ابن سبكتكين

ابنُ سُبُكْتُكين
هو أبو القاسم محمود بن ناصر الدولة أبي منصور. (سبكتكين).
كان يلقب سيف الدولة ثم لقبه القادر باللّه الخليفة العباسي لما جعله سلطانا بعد موت أبيه يمين الدولة وأمين الدولة واشتهر به. وكان والده سبكتكين قد ورد مدينة بخاري في أيام نوح ابن منصور أحد ملوك السامانية وكان وروده صحبة أبي إسحق بن بلكتين وهو حاجبه. فرأى فيه أركان تلك الدولة شهامة وقوة ولما خرج أبو إسحق المذكور إلى غزنة واليا عليها انصرف معه سبكتكين قائدا لجيشه فمات أبو إسحق بعد وصوله إليها ولم يكن من أهل قرابته من يصلح للإمارة فاختار خاصته سبكتكين ليكون أميرا بدله لما رأوا فيه من الكفاءة والجدارة فبايعوه وانقادوا له فلما استتب له الأمر أخذ في غزو أطراف الهند فجرت بينه وبين الهنود حروب كان النصر حليفه فيها فافتتح قلاعا ومدائن ونال غنائم كثيرة فاتسع ملكه وهابته الأمم المجاورة له وكان من ضمن ملكه ناحية بست فاستفاد منها الشاعر المشهور أبا الفتح علي بن محمد البستي فاعتمد عليه وقربه منه.
ثم إن الأمير سبكتكين وصل إلى بلخ فمرض بها فهم بالرجوع إلى غزنه فمات بالطريق سنة (378) هـ. ونقل تابوته إلى غزنة ورثاه شعراء عصره ومنهم البستي المقدم ذكره فمن ذلك قوله:
قلت إذ مات ناصر الدين
والدّولة حباه ربه بالكرامة
وتداعت جموعه بافتراقه
كذا هكذا تكون القيامة
واجتاز بعضهم بداره وقد تشعثت بعد موته وتغير حالها فأنشد:
عليك سلام اللّه من منزل قفر
فقد هجت لي شوقا قديما وما تدري
عهدتك من شهر جديدا ولم أخل
صروف الردى تبلى مغانيك في شهر
وكان الأمير المذكور قد جعل ولي عهد من بعده ولده إسماعيل استخلفه على الأعمال وأوصى إليه بأولاده وخاصته فتولى وجمع حجابه وقواده على طاعته ومتابعته وكان أخوه السلطان محمود بخراسان مقيما بمدينة بلخ فلما بلغه خبر موت والده كتب لأخيه كتابا قال فيه إن أبي لم يستخلفك دوني إلا لكونك كنت عنده وأنا كنت بعيدا عنه ولو أوقف الأمر على حضوري لبانت مقاصده. ومن المصلحة أن نتقاسم الأموال بالميراث فأنت تكون بغزنة وأنا بخراسان ندبر الأمور ونتفق على المصالح فلا يطمع فينا عدو. ومتى ما ظهر فينا للناس اختلاف طمعوا فينا.
فأبي إسماعيل بن سبكتكين موافقته على ذلك وكان فيه لين ورخاوة فطمع فيه الجند وطالبوه بالمال فاستنفد في مرضاتهم الخزائن. ثم خرج محمود أخوه إلى هراة وكاتبه ثانية وهو لا يزداد إلا اعتياصا فدعا محمود عمه بغراجق إلى الاتحاد معه على أخيه فلبى طلبه. وكان أخوة أبو الظفر نصر سبكتكين أميرا بناحية بست فنهض إليه وعرض إليه الانقياد لمتابعته ومشايعته على أغراضه. فلما قوي جانب محمود قصد أخاه إسماعيل بالجيوش فحاصرها حصارا شديدا ثم فتحها عنوة وانحاز إسماعيل إلى القلعة واعتصم بها ثم طلب الأمان فأجابه إلى سؤله ونزل على حكمه وتسلم منه مفاتيح الخزائن ورتب في غزنة هيئة حكومة منتظمة وانحدر إلى بلخ. وكان السلطان محمود قد اجتمع بأخيه إسماعيل في مجلس أنس بعد ظفره به فسأله عما كان في نفسه أنه يعتمده في حقه لو ظفر به فحملته نشوة السكر على أن باح به بذات صدره فقال له كان في عزمي أن أسيرك إلى بعض القلاع موسعاً عليك فيما تقترحه من دار وغلمان وجوار ورزق على قدر الكفاية فعامله بجنس ما كان نواه له وسيره إلى بعض الحصون وأوصى به الوالي أن يمكنه مما يشتهي.
لما انتظم الأمر للسلطان محمود واستتب له الحال وكان في بعض بلاد خراسان نواب لصاحب ما وراء النهر من ملوك بني سامان فجرى بين السلطان محمود وبينهم حروب انتصر فيها عليهم وملك بلاد خراسان وانقطعت الدولة السامانية منها وذلك سنة (389)هـ فسير له الإمام القادر باللّه الخليفة العباسي خلعة السلطنة ولقب بالألقاب المذكورة في أول ترجمته وتبوأ سرير المملكة وقام بين يديه أمراء خراسان سماطين مقيمين برسم الخدمة وملتزمين حكم الهيبة وأجلهم بعد الإذعان العام على مجلس الأنس وأمر لكل واحد منهم ولسائر غلمانه وخاصته ووجوه أوليائه وحاشيته من الخلع والصلات ونفائس الأمتعة بما لم يسمع بمثله واتسعت الأمور عن آخرها في كنف أيالته، واستوثقت الأعمال في ضمن كفالته، وفرض على نفسه في كل عام غزو الهند.
ثم إنه ملك سجستان في سنة (393)هـ بدخول قوادها وولاة أمرها في طاعته من غير قتال ولم يزل يفتح في بلاد الهند حتى انتهى إلى حيث لم تبلغه في الإسلام راية، ولم تقل به قط سورة ولا آية، فرحض عنها أدناس الشرك وبنى بها مساجد وجوامع وتفصيل حاله يطول شرحه.
ولما فتح بلاد الهند كتب إلى ديوان العزيز ببغداد كتابا يذكر فيه ما فتح اللّه تعالى على يديه من بلاد الهند وأنه كسر الصنم المعروف بسومنان وذكر في كتابه أن هذا الصنم عند اليهود يحيى ويميت، ويفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وإنه إذا شاء أبرأ من جميع العلل وربما كان يتفق لشقوتهم إبراء عليل يقصده فيوافقه طيب الهواء وكثرة الحركة فيزيدون به افتتانا ويقصدونه من أقاصي البلاد رجالا وركبانا. ومن لم يصادف منهم انتعاشا احتج بالذنب وقال إنه لم يخلص له الطاعة ولم يستحق منه الإجابة.
ويزعمون أن الأرواح إذا فارقت الأجساد اجتمعت لديه على مذهب أهل التناسخ فينشيها فيمن يشاء، وإن مد البحر وجزره عبادة له قدر طاقته. وكانوا بحكم هذا الاعتقاد يحجونه من كل صقع بعيد ويأتون من كل فج عميق ويتحفونه بكل مال نفيس. ولم يبق في بلاد الهند والسند على تباعد أقطارها وتفاوت أديانها ملك ولا سوقة إلا تقرب إلى هذا الصنم بما عز عليه من أمواله وذخائره حتى بلغت أوقافه عشرة آلاف قرية مشهورة في تلك البقاع.
وامتلأت خزانته من أصناف الأموال وفي خدمته من البراهمة ألف رجل يخدمونه وثلاثمائة رجل يحلقون رؤوس حجيجه ولحاهم عند الورود إليه وثلاثمائة آخرون وخمسمائة إمرأة يغنون ويرقصون عند بابه ويجرى من مال الأوقاف المرصدة له لكل طائفة من هؤلاء رزق معلوم. وكان بين المسلمين وبين القلعة التي فيها الصنم مسيرة شهر في مفازة موصوفة بقلة المياه وصعوبة المسالك واستيلاء الرمل على طرقها فسار إليها السلطان محمود في ثلاثين ألف فارس جريدة مختارة من بين عدد كثير وأنفق عليهم من الأموال مالا يحصى فلما وصلوا إلى القلعة وجدوها حصنا منيعا وفتحوها في ثلاثة أيام ودخلوا بيت الصنم وحوله من أصنام الذهب المرصع بأصناف الجواهر عدة كثيرة محيطة بعرشه ويزعمون أنها الملائكة. وأحرق المسلمون الصنم المذكور فوجدوا في أنفه نيفا وثلاثين حلقة فسألهم محمود عن معنى ذلك فقالوا كل حلقة عبادة ألف سنة وكانوا يقولون بقدم العالم ويزعمون أن هذا الصنم يعبد أكثر من ثلاثين ألف سنة. وكلما عبدوه ألف سنة علقوا في أذنه حلقة. وبالجملة فإن شرح ذلك يطول.
وذكر ابن الأثير في تاريخه أن بعض الملوك بقلاع الهند أهدى له هدايا كثيرة من جملتها طائر على هيئة القمرى من خاصيته أنه إذا أحضر الطعام وفيه سم دمعت عينا هذا الطائر وجرى منهما ماء وتحجر إذا حك وإذا وضع على الجراحات الواسعة ألحمها. ذكر ابن الأثير ذلك في حوادث (سنة 404) هـ.
وقد جمع سيرة السلطان محمود أبو النصر محمد بن عبد الجبار العتبي الفاضل في كتاب سماه اليميني وهو مشهور.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

يوسف ياسين

يوسف ياسين (1309 ـ 1381هـ/1892 ـ 1962م) يوسف بن محمد ياسين. من كبار العاملين في ...