عمرها بعد ذلك الأشرف شعبان ملك مصر ثم الملك المظفر صاحب اليمن ثم السلطان سليمان سنة (935) هـ.
«أما دار الأرقم المخزومي المشهورة بدار الخيزران فهي في زقاق على يسار الصاعد إلى الصفا وهي الدار التي كان يختبىء فيها رسول اللّه في صدر بعثته هو ومن آمن معه وكانوا يصلون بها سراً حتى أسلم عمر رضي اللّه عنه فقويت به عصبيتهم وجهر بالإسلام والصلاة. وباب هذه الدار يفتح إلى الشرق ويدخل منه إلى فسحة سماوية طولها نحو ثمانية أمتار في عرض أربعة وعلى يسارها ليوان مسقوف على عرض نحو ثمانية أمتار في عرض نحو نصف ذلك مفروشة بالحصير وفي زاويتها الشرقية الجنوبية حجران من الصوان موضوعان فوق بعضهما مكتوب في أعلاهما بالحرف البارز «بسم اللّه الرحمن الرحيم في بيوت أذن اللّه أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال. هذا مختار رسول اللّه ودار الخيزران وفيها مبتدأ الإسلام أمر بتجديده الفقير إلى مولاه أمين الملك مصلح ابتغاء ثواب اللّه ورسوله ولا يضيع أجر المحسنين» ومكتوب في الثاني «بسم اللّه الرحمن الرحيم هذا مختبأ رسول اللّه المعروف بدار الخيزران أمر بعمله وإنشائه العبد الفقير لرحمة اللّه جمال الدين شرف الإسلام أبو جعفر محمد بن علي بن أبي منصور الأصفهاني وزير الشام والموصل الطالب الوصول إلى اللّه تعالى الراجي لرحمته أطال اللّه في الطاعة بقاه وأناله في الدارين مناه في سنة خمس وخمسين وخمسمائة».

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

أصحاب الرس

أصحاب الرس قال تعالى: {وعاداً وثمود وأصحاب الرس وقروناً بين ذلك كثيراً} والرس هو البئر ...