ابن فضل اللّه العمري

ابن فضل اللّه العمري
هو شهاب الدين فضل اللّه أحمد بن يحيـى بن فضل اللّه ينتهي نسبه إلى عمر بن الخطاب كان يكنى أبا العباس.
قال صلاح الدين الصفدي في حقه: هو الإمام الفاضل البليغ المفوه الحافظ حجة الكتاب إمام أهل الأدب أحد رجالات الزمان كتابة وترسلا، وتوسلا إلى غايات المعالي وتوصلا، وإقداما على الأسود في غاباتها، وإرغاما لأَعدائه بمنع رغائها، يتوقد ذكاء وفطنة ويتلهب، وينحدر سيله مذكرة وحفظا، ويتصبب ويتدفق بحره بالجواهر كلاماً، ويتألق إنشاؤه بالبوارق المستعمرة نظاماً، ويقطر كلامه فصاحة وبلاغة، وتندي عبارته انسجاما وصياغة، وينظر إلى غيب المعاني من ستر رقيق، ويغوص في لجة البيان فيظفر بكبار اللؤلؤ من البحر العميق، قد استوت بديهته وارتجاله، وتأخر عن فروسيته من هذا الفن رجاله، يكتب من رأس قلمه يديها، ما يعجز القاضي الفاضل أن يدانيه تشبيها، وينظم من المقطوع والقصيدة جوهرا، يخجل الروض الذي باكره الحيا مزهرا، صرف الزمان أمرا ونهيا، ودبر الممالك تنفيذا ورأيا، ووصل الأرزاق بقلمه، ورويت تواقيعه وهي سجلات لحكمه وحكمه، لا أرى أن اسم الكاتب يصدق على غيره، ولا يطلق على سواه:
لا يعمل القول المكرر
منه والرأي المسدد
ظن يصيب به القلوب
إذا توخى أو تعمد
كالسيف يقطع وهو مسـ
ـلول ويرهب حين يغمد
إلى أن يقول: هذا ما فيه من لطف وسعة صدر وبشر محيا. رزقه اللّه أربعة أشياء لم أرها اجتمعت في غيره وهي الحافظة فما طالع شيئا إلا كان مستحضرا لأَكثره، والذاكرة التي إذا أراد ذكر شيء من زمن متقدم كان ذلك حاضرا كأنه إنما مر به بالأمس، والذكاء الذي يتسلط به على ما أراد، وحسن القريحة في جودة وسرعة. وأما نظمه فلعله لا يلحقه فيه إلا الأفراد. وأضاف اللّه تعالى له إلى ذلك كله حسن الذوق الذي هو العمدة في كل فن وهو أحد الأدباء الكملة الذين رأيتهم وأعني بالكملة الذين يقومون بالأدب علما وعملا في النظم والنثر ومعرفة تراجم أهل عصره ومن تقدمهم على اختلاف طبقاتهم وبخطوط الأفاضل وأشياخ الكتابة ثم أنه شارك من رأيته من الكملة في أشياء وانفرد عنهم بأشياء وبلغ فيها الغاية لأنه جود في الإنشاء والنثر وهو فيه آية، والنظم وسائر فنونه والترسل البارع عن الملوك ولم أرَ من يعرف تواريخ الملوك المغول من لدن جنكيزخان، وهلم جرا معرفته وكذلك ملوك الهند والأتراك. ومعرفة الممالك والمسالك وخطوط الأقاليم والبلدان وخواصها فإنه فيها إمام وقته. وكذلك معرفة الاصطرلاب وحل التقاويم وصور الكواكب وقد أذن له العلامة شمس الدين الأصفهاني في الإفتاء على مذهب الشافعي رضي اللّه عنه فهو حينئذٍ أكمل الكملة الذين رأيتهم. ولقد استطرد الكلام يوما في ذكر القضاة فسرد ذكر القضاة الأربعة الذين عاصرهم شاما ومصرا وألقابهم وأسمائهم وعلامة كل قاض منهم حتى إني ما كدت أقضي بالعجب مما رأيت.
ولد بدمشق ثالث شوال سنة سبع مائة قرأ العربية أولا على الشيخ كمال الدين بن قاضي شهبة ثم على قاضي القضاة شهاب الدين بن المجد عبد اللّه وعلى الشيخ برهان الدين الفزاري. وقرأ الأحكام الصغرى على الشيخ تقي الدين بن تيمية والعروض على الشيخ شمس الدين بن الصائغ وعلاء الدين الوداعي. وقرأ عليه جملة من دواوين العرب، والأصول على الشيخ شمس الدين الأصفهاني وأخذ اللغة عن الشيخ أثير الدين وصنف فواضل السمر في فضائل آل عمر أربع مجلدات. وكتاب مسالك الأبصار في ممالك الأمصار في عشرين مجلداً كباراً وهو كتاب حافل ما أعلم أن لأحد مثله، والدعوة المستجابة، وصبابة المشتاق والمدائح النبوية مجلد، وسفرة السفرة ودمعة الباكي ويقظة الساهر. ونفحة الروض. ونظم كثيراً من القصائد والأراجيز والمقطعات والدوبيت والموشح والبليق وأنشأ كثيراً من التقاليد والمناشير والتواقيع ومكاتبات الملوك وغير ذلك ومن شعره:
سل شجيا عن فؤاد نزحا
وخليا فيهم كيف صحا
ومحبا لم يذق بعدهم
غير تبريح بهم ما برحا
الدمع بذكرى لهم
مثل خديْ من سقاه القدحا
زاره الطيف وهذا عجب
شبح كيف يلاقي شبحا
وقال:
أأحبابنا والعذر منا إليكما
إذا ما شغلنا بالنوى أن نودعا
أبثكم شوقا أباري ببعضها
حمام العشايا رنة وتوجعا
أبيت سمير البرق قلبي مثلها
قضي به الليل التمام مروعا
وما هو شوق مدة ثم ينقضي
ولا أنه يلقي محبا مفجعا
ولكنه شوق على القرب والنوى
أغص الأماقي مدمعا ثم مدمعا
ومن فارق الأحباب في العمر ساعة
كمن فارق الأحباب في العمر أجمعا

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

محمد العطار

محمد العطار (1717م ـ 1744م) هو ابن عبيد بن عبد الله بن عسكر الشهير بالعطار ...