الإنسان

الإنسان
الإنسان بالكسر وسكون النون. قال الإمام الرازي في التفسير الكبير في تفسير قوله تعالى: {قل الروح من أمر ربي}[الإسراء: 85]. اعلم أن العلم العلم الضروري حاصل بأن ههنا شيئاً يشير إليه الإنسان بقوله أنا، فالمشار إليه إما أن يكون حساً أو عرضاً أو مجموعهما، أو شيئاً مغايراً لهما أو ما يتركب منهما، ومن ذلك الشيء الثالث.
القسم الأول:
القسم الأول هو أن يقال إن الإنسان جسم فذلك الجسم إما هذه البنية المخصوصة أو جسم داخل في هذه البينة أو جسم خارج عنها.
إن القائلين الإنسان عبارة عن هذه البينة المخصوصة المحسوسة وعن هذا الهيكل المجسم المحسوس، فهم جمهور المتكلمين. وهذا القول باطل عندنا لأن العلم البديهي حاصل بأن أجزاء هذه الجثة متبدلة زيادة ونقصاناً بحسب النمو والذبول والسمن والهزال، وزيادة عضو من الأعضاء وإزالته. ولا شك أن المتبدل المتغير مغاير للثابت الباقي ولأن كل أحد يحكم بصريح عقله بإضافة كل من أعضائه إلى نفسه، فيقول رأسي وعيني ويدي، والمضاف غير المضاف إليه. وقول الإنسان نفسي وذاتي يراد به البدن فإن نفس الشيء كما يراد به ذاته التي إليها يشير كل أحد بقوله أنا، كذلك يراد به البدن، ولأن الإنسان قد يكون حياً مع كون البدن ميتاً، قال الله تعالى: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أموتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون}[آل عمران: 169]. وقال تعالى: {النار يعرضون عليها غدواً وعشيراً}. وقال {أغرقوا فأدخلوا ناراً}[نوح: 25]ومثل هذه الآيات كثيرة دالة على تعاير الإنسان والبدن، ولأن جميع فرق الدنيا من الهند والروم والعرب والعجم وجميع أرباب الملل من اليهود والنصارى والمجوس والمسلمين وغيرهم يتصدقون عن موتاهم ويدعون لهم بالخير، ولولا أنهم بعد موت الجسد بقوا أحياء لكان التصدق والدعاء لهم عبثاً. فهذه الدلائل تدل على أن الإنسان ليس بجسم، وأن الإنسان غير محسوس لأن حقيقته مغايرة للسطح واللون، وكل ما هو مرئي فهو السطح واللون، فثبت أن الإنسان ليس جسماً ولا محسوساً فضلاً عن كونه جسماً محسوساً.
وأما أن الإنسان جسم موجود في داخل البدن ففيه أقوال، وضبطها أن الأجسام الموجودة في هذا العالم السفلي إما أن تكون أحد العناصر الأربعة أو تكون متولدة من امتزاجها، ويمتنع أن يحصل في البدن الإنساني جسم عنصري خالص، فلا بد أن يكون الحاصل جسماً متولداً من امتزاجها.
أما الجسم الذي تغلب عليه الأرضية فهو الأعضاء الصلبة الكثيفة كالعظم واللحم والشحم والعصب ونحوها، ولم يقل أحد من العقلاء الذين قالوا إن الإنسان شيء مغاير لهذا الجسد بأنه عبارة عن أحد هذه الأعضاء لأنها كثيفة ثقيلة طلمانية.
وأما الجسم الذي تغلب عليه المائية فهو الأخلاط الأربعة، ولم يقع في شيء منها أنه الإنسان إلا في الدم، فإن منهم من قال إنه هو الروح لأنه إذا خرج لزم الموت.
وأما الجسم الذي تغلب عليه الهوائية والنارية فهو الأرواح فهي أجسام هوائية مخلوطة بالحرارة الغريزية متولدة إما في القلب أو في الدماغ، وقالوا: إنها هي الروح وهي الإنسان. ثم اختلفوا فمنهم من يقول: إنه جزء لا يتجزأ في الدماغ، ومنهم من يقول الروح عبارة عن أجزاء نارية مختلطة بهذه الأرواح القلبية والدماغية وتلك الأجزاء النارية المسماة بالحرارة الغريزية هي الإنسان. ومن الناس من يقول الروح عبارة عن أجسام نورانية سماوية لطيفة الجوهر على طبيعة ضوء الشمس، وهي لا تقبل التحلل والتبدل، ولا التفرق والتمزق، فإذا تكون البدن وتم استعداده وهو المراد بقوله تعالى: {فإذا سويته نفذت تلك الأجسام الشريفة السماوية الإلهية في داخل أعضاء البدن نفاذ النار في الفحم ونفاذ دهن السمسم في السمسم ونفاذ ماء الورد في الورد}. ونفاذ تلك الأجسام في البدن هو المراد بقوله: {ونفخت فيه من روحي}[الحجر: 29]ثم إن البدن ما دام يبقى سليماً قابلاً لنفاذ تلك الأجسام الشريفة فيه بقي حياً، فإذا تولدت في البدن أخلاط غليظة منعت تلك الأخلاط لغلظها سريان تلك الأجسام الشريفة فيها فانفصلت عن هذا البدن ولزم الموت، فهذا مذهب قوي شريف يجب التأمل فيه، فإنه سديد بالمطابقة بما ورد في الكتب الإلهية من أحوال الحياة والموت. وأما أن الإنسان جسم موجود خارج البدن فلا يعرف أحد ذهب إليه.
القسم الثاني:
والقسم الثاني هو أن يقال إن الإنسان عرض في البدن. فهذا القول لا يقول به عاقل لأنه موصوف بالعلم والقدرة والتدبير والتصرف، ومن كان كذلك كان جوهراً لا عرضاً، بل الذي يمكن أن يقال به هو الإنسان بشرط أن يكون موصوفاً بأعراض مخصوصة، وعلى هذا التقدير فللناس فيه أقوال:
القول الأول: إن العناصر إذا امتزجت وانكسرت سورة كل واحد منها بسورة الآخر حصلت كيفية معتدلة هي المزاج. ومراتب المزاج غير متناهية فبعضها إنسانية وبعضها فرسية، فالإنسانية عبارة عن أجسام موصوفة بكيفيات مخصوصة متولدة عن امتزاجات أجزاء العناصر بمقدار مخصوص، وهذا قول جمهور الأطباء ومنكري النفس. ومن المعتزلة قول أبي الحسين.
والقول الثاني: إن الإنسان عبارة عن أجسام مخصوصة بشرط كونها موصوفة بصفة الحياة والعلم والقدرة، وهي أعراض قائمة بالجسم، وهؤلاء أنكروا الروح والنفس، وقالوا ليس ههنا إلا أجسام مؤتلفة موصوفة بهذه الأعراض المخصوصة، وهذا مذهب أكثر شيوخ المعتزلة.
والقول الثالث: إن الإنسان عبارة عن أجسام موصوفة بأشكال مخصوصة بشرط أن تكون أيضاً موصوفة بالحياة والعلم والقدرة. والإنسان يمتاز عن سائر الحيوانات بشكل جسده وهذا مشكل لأن الملائكة قد يشتبهون بصور الناس، وفي صورة المسخ معنى الإنسانية حاصل مع أن هذه غير حاصلة، فبطل اعتبار الشكل والصورة في حصول معنى الإنسانية طرداً وعكساً.
القسم الثالث:
وأما القسم الثالث: فهو أن يقال الإنسان موجود ليس بجسم ولا جسماني، وهذا قول أكثر الإلهيين من الفلاسفة القائلين بفناء الجسم المثبتين للنفس معاداً روحانياً وثواباً وعقاباً روحانياً، وذهب إليه جماعة من العلماء كالراغب الأصفهاني ومن المعتزلة يعمر عباد السلمي (توفي عام 215 هـ). ومن الشيعة محمد بن النعمان بن عبد السلام العكبري الملقب بالشيخ المفيد، ومن الكرامية جماعة. وإلى هذا القول ذهب جماعة من أصحاب الريضات.
القسم الرابع:
وأما القسم الرابع وهو أن الإنسان مركب من تلك الثلاثة فنقول: إعلم أن القائلين بإثبات النفس فريقان. الفريق الأول وهم المحققون منهم قالوا: إن الإنسان عبارة عن هذا الجوهر المخصوص وهذا البدن آلته ومنزله ومنزلته. وعلى هذا التقدير فالإنسان غير موجود في داخل العالم ولا في خارجه وغير متصل بالعالم ولا منفصل عنه، ولكن له تعلقاً بالبدن تعلق التدبير والتصرف، كما أن إله العالم لا تعلق له بالعالم إلا تعلق التصرف والتدبير.
والفريق الثاني: الذين قالوا: النفس إذا تعلقت بالبدن اتحدت بالبدن فصارت النفس غير البدن والبدن غير النفس، ومجموعهما عند الإتحاد هو الإنسان، فإذا جاء وقت الموت بطل هذا الاتحاد وبقيت النفس وفسد البدن.
هذه الأقوال هي جملة مذاهب الناس في الإنسان. وقال بعض الصوفية: الإنسان هو هذا الكون الجامع. والإنسان الكامل الحقيقي هو البرزخ بين الوجوب والإمكان. وفي كتاب التعريفات للجرجاني: الإنسان الكامل هو الجامع لجميع العوالم الإلهية والكونية الكلية والجزئية، وهو كتاب جامع للكتب الإلهية والكونية. فمن حيث روحه وعقله كتاب عقلي مسمى بأم الكتاب. ومن حيث قلبه كتاب اللوح المحفوظ ومن حيث نفسه كتاب المحو والإثبات، فنسبة العقل الأول إلى العالم الكبير وحقائقه بعينها نسبة الروح الإنساني إلى البدن وقواه، وأن النفس الكلية قلب العالم الكبير، كما أن النفس الناطقة قلب الإنسان. ولذلك يسمى العالم بالإنسان الكبير.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الأجل

الأجل بفتح الألف والجيم لغة هو الوقت المضروب المحدود في المستقبل. وأجل الحيوان أو الإنسان ...