الحرم المكي

الحرم المكي

كان الحرم المكي في مدة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على حدود المطاف قبل التوسعات السعودية وهي حدوده القديمة من عهد إبراهيم عليه السلام. فلما كثر سواد المسلمين زاد فيه عمر وعثمان شيئاً مما اشترياه من الدور التي كانت حوله وزاد فيه عبد اللّه بن الزبير عند ما بنى الكعبة وأقام ما كان تهدم منه. وكذلك زاد فيه الوليد بن عبد الملك وعمره عمارة تذكر فتشكر وهو أول من نقل إليه أساطين الرخام. واهتمام الوليد بالعمارات لا ينكر يعرفه من شاهد قبة الصخرة بالقدس الشريف ورأى ما بقي فيها من آثار الموزاييك الذهبية وغيرها من أعمال القيشاني التي تدهش العقل ويحار فيها الفكر ويوجد في المسجد الأموي بدمشق إلى الآن شيء من أثر عمارته لم تصل إليه يد الحريق وبه أعمال موازييك ذهبية بديعة جداً على حائطي الصحن الجنوبي والغربي.
ولما حج الخليفة محمد المهدي سنة (160) هـ ورأى أن البيت ليس في وسط المسجد فاشترى كثيراً من البيوت خصوصاً في الجهة الشرقية القبلية وزادها في المسجد وأدخل إليه كثيراً من الأزورارات التي كانت فيه وكانت في ملكية الغير ثم أتى من بعده ابنه الهادي فأكمل ما نقص في مدة والده.
وكانت دار الندوة عامرة بالحرم تجاه الكعبة من الجهة الشمالية الغربية وكان ينزل بها الخلفاء والأمراء في حجهم في صدر الإسلام ولكنها أهمل أمرها في منتصف القرن الثالث الهجري فأخذ يهدم بناؤها فكتب في ذلك إلى الخليفة المعتضد العباسي فأمر بها فهدمت في سنة إحدى وثمانين ومائتين وجعلت مسجداً وفيها قبلة إلى الكعبة ثم جعلوا له قبة عالية ثم غير شكلها فيما بعد إلى شكل آخر واستمر يصلي فيها الإمام الحنفي إلى أن أتى الأمير كلدي أمير مكة في سنة (957) هـ فهدمها وبنى المقام مربعاً ذا طبقتين الأولى للإمام والمصلين والثانية للمؤذنين والمبلغين وهو على هذا الشكل إلى الآن.
وفي سنة (802) هـ احترق الرواق الشرقي فأمر الملك الناصر فرج بن برقوق ملك مصر بتعمير ما خرب منه ووضع بدل الأعمدة الرخام التى احترقت أعمدة من الحجر الشمسي ومن ثم كانت تقوم بعمارة الحرم ملوك مصر وحسبك العمارة التي قام بها السلطان قايتباي في سنة (886) هـ.
وفي سنة (979) هـ مال الرواق الشرقي من الحرم ميلاً محسوساً فأمر السلطان سليم الثاني بأن يرسل المعماريون والمهندسون والصناع من جميع الأصقاع لعمارته فأنزلوا سقفه جميعه وأساطينه كلها وهدموا محيطه وبنوه على التربيع الحالي وأقاموا أعمدة الرخام بين أساطين حجرية متناسبة الوضع وبنوا عليها قباباً بدل السقوف التي كانت تطحنها يد الرطوبة المتخلفة من الأمطار مع ما كان يكثر فيها من الحيوانات التي اشتهرت بعداوتها للأخشاب كالأرضة والسوس وغيرهما من الحشرات المضرة وفي أثناء هذه العمارات مات السلطان وكان الذي انتهى منها الجانب الشرقي والشمالي فقط أعنى من باب العمرة. ولما تولى السلطان مرادخان أمر بتتميم العمارة على الوجه الذي كان قد أمر به والده فتمت على أحسن حال بالشكل الذي نراه الآن وليس لمن بعده من السلاطين بهذا الحرم إلا عمارات ترميمية أو تكميلية.
وفي هذه العمارة نزل العمال بأرضية الشارع الموصل إلى المسفلة بحيث صار يصرف ما عساه يدخل إلى الحرم من مياه السيول التي كثيراً ما كانت سبباً في نقض أركانه وهدم بنيانه. وكانت الزيادات التي تتخلف من الدور التي دخلت في تربيع الحرم الشريف في كل عماراته يبنى بعضها مدارس وبعضها أروقه يسكن فيها فقراء طلبة العلم في المسجد وكان لها أوقاف جمة ولكن كثيراً ما تغيرت أوقافها واستبدلت بغيرها أو خرجت من يد واقف إلى يد غيره أقوى منه ومن ذلك مدرسة قايتباي التي لا تزال للآن على يسار الداخل من باب السلام فإنها بعد أن كانت مدرسة تدرس فيها علوم الدين ولها أوقاف بمصر تصرف غلاتها عليها ضعفت أوقافها شيئاً فشيئاً فنقلوها من علم إلى دار ضيافة كان ينزل إليها أمراء الحج المصري ثم صار يسكنها بعض أشراف ذوي غالب وهي في أيديهم إلى الآن ولا يزال المحملان المصري والشامي يوضعان في أيام وجودهما بمكة لصق حائطها الذي من داخل الحرم وبجوارهما من الخدم ما يقوم بحراستهما وعلى باب السلام مدرسة يقال لها المدرسة السليمانية بها كتبخانة تقدم للكلام عليها في مكة.
والحرم من داخله على شكل مربع (منتظم تقريباً) وفي وسطه بميل إلى الزاوية الجنوبية الكعبة المكرمة وطول ضلع الحرم المقابل للحطيم وهو الذي فيه باب الزيادة مائة وأربعة وستون متراً وطول الذي يقابله وهو الذي فيه باب الصفا مائة وستة وستون متراً وضلعه الذي فيه باب السلام مائة متر وثمانية والذي يقابله وهو الذي فيه باب إبراهيم مائة وتسعة أمتار فيكون مسطحه من الداخل سبعة عشر ألف وتسعمائة واثنين من الأمتار المربعة وهو ما يزيد عن أربعة أفدنة وربع. أما من الخارج فمتوسط طوله مائة واثنان وتسعون متراً وعرضه مائة واثنان وثلاثون متراً (وهذا حسب تحقيق المرحوم محمد صادق باشا أمير الحاج المصري) ويحيط بالحرم من داخله أربعة أروقة فيها ثلاث مائة واحد عشر عموداً يتخللها مائتان وأربع وأربعون أسطوانة من الحجر الشمسي الأحمر تقوم عليها قباب على محيط المسجد وعلى بعض هذه العمد كتابه محفورة فيها تدل على ما كان لبعض الملوك من العمارة لمسجد أو من الأعمال التي فيها نفع للمسلمين كأبطال المكوس ونحو ذلك ومن هذه الأعمدة عمود بقرب باب الحزورة لا يزال منقوشاً عليه عهد كتبه الأشرف شعبان.
وأبواب الحرم ثمانية في الجهة الشمالية: وهي باب الذريبة، وباب المدرسة وباب المحكمة، وباب الزيادة وبجواره إلى الغرب باب القطبي، وباب الباسطية، وباب الزمامية. ثم باب عمرو بن العاص. ويليه من الجانب الغربي أولها باب العمرة، وباب إبراهيم، ثم باب الحزور. ويليه من الجهة الجنوبية سبعة أبواب: أولها باب أم هاني وباب العجلة، (ويسمونه باب التكية)، وباب الرحمة (أو المجاهدية)، باب أجياد (أو السنبلة) وباب الصفا، وباب بني مخزوم ثم باب بازان، ويلي ذلك من الجهة الشرقية أربعة أبواب: وهي باب بني هاشم (أو باب علي) وباب العباس (أو باب الجنائن) وباب النبي، وباب السلام وهو الذي يدخل منه إلى الحرم عند طواف القدوم ومجموع هذه الأبواب اثنإ وعشرون باباً، ولكن منها ما له مدخل واحد ومنها ما له مدخلان أو ثلاثة أو خمسة فيكون مجموعها تسعة وثلاثون مدخلاً.
وفي المسجد ست منارات: الأولى منارة باب العمرة وهي من أعمال الخليفة المنصور العباسي في عمارته للمسجد سنة مائة وثلاثين، ومنارة باب السلام. ومنارة باب علي، ومنارة الحزورة وهي من أعمال المهدي العباسي في عمارته للمسجد سنة مائة وثماني وستين، ومنارة باب الزيادة وهي من أعمال المعتضد العباسي سنة مائتين وأربع وثمانين، ومنارة السلطان قايتباي. وقد حصلت في جميعها ترميمات وزيادات في مدة العمارة التي قام بها السلطان سليم الثاني في المسجد، وكلها باقية للآن يؤذن عليها في الأوقات الخمس.
وعلى حدود المطاف تلقاء كل ضلع من أضلاع البيت، سقيفة قامت على أعمدة من الرخام. فالشمالية منها مصلى الإمام الحنفي، والغربية للإمام المالكي، والجنوبية للإمام الحنبلي، أما الإمام الشافعي فيصلي في مقام إبراهيم أو في المطاف مما يلي الكعبة مباشرة جاعلاً بابها على يساره، والحنفي يبتدىء بالصلاة في جميع الأوقات ثم يتلوه المالكي ثم الشافعي ثم الحنبلي، إلا صلاة الصبح فيبدأ بها الشافعي ويتأخر بها عنهم الحنفي. ومما يلاحظ في الحرم أن أهل كل جهة من العالم الإسلامي يجلسون عادة في الجهة التي يستقبلون فيها الكعبة في بلادهم. فالأعاجم تجدهم عند باب السلام، والشوام والأتراك بينه وبين باب الزيادة والمصريون وراء المقام المالكي، واليمانيون والجاوة والهنود وراء المقام الحنبلي.
وللحرم صحن كبير غير مسقوف تقطعه مماش محجورة، وما بينها أرض زلط دون الفولة يسمونها الحصباء، وأول من حصب أرضية الحرم عمر رضي اللّه عنه، والكعبة في وسط صحن المسجد بميل إلى الجنوب ويليها من الشرق مقام إبراهيم وفي جنوبه الشرقي قبة زمزم بناها أبو جعفر المنصور في سنة مائة وخمسة وأربعين وفرش أرضها بالرخام، وعملها المأمون، أما الشبكة التي على فوهتها أمر بعملها السلطان أحمد العثماني وشرقي زمزم إلى الشمال باب شيبة وهي باكية كبيرة قامت وسط الحرم في حدود المطاف، على عمودين من البناء المكسو بالرخام في المكان الذي كان به باب المسجد في مدته صلى اللّه عليه وسلم. وفي شمال المقام المنبر، وهو من الرخام غاية في حسن الصناعة أهداه إلى الحرم السلطان سليمان القانوني ومكتوب على بابه بالخط الذهبي الجميل (إنه من سليمان وإنه بسم اللّه الرحمن الرحيم) وأول من وضع المنبر بالمسجد الشريف معاوية بن أبي سفيان حين قدومه إلى مكة حاجاً وكان الخلفاء قبله يخطبون على أرضية المسجد تحت جدار الكعبة أو في الحجر ثم أهدى إليه سنة مائة وسبعين منبر من خشب جميل من صناعة مصر لمناسبة حج الرشيد الذي خطب الناس عليه في حجه في السنة المذكورة وفي خلافة الواثق أمر فعمل له ثلاثة منابر واحد وضع في الحرم والثاني في عرفة والثالث في منى وخطب في حجه عليها جميعها. وقد كان الخطباء إذا أرادوا الخطبة في الحرم وضعوا المنبر لصق جدار الكعبة بين الركن الأسود والركن اليماني فإذا أراد الخطيب أن يخطب استلم الحجر أولاً ثم دعا وصعد المنبر. وبعد الخطبة كان ينقل المنبر إلى مكانة بجوار زمزم. فلما أهدى السلطان سليمان إليه منبره الرخامي بقي مكانه واستمرت فيه الخطبة.
«وبالجملة فشكل الحرم المكي على بساطته في بنائه فخم جداً ووضعه صحي وصحنه الكبير يؤدي بلا شك للمدينة ووظيفته كوظيفة الميادين الكبرى».
انتهى ما نقلن من رحلة محمد لبيب بك البتانوني.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

أصل العرب

أصل العرب أصل العرب من اليمن من بنو قحطان العرب العاربة ولكن يقول العلامة سديو ...