إعجاز القرآن

إعجاز القرآن
قال اللّه تعالى: {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون اللّه إن كنتم صادقين. فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين}[البقرة: 23ـ24].
وقال تعالى في موضع آخر: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا}[الإسراء: 88].
هذه الآيات تنص على أن القرآن معجزة فما هو وجه إعجازه؟ نذكر في ذلك أولا رأى المفسرين ثم نتبعه برأينا الخاص فنقول:
قال العلامة نظام الدين الحسن بن محمد النيسابوري في تفسيره (غرائب القرآن ورغائب الفرقان) في تفسير الآية الأولى ما يأتي:
»وقد ذكر في كون القرآن معجزا طريقان الأول أنه إما أن يكون مساويا لكلام سائر الفصحاء أو زائدا عليه بما لم ينقض العادة أو بما ينقضها. والأولان باطلان لأنهم وهم زعماء وملوك الكلام تحدوا بسورة منه مجتمعين أو منفردين ثم لم يأتوا بها مع أنهم كانوا متهالكين في أبطال أمره حتى بذلوا النفوس والأموال وارتكبوا المخاوف والمحن وكانوا في الحمية والأنفة إلى حد لا يقبلون الحق كيف الباطل. فتعين القسم الثالث.
»الطريق الثاني أن يقال: إنه إن بلغت السورة المتحدي بها في الفصاحة إلى حد الإعجاز فقد حصل المقصود وإلا فامتناعهم من المعارضة مع شدة دواعيهم إلى توهين أمره معجز. فعلى التقديرين يحصل الإعجاز.
»فإن قيل وما يدريك أنه لن يعارض في مستأنف لزمان، إن لم يعارض إلى الآن؟ قلت لأنه لا احتياج إلى المعارضة أشد مما في وقت التحدي وإلا لزم تقرير المبطل المشبه للحق وحيث لم تقع المعارضة وقتئذٍ علم أن لا معارضة وإلى هذا أشار سبحانه بقوله تعالى: {ولن تفعلوا} كما يجيء.
واعلم أن شأن الإعجاز عجيب يدرك ولا يمكن وصفه كاستقامة الوزن تدرك ولا يمكن وصفها وكالملاحة فمدرك الإعجاز هو الذوق.
»ومن قال الإعجاز بأنه صرف اللّه تعالى البشر عن معارضته أو بأنه هو كون أسلوبه مخالفا لأساليب الكلام، أو بأنه هو كونه مبرأ عن التناقض أو بكونه مشتملا على الأخبار بالغيوب وبما ينخرط في سلك هذه الآراء فقد كذب ابن أخت خالته فإنا نقطع أن الاستغراب من سماع القرآن إنما هو من أسلوبه ونظمه المؤثر في القلوب تأثيرا لا يمكن إنكاره لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد لا من صرف اللّه تعالى البشر عن الإتيان بمثله كما لو قال أحد معجزتي أن أضع الساعة يدي على رأسي ويتعذر ذلك عليكم وكان كما قال جاء الاستغراب من التعذر لا من نفس الفعل.
»وأيضاً تسمية كل أسلوب غريب معجز باطل. وكذا تسمية كل كلام مبرأ عن التناقض أو مشتمل على الغيب ككلام الكهان ونحوهم فإن قيل كيف تعتقد إعجاز القرآن بحيث يعجز عنه الثقلان فقط والزائد غير معلوم الحال أو بحيث يعجز عنه المخلوقات بأسرها؟ قلنا لا ريب أن الحق هو القسم الثاني إلا أن التحدي لم يقع إلا بالقدر الأول وبه يثبت صحة النبوة لكن النبي صادق وقد أخبر بأنه كلام اللّه تعالى ونحن نعلم أن كلامه صفته وصفته يجب أن تكون في غاية الكمال ونهاية الجلال فالقرآن إذن في غاية البلاغة ونهاية الفصاحة والبلاغة هي بلوغ المتكلم حدا له اختصاص بتوفية خواص التركيب حقها وإيراد أنواع التشبيه والمجاز والكناية على وجهها وهي فينا كأنها هيئة اجتماعية حاصلة من معرفة قوانين علمي المعاني والبيان. والفصاحة إما معنوية وهي خلوص الكلام عن التعقيد، والتعقيد: أن يعثر صاحبه فكرك في متصرفه ويشق طريقك إلى المعنى ويوعر مذهبك نحوه حتى يقسم فكرك ويشعب ظنك فلا تدري من أين توصل وبأي طريق معناه يتحصل وإما لفظية وهي أن تكون الكلمة عربية أصلية وعلامة ذلك أن تكون على ألسنة الفصحاء من العرب الموثوق بعربيتهم أدرب واستعمالهم لها أكثر، وأن تكون جارية على قوانين اللغة العربية، وأن تكون سليمة عن التنافر عذبة على العذبات، سلسة على الإسلات، والحاكم في ذلك هو الذوق السليم والطبع المستقيم فقلما ينجع هنالك إلا ذلك.
ثم إنه قد اجتمع في القرآن وجوه كثيرة تقتضي نقصان الفصاحة، ومع ذلك فإنه بلغ في الفصاحة النهاية التي لا غاية وراءها، فدل ذلك على كونه معجزا. منها:
»أنه اقتصر على إيجاب العبادات وتحريم المنكرات والحث على مكارم الأخلاق والزهد في الدنيا والإقبال على الآخرة ولا يخفى ضيق عطن البلاغة في هذه المواد.
»ومنها أنهم قالوا إن شعر امرىء القيس يحسن في النساء وصفة الخيل، وشعر النابغة عند الحرب، وشعر الأعشى عند الطرب ووصف الخمر، وشعر زهير عند الرغبة والرجاء، والقرآن جاء فصيحا في كل فن من فنون الكلام فانظروا في الترغيب إلى قوله: {فما تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين}[السجدة: 17]وفي الترهيب: {وخاب كل جبار عنيد من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد، يتجرعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت}[إبراهيم: 15ـ16ـ17]وفي الزجر: {فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا}[العنكبوت: 40]وفي الوعظ: {أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون}[الشعراء: 205ـ207]وفي الإلهيات {اللّه يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار، عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال}[الرعد: 8].
»ومنها أن القرآن أصل العلوم كلها كعلم الكلام وعلم أصول الفقه وعلم الفقه واللغة والنحو والصرف والنجوم والمعاني والبيان وعلم الأحوال وعلم الأخلاق وما شئت. ومن يطيق وصف القرآن وبلاغته فإنه كمال أن الإتيان بأقصر سورة منه فوق حد البشر فوصفه كما هو فوق طاقة البشر. شعر:
فدع عنك بحرا ضل فيه السوابح»وإنما قيل: (وإن كنتم) دون (وإذا كنتم) لما عرفت في تفسير لا ريب فيه. وإنما اختير نزلنا على لفظ التنزيل دون الإنزال لأن المراد النزول على سبيل التدريج والتنجيم وهو من محازاة لمكان التحدي. وذلك أنهم كانوا يقولون لو أنزله اللّه لأَنزله جملة واحدة »وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة» أي على خلاف ما ترى عليه أهل الخطابة والشعر من وجود ما يوجد منهم مفرقا شيئا فشيئا وحينا فحينا حسب ما يعن لهم من الأحوال المتجددة والحاجات السانحة. فقيل لهم إن ارتبتم في هذا الذي وقع إنزاله هكذا على مهل وتدريج فهاتوا أنتم نوبة واحدة من نوبه وهلموا نجما من نجومه أصغر سورة وهي الكوثر ومعنى السورة مذكور في المقدمة الخامسة.
»إنما قيل (على عبدنا) دون أن يقال على (محمد) كقوله: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد}[ محمد: 2]تشريفا له وإعلاما بأنه ممن صحح نسبة العبودية المأمور بها في قوله: {يا أيها الناس اعبدوا}[البقرة: 21]وإضافة العبد إلى الضمير أيضاً تؤيد ذلك كقوله: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان}[الحجر: 42]وفيه إن السعادة كل السعادة في نسبة العبودية فهي التي توصل إلى العندية في مقعد صدق عند مليك مقتدر. وأنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي. وكمال العندية في كمال الحرية عما سوى اللّه.
»وأما فائدة تفصيل القرآن وتقطيعه سوراً فمن ذلك أن الجنس إذا انطوت تحته أنواع ويشتمل الأنواع على الأصناف كان إفراز كل من صاحبه أحسن ولهذا وضع المصنفون كتبهم على الأبواب والفصول ونحوها.
»ومنها أن القارىء إذا ختم سورة أو بابا من الكتاب ثم أخذ في آخر كان أنشط له كالمسافر إذا قطع ميلا أو طوى فرسخا ومن ثم جزؤوا القرآن أسباعا وأجزاء وعشورا وأخماسا.
»ومنها الحاذق إذ حذق السورة اعتقد أنه أخذ من كتاب اللّه طائفة مستقلة بنفسها فيحل في نفسه. ومنه حديث أنس كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جد فينا. ولهذا كانت القراءة في الصلاة بسورة تامة أفضل» انتهى.
جهة إعجاز القرآن:
كتب الأستاذ الجليل العلامة الشيخ محمد عبده في رسالة التوحيد فصلا في إعجاز القرآن نأتي عليه هنا ثم نتبعه برأينا في هذا الموضوع. قال رحمة اللّه:
»جاءنا الخبر المتواتر الذي لا تتطرق إليه الريبة أن النبي كان في نشأته وأميته على الحال التي ذكرنا. وتواترت أخبار الأمم كافة على أنه جاء بكتاب قال: إنه أنزل عليه. وأن ذلك هو القرآن المكتوب في المصاحف المحفوظ في صدور من عني بحفظه من المسلمين إلى اليوم.
»كتاب حوى من أخبار الأمم الماضية ما فيه معتبر للأجيال الحاضرة والمستقبلة. نقب على الصحيح منها وغادر الأباطيل التي ألحقتها الأوهام بها ونبه على وجوه العبرة فيها. حكى عن الأنبياء ما شاء اللّه أن يقص علينا من سيرهم وما كان بينهم وبين أممهم. وبرأهم مما رماهم به من أهل دينهم المعتقدون برسالاتهم. آخذ العلماء من الملل المختلفة ما أفسدوا من عقائدهم وما خلطوا في أحكامهم، وما حرفوا بالتأويل في كتبهم، وشرع للناس أحكاما تنطبق على مصالحهم، وظهرت الفائدة في العمل بها والمحافظة عليها، وقام بها العدل وانتظم بها شمل الجماعة ما كانت عند حد ما قرره ثم عظمت المضرة في إهمالها والانحراف عنها أو البعد عن الروح الذي أودعته ففاقت بذلك جميع الشرائع الوضعية كما يتبين للناظر في شرائع الأمم ثم جاء بعد ذلك بحكم ومواعظ وآداب تخشع لها القلوب، وتهش لاستقبالها العقول، وتصرف وراءها الهمم انصرافها في سبيل الأمم.
»نزل القرآن في عصر اتفق الرواة وتواترت الأخبار على أنه أرقى الأعصار عند العرب. وأغزرها مادة في الفصاحة وأنه الممتاز بين جميع ما تقدمه بوفرة رجال البلاغة وفرسان الخطاب. وأنفس ما كانت العرب تتنافس فيه من ثمار العقل ونتائج الفطنة والذكاء هو الغلب في القول والسبق في إصابة مكان الوجدان من القلوب، ومقر الإذعان من العقول، وتفانيهم في المفاخرة بذلك مما لا يحتاج إلى الإطالة في بيانه.
»تواتر الخبر كذلك بما كان منهم من الحرص على معارضة النبي والتماسهم الوسائل قريبها وبعيدها لإبطال دعواه، وتكذيبه في الأخبار عن اللّه وإتيانهم في ذلك على مبلغ استطاعتهم وكان منهم الملوك الذين تحملهم عزة الملك على معاندته، والأمراء الذين يدعوهم السلطان إلى مناوأته، والخطباء والشعراء والكتاب الذين يشمخون بأنوفهم عن متابعته، وقد اشتد جميع أولئك في مقاومته وإنها لو أبقوا هم عليه استكبارا عن الخضوع له وتماسكا بما كانوا عليه من أديان آبائهم، وحمية لعقائدهم وعقائد أسلافهم وهو مع ذلك يخطىء آراءهم ويسفه أحلامهم ويحتقر أصنامهم ويدعوهم إلى ما لم تعهده أيامهم، ولم تخفق لمثله أعلامهم، ولا حجة بين يدي ذلك كله إلا تحديهم بالإتيان بمثل أقصر سورة من ذلك الكتاب أو سورة من مثله وكان في استطاعتهم أن يجمعوا إليه من العلماء والفصحاء والبلغاء ما شاؤا ليأتوا بشيء من مثل ما أتى به ليبطلوا الحجة ويفحموا صاحب الدعوة.
»جاءنا الخبر المتواتر أنه مع طول زمن التحدي ولجاج القوم في التعدي أصيبوا بالعجز ورجعوا بالخيبة وحقت للكتاب العزيز الكلمة العليا على كل كلام، وقضى حكمه العلى على جميع الأحكام.
»أليس في ظهور مثل هذا الكتاب على لسان أمي أعظم معجزة وأدل برهان على أنه ليس من صنع البشر وإنما هو النور المنبعث عن شمس العلم الإلهي، والحكم الصادر عن المقام الرباني على لسان الرسول الأمي صلوات اللّه عليه.
»هذا وقد جاء في الكتاب من أخبار الغيب ما صدقته حوادث الكون كالخبر في قوله: {غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين}[الروم: 2ـ 4]وكالوعد الصريح في قوله: {وعد اللّه الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم}[النور: 55]الآية وقد تحقق جميع ذلك وفي القرآن كثير من هذا يحيط به من يتلوه حق تلاوته. ومن الكلام عن الغيب فيه ما جاء في تحدي العرب به واكتفائه في الرجوع عن دعواه بأن يأتوا بسورة من مثله مع سعة البلاد العربية ووفرة سكانها، وتباعد أطرافه، وانتشار دعوته على لسان الوافدين إلى مكة من جميع أرجائها. ومع أنه لم يسبق له السياحة في نواحيها والتعرف برجالها وقصور العلم البشري عادة عن الإحاطة بما أودع في قوى أمة عظيمة كالأمة العربية. فهذا القضاء الحاسم منه بأنهم لم يستطيعوا أن يأتوا بشيء من مثل ما تحداهم به ليس قضاء بشريا. ومن الصعب بل من المتعذر أن يصدر عن عاقل التزام كالذي التزمه وشرط كالذي شرطه على نفسه، لغلبة الظن عند من له شيء من العقل أن الأرض لا تخلو من صاحب قوة مثل قوته. وإنما ذلك هو اللّه المتكلم والعليم الخبير هو الناطق على لسانه وقد أحاط علمه بقصور جميع القوى عن تناول ما استنهضهم له وبلوغ ما حثهم عليه.
»بقول وأهم أن العجز حجة على من عجز، فإن العجز هو حجة الإقحام وإلزام الخصم وقد يلتزم الخصم ببعض المسلمات عنده فيفحم ويعجز عن الجواب فتلزمه الحجة ولكن ليس ذلك بملزم لغيره فمن الممكن أن يسلم غيره بما سلمه فلا يفحمه الدليل، بل يجد إلى إبطالة أقرب سبيل.
فالقرآن لم يدع القبائل لتتحد على أي مطلب من المطالب الدنيوية بل هو يدعو الناس من أي جنس كانوا (تأمل) ليتحدوا على رفع كلمة اللّه في العالم وهو أصل كان ولم يزل غريبا في حياة الأمم. وليس نجاح القرآن في إنهاض أمة عليه بأقل غرابة من ذلك الأصل نفسه. والأمر في جملته يدل على أن تلك الحركة كانت مرادة للّه تعالى وأنه هو الذي دبرها وهيأها لأحداث حدث يريده في العالم. وإلا فكيف يعقل أن يقوم رجل من وسط الدهماء يدعو الناس في أمة بدوية مشهورة بحب الكسب، ومتعودة السلب والنهب، إلى أصل يبيعون له حياتهم لا لشيء من حطام الدنيا بل لتشييد صرح أدبي عام لم يشعروا بالحاجة إليه، وليس في طبيعتهم ما يهجم بهم عليه؟.
ولما كان هذا الأصل السامي بطبيعته تنافي اعتبار الجنسيات واللغات والعصبيات فقد هدم القرآن كل تلك الحوائل الوهمية أمامه فقرر بأن لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى أو بعمل صالح لأن الكل من آدم وآدم من التراب فقال تعالى:
{يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا أن أكرمكم عند اللّه أتقاكم أن اللّه عليم خبير}[الحجرات: 13].
بهذا الإعلان لم يعد للعربية عصبيتها ولا للرابطة اللغوية والوطنية سلطانها، وهذا أمر لم يسبق له مثيل في أصول الاجتماع، فقد كان للجنسيات والعصبيات التأثير الأكبر على إذهان الشعوب حتى كان الغريب عن القبيلة يعتبر عدواً يجوز قتله وسلبه أينما وجد لا لسبب غير كونه أجنبياً.
على هذا تألفت الهيئة الاجتماعية الإسلامية الأولى وبها قامت زماناً طويلاً.
فهل يعقل أن تصادف مثل هذه الدعوة هوى في أفئدة قوم كانوا يقدسون جنسيتهم ويعدونها أكرم ما قامت عليه جماعتهم؟ بل هل يعقل أن ينجع داع معاصر لنا مهما بلغ من سعة الاطلاع والقدرة الكلامية فيؤلف من مختلف الشعوب أمة تجعل غرضها من الاجتماع إقامة كلمة اللّه في العالم مجردة وجهتها من كل مطمع دنيوي أيا كان نوعه؟ أليس في نجاح القرآن في بناء مجتمعه على هذين الأصلين دليل على أنه روح من أمر اللّه كما قال هو نفسه: {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء}[الشورى: 52].
ومن الأصول التي جاء بها القرآن وسبق إليها كل الأوضاع السابقة عليه الأصول التي أسس عليها العلاقات بين المسلمين وبقية الأمم. فقد صرح أولا أن لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى أو عمل صالح كما تقدم فأسقط بهذا الأصل وهما كثير التسلط على عقول الأمم الراقية في تلك الأزمان ولا يزال متسلطاً على نظائرها إلى اليوم وهو أن أمتهم خير الأمم وأنها خلقت للسيادة على العالم وتسخير شعوبه لإرادتها لا بسبب أصل أدبي عال تقوم عليه، أو غرض كريم تميل إليه، بل لغير سبب إلا أنهم مفترضون ذلك تحكما. فكانت الأمة إذا جاورت الأخرى شنت عليها الغارة فإذا فازت عليها سبت نساءها واجتاحت ثمارها وأسرت رجالها وأحرقت مدنها وجعلتها أثراً تاريخياً، كما فعل الرومانيون بممالك كثيرة.
نعم إن القرآن قد نص على أن المسلمين الأولين كانوا خير الأمم ولكن تنبه معي إلى هذين الأمرين وهما: (أولا) أنه لم يقل أنتم أيها العرب خير الأمم بل قال: »كنتم (المخاطبون المسلمون) خير أمة أخرجت للناس» فهو يخاطب المسلمين والمسلمون كانوا خليطا من عرب وفرس وديلم وزنج الخ وفرق بين تقديس الجنسية وتقديس الهيئة الاجتماعية على اختلاف عناصرها.(الثاني) أن القرآن قرر بأن المسلمين كانوا خير أمة وعلل تلك الخيرية بمبدأ شريف كانوا عليه فقال: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون باللّه}[ال عمران: 110].
ذلك المبدأ الشريف الذي جعلهم خير أمة أخرجت للناس هو أنهم كانوا يأمرون الناس بالخير وينهونهم عن الشر ويؤمنون باللّه إيمانا يمنعهم عن الغي، ويكفهم عن البغي. فالقرآن لم يحكم بتفضيل العرب على العجم بل بتفضيل رجال ذوي مبادىء اجتمعوا عليها من أمم مختلفة على كل من عداهم ممن لا مبادىء لهم.
هذا غيض من فيض من الأصول القرآنية التي أتى القرآن بها وسبق بها كل الأوضاع البشرية التي من نوعها والتي يؤلف مجموعها الصرح الأدبي الفخم لهذه المدنية، فكل ما أوجده علماء القرن السابع والثامن والتاسع عشر من الأصول العقلية والقواعد النظرية مما صححوا به النظر في الوجود والموجودات وتوصلوا به إلى بواهر الاكتشافات، وما أوجدته العلوم الطبيعية من القوانين الحافظة للعقل عن تعدي حدود قواه في تناول المعارف، والملوك في إحشاء المجاهيل كل هذا المحصول الأدبي العظيم الذي بني عليه الرقي المادي الذي نراه بأعيننا في الصناعات، وقام عليه هذا الكمال العقلي في العصر الحاضر، كل هذا مشمول بالنص لا بالتأويل في الأصول التي جاء القرآن بها في القرن السابع الميلادي أي في الحين الذي كانت فيه الإنسانية ترسف في قيود الجهلة، وتهيم في وديان الأضاليل.
نقول هذا الكلام لا من باب الادعاء المجرد عن الدليل ولكني أقوله وأقدم الآيات القرآنية التي تدل عليه، وفيما أتيت عليه هنا مقنع لمن كان له قلب. ومن شاء أن ينظر إلى مبلغ ما في القرآن من ذلك فليتله حق تلاوته ير العجب العجاب. فهل بعد هذا كله يستطيع العقل أن يسلم بأن عربيا بعيدا عن مظان العلم والحكمة، غريبا عن معاهد الشرائع والقوانين، وفي وسط أمة جاهلية لا عهد لها بكتاب سماوي ولا بنظام وضعي، يأتي بمثل هذه الأصول التي تفوق في جلالتها وفخامتها ما يفخر به العلم والعلماء وتتيه به الحكمة والحكماء من محصول العقل والنظر والتأملات والعلوم في القرن العشرين؟.
أي دليل أبلغ من هذا على أن هذا الكتاب وحي إلهي، وأي حجة يريدها من يريد الحجة أقطع منها على صدور هذا الكتاب من علام الغيوب؟.
إن القرآن معجزة ولا شك خالدة تشهد بصدق رسالة محمد وبأنه واحد من أولئك الذين يرسلهم اللّه للأمم بالهدى ودين الحق، بل بأنه أكبرهم شأنا، وأجلهم قدرا، صلوات اللّه عليهم أجمعين.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

علم التفسير

علم التفسير عني المسلمون من لدن صدر الإسلام بتفهم معاني القرآن الكريم بالاستعانة بالأحاديث النبوية ...