إبراهيم باشا بن محمد علي

إبراهيم باشا بن محمد علي
هو والي مصر بعد أبيه ورد إليه فرمان التولية من سلطان آل عثمان سنة (1266)هـ وكان أبوه إذ ذاك حيا إلا أنه كان قد ضعفت قواه العقلية وأصبح لا يصلح للولاية.
كان إبراهيم باشا عضد أبيه الأقوى وساعده الأشد في جميع مشروعاته.
كان باسلاً مقداماً في الحرب لا يتهيب الموت وقائداً محنكاً لا تفوته صغيرة ولا كبيرة من أفانين القتال، وكان سريع الغضب ولكنه كان طيب القلب عادلا في أحكامه.
جهزه أبوه محمد علي في 10 شوال سنة (1231)هـ لحرب عبيد اللّه بن سعود فسار في النيل إلى قنا ومنها إلى القصير ومنها أبحر إلى ينبع مع جيشه ثم إلى المدينة وعسكر هنالك يستعد للهجوم على خصمه فانضمت إليه قبائل كثيرة من العرب. ثم شن الغارة على ابن سعود وبعد وقائع عديدة تمكن من الإيقاع بجيشه وأسره.
ونال من السلطان مكافأة سنية وسمي واليا على مكة فبلغ أهل الدرعية هذا الخبر فخافوا بطشه فهدموها وهربوا فاحتلتها جنود إبراهيم.
أما محمد علي فنال لقب خان وهو لقب لم يحظ به سواه رجل من رجال الدولة غير حاكم القرم.
ثم طمح محمد علي باشا لضم سوريا إلى مصر وكان بينه وبين الأمير بشير الشهابي حاكم جبل لبنان وبين عبد اللّه باشا والي عكا علاقات ودية فأراد أن يعتمد عليها لتنفيذ مأربه فاتفق أن شرع في بناء سفن حربية للدولة فطلب إلى الأمير بشير الشهابي أن يرسل له الأخشاب اللازمة فلما تهيأ الأمير لتنفيذ هذا الأمر تعرض له عبد اللّه باشا والي عكا فمنعه والسبب في ذلك أنه كان يحسد محمد علي ويرى فيه مناظرا له على ملك سوريا إذ كان يمنّي نفسه هو أيضا بالاستقلال فيها، فلما بلغ محمد علي خبر هذا المنع استشاط غضبا فأرسل ابنه إبراهيم باشا لفتح عكا وكان ذلك سنة (1247)هـ (1831)م، فأرسلت المشاة والمدفعية عن طريق العريش برا وسار إبراهيم باشا في خاصته وأركان حربه بحرا فاستولت حملة البر على غزه ويافا ولما وصل إبراهيم إلى يافا سار بجيشه إلى عكا فحاصرها برا وبحرا نحو ستة أشهر ثم هاجمها مهاجمة عنيفة فافتتحها عنوة فاحتلها ثم سار إلى دمشق فاحتلها أيضا ثم برحها إلى حمص وكان فيها جنود عثمانية تحت قيادة محمد علي باشا والي طرابلس لقتاله وانتشب بينهما القتال فانتصر إبراهيم على خصمه واستولى على حمص فخافت البلاد بطشه فسلمت له فوقعت هذه الأخبار لدى السلطان العثماني محمود موقع الحيرة والدهشة فأصدر أمره إلى حسين باشا السر عسكر للذهاب إلى سوريا بجيش والتنكيل بإبراهيم. فوصل السر عسكر الإسكندرونة وعسكر بها فلاقاه إبراهيم باشا وحاربه وفاز عليه فلم يجد أمامه مقاومة ما بعد ذلك فتقدم في آسيا الصغرى فأرسل إليه السلطان رشيد باشا الصدر الأعظم لملاقاته فالتقى الخصمان في قونيه سنة (1832)م فانهزم الصدر وتابع إبراهيم سيره قاصدا الآستانة. فتدخلت الدول في المسئلة وأرسلت الروسية البرنس مورافييف إلى مصر للمداولة مع محمد علي فأرسل إلى ابنه يأمره بعدم التقدم للأمام وعقدت معاهدة بين الدول كان مقتضاها أن يكون إبراهيم باشا حاكما لسوريا وجابيا لخراج أدنه وتم ذلك سنة (1248)هـ (1833)م باسم وفاق كوتاهيا فتولى إبراهيم باشا ولاية سورية واتخذ أنطاكية عاصمة له.
فلم يستتب له الأمر حتى ظهرت الثورات في أطراف البلاد فنشأت ثورة السلط والكرك سنة (1249)هـ فامتدت إلى القدس ثم السامرة وجبال نابلس.
وفي يونيو من عام (1834)م هجم المسلمون السوريون على صفد وقتلوا يهوداً كثيرين منها هجموا كذلك على مسيحي الناصرة وبيت لحم والقدس.
فلما علم محمد علي بحقيقة الخطر حضر بنفسه إلى سوريا وأخذ في قمع فتنها ولما هدأت نارها تصدى إبراهيم باشا لتجريد السوريين من السلاح فنجح إلا في تجريد اللبنانيين فاستتب الأمن والهدوء إلا أن مطامع محمد علي لم تقف عند هذا الحد فأخذ يجمع من السوريين جيشا كثيفا فتوقع السلطان محمود منه شرا وأمر بأن يرسل إليه جيش مؤلف من ثمانين ألف مقاتل تحت قيادة حافظ باشا لكسر شوكته.
كان محمد علي إذ ذاك قد عاد إلى السودان فلما بلغته هذه الأخبار كتب لابنه إبراهيم ليستعد للقتال فصدع بأمره وجمع جيوشه في حلب وتلاقى الخصمان في نزيب فانهزمت الجيوش التركية إلى مرعش وكان السلطان قد أرسل أسطولا حربيا إلى الإسكندرية فأصابه ما أصاب الجيوش البرية من الفشل. وفي هذه الأثناء توفي السلطان محمود وخلفه عبد الحميد سنة (1839) م.
فلما رأت الدول الأمر بين التابع والمتبوع قد استفحل عقد مؤتمر لندن سنة (1840)م وقررت فيه اعتبار محمد علي تابعا للدولة العثمانية فرفض محمد علي قرارها فعرضت عليه أن يأخذ ولاية عكا وينسحب من سورية فلم يقبل فارسلت إنجلترة أسطولها إلى صيدا فالتجأ إبراهيم باشا إلى جبل لبنان وذهب ذلك الأسطول لمحاصرة بيروت وكان بها سليمان باشا الفرنسي القائد المدرب نائبا عن إبراهيم فبلغه أن إبراهيم باشا قد قتل وتشتت شمل جيشه فذهب ليتحقق الخبر وأناب عنه أحد رجاله فلم يقو على تحمل هذه الشدائد ففر ثم انضم إلى الجيوش الإنجليزية. ثم سار قائد الأسطول وكان اسمه (نابيه) إلى عكا واحتلها ورحل بعد ذلك إلى الإسكندرية وعرض على محمد علي باشا الصلح فقبل وعقدوا معاهدة بينهما رفضتها الدول. فلما رأى السلطان ذلك تدخل بنفسه وأرضى محمد علي باشا بإعطائه مصر ولاية بالوراثة بشرط أن يكون له الحق في اختيار واليها من عائلته فتردد محمد علي ولكنه أمر جيوشه بالانسحاب من سورية وقبل بعد ذلك اقتراح السلطان ووصله الفرمان المؤذن بذلك سنة (1841)م فأرسل ابنه سعيد باشا لتقديم شعائر الإخلاص والطاعة ثم أصيب إبراهيم بمرض فسافر إلى أوروبا للاستشفاء فاحتفل به الملوك والأمراء فيها وعاد إلى مصر سنة (1846) م.
وفي سنة (1848)م أصيب محمد علي بمرض لا يمكنه من القيام بأعباء الولاية فتولى مصر ابنه إبراهيم وذهب بنفسه للآستانة ليثبته السلطان فحصل ذلك وعاد لمصر غير أن مدته لم تطل إذ عاد إليه مرضه السابق بغتة في 10 نوفمبر سنة (1848)م ودفن بمدفن العائلة الخديوية بجوار الشافعي رضي اللّه عنه.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

جرجس شلحت

جرجس شلحت (1285 ـ 1346هـ ـ 1868 ـ 1928م) جرجس بن يوسف بن رافائيل بن ...