ابن الفُرات

ابن الفُرات
(241هـ ـ 312هـ)
هو أبو الحسن علي بن محمد بن موسى بن حسن بن الفرات.
كان وزيرا للخليفة المقتدر باللّه بن المعتضد باللّه وزر له ثلاث دفعات أولها سنة (276)هـ ولم يزل وزيره إلى أن قبض عليه سنة (289)هـ ونكبه ونهب داره وأمواله واستغل أملاكه إلى أن عاد إلى الوزارة الثانية سبعة آلاف ألف دينار.
عاد إلى الوزارة سنة (304)هـ وخلع عليه الخليفة سبع خلع وحمل إليه ثلاثمائة ألف درهم لغلمانه وخمسين بغلا لثقله وخادما وغير ذلك ولم يزل في وزارته إلى أن قبض عليه سنة (306)هـ ثم أعيد إلى الوزارة سنة (311)هـ وكان يوم خروجه من الحبس مغتاظا فصادر أموال الناس وأطلق يد ابنه المحسن فقتل حامد بن العباس الوزير وسفك الدماء ولم يزل على وزارته إلى أن قبض عليه سنة (312)هـ وكان يملك نحو عشرة آلاف ألف دينار أي عشرة ملايين دينار وكان يستغل من ضياعه في كل سنة ألفي ألف دينار (مليونين) وينفقها.
قال أبو بكر محمد بن يحيـى الصولي: مدحته بقصيدة فحصل لي في ذلك اليوم ستمائة دينار وكان كاتباً بليغاً خبيراً.
قال الإمام المعتضد باللّه لعبيد اللّه بن سليمان: قد دُفعتُ إلى مُلك مختل وبلاد خراب ومال قليل وأريد أن أعرف ارتفاع الدنيا لتجري النفقات عليه.
فطلب ذلك عبيد اللّه من جماعة الكتاب فاستمهلوه أشهراً وكان أبو الحسن بن الفرات وأخوه العباس محبوسين منكوبين فأعلما بذلك فعملاه في يومين وأنفذاه. فعلم عبيد اللّه أن ذلك لا يخفى عن المعتضد فكلمه فيهما ووصفها فاصطنعهما. وكانت في دار أبي الحسن بن الفرات حجرة شراب يوجه الناس على اختلاف طبقاتهم إليها وغلمانهم يأخذون منها الأشربة والفقاع والجلاب إلى دورهم وكان يجري الرزق على خمسة آلاف من أهل العلم والدين والبيوت والفقراء فيعطي بعضهم مائة دينار في الشهر وبعضهم أقل من ذلك إلى خمسة دراهم.
قال الصولي: ومن فضائله التي لم يسبق إليها أنه كان إذا رفعت إليه قصة فيها سعاية خرج من عنده غلام فنادى أين فلان بن فلان الساعي؟ فلما عرف الناس ذلك من عادته امتنعوا عن السعاية بأحد.
واغتاظ يوما من رجل فقال اضربوه مائة سوط ثم أرسل رسولا فقال اضربوه خمسين ثم أرسل آخر فقال لا تضربوه وأعطوه عشرين دينارا، فكفاه ما أمر به المسكين من الخوف.
وقال الصولي: أبل ابن الفرات من مرضه وقد اجتمعت الكتب والرقاع عنده فنظر في ألف كتاب ووقع على ألف رقعة فقلنا باللّه لا يسمع بهذا أحد خوفا من العين عليه.
قال الصولي ورأيت من أدبه أنه دعا خاتم الخليفة ليختم به كتابا. فلما رآه قام على رجليه تعظيما للخليفة.
قال ورأيته جالسا للمظالم فتقدم إليه خصمان في دكاكين بالكرخ. فقال لأحدهما رفعت إليّ قصة في سنة (282)هـ في هذه الدكاكين. ثم قال سنك يقصر عن هذا. فقال له ذاك كان أبي. قال نعم وقعت له عليّ قصة رفعها.
وكان ابن الفرات إذا مشى الناس بين يديه غضب وقال أنا لا أكلف هذا غلماني فكيف أكلفه أحرارا لا إحسان لي عليهم.
روى الرئيس أبو الحسن هلال بن المحسن بن أبي إسحق إبراهيم الصابي وحدث القاضي أبو الحسين عبد اللّه بن عباس أن رجلا اتصلت عطلته وانقطعت مادته فزور كتابا من أبي الحسن بن الفرات إلى أبي زنبور المارداني عامل مصر في معناه يتضمن الوصاية به والتأكيد في الإقبال عليه والإحسان إليه. وخرج إلى مصر فلقيه به فارتاب أبو زنبور في أمره لتغير الخطاب على ما جرت به العادة وكون الدعاء أكثر مما يقتضيه محله فراعاه مراعاة قريبة ووصله بصلة قليلة واحتبسه عنده على وعد وعده به وكتب إلى أبي الحسن بن الفرات يذكر الكتاب الوارد عليه وأنفذه بعينه إليه واستثبته فيه فوقف ابن الفرات على الكتاب المزور فوجد فيه ذكر الرجل وأنه من ذوي الحرمات والحقوق الواجبة عليه وما يقال في ذلك مما قد استوفى الخطاب فيه وعرضه على كتابه وعرفهم الصورة فيه وعجب مما أقدم عليه الرجل وقال لهم ما الرأي في أمر هذا الرجل عندكم؟ فقال بعضهم تأديبه أو حبسه. وقال آخر قطع إبهامه لئلا يعاود مثل هذا ولئلا يقتدي به غيره فيما هو أكثر من هذا. وقال أجلهم محضرا يكشف لأبي زنبور قصته ويرسم له طرده وحرمانه.
فقال ابن الفرات ما أبعدكم عن الحرية والخيرية وأنفر طباعكم عنها. رجل توسل بنا وتحمل المشقة إلى مصر في تأميل الصلاح بجاهنا واستمداد صنع اللّه عز وجل بالانتساب إلينا، ويكون أحسن أحواله عند أحسنكم محضرا تكذيب ظنه وتخييب سعيه؟ واللّه لا كان هذا أبدا.
ثم أنه أخذ العلم من دواته ووقع على الكتاب المزور هذا كتابي ولست أعلم لم أنكرت أمره واعترضتك شبهة فيه وليس كل من خدمنا ووجب حقا علينا تعرفه. وهذا رجل خدمني في أيام نكبتي وما أعتقده في قضاء حقه أكثر مما كلفتك في أمره من القيام به، فأحسن تفقده ووفر رفده وصرّفه فيما يعود عليه نفعه ويصل إلينا فيما تحقق ظنه وتبين موقعه.
فلما مضت على ذلك مدة طويلة دخل على أبي الحسن بن الفرات رجل ذو هيئة مقبولة وبزة جميلة وأقبل يدعو له ويثني عليه ويبكي ويقبل الأرض.
فقال له ابن الفرات: من أنت بارك اللّه فيك وكانت هذه كلمته فقال صاحب الكتاب المزور إلى أبي زنبور الذي صححه كرم الوزير وتفضله فعل اللّه به وصنع.
فضحك ابن الفرات وقال: كم وصل إليك منه؟ قال وصل إليّ من ماله، وتقسط قسطه من عمله ومعامليه وعمل صرفني فيه عشرون ألف دينار.
فقال ابن الفرات: الحمد للّه ألزمنا فإنا نعرضك لما يزداد به صلاح لك. ثم اختبره فوجده كاتبا سديدا فاستخدمه وأكسبه مالا جزيلا.
قتل نازوك صاحب الشرطة أبا الحسن بن الفرات بأمر الخليفة سنة (312)هـ وكان مولده سنة (241)هـ وكان عمر ابنه المحسن بن أبي الحسن بن الفرات يوم قتل ثلاثا وثلاثين سنة.
من غريب الأخبار أن زوجة الحسن أرادت أن تختن ابنها بعد قتل أبيه فرأت الحسن في منامها فذكرت له تعذر النفقة فقال لها إن لي عند فلان عشرة آلاف دينار أودعته إياها فانتبهت فأخبرت أهلها فسألوا الرجل فاعترف وحمل المال عن آخره.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

جرجس شلحت

جرجس شلحت (1285 ـ 1346هـ ـ 1868 ـ 1928م) جرجس بن يوسف بن رافائيل بن ...