الدولة العثمانية عام(1062)هـ

الدولة العثمانية عام(1062)هـ
وفي سنة (1062 هـ ـ 1652)م جهز الأميرال المذكور الأسطول لتوصيل الذخائر الحربية إلى كريت فلما وصل إلى جناق قلعة من الدردنيل وجد أسطول البندقية في انتظاره فاحتال علي باشا على إفلات ثمان سفن تحت جنح الظلام وخرج هو إلى جزيرة مديلي براً ثم رافق هذه السفن إلى كريت فلم يرق هذا العمل لدى السلطان فعزله وولى مكانه جركس درويش باشا فخرج بالأسطول قاصداً كريت فعرج على قلعة سلنة وافتتحها ثم سار حتى وصل إلى رودس وهنالك لحقته عمارة البندقية فحصرته في مينائها. فعزله السلطان لهذا السبب وولى إمارة البحر مراد باشا.
فلما خرج مراد باشا قاصداً كريت صادف الأسطول البندقي ينتظره في ساحل خليج بشيكا فأمر مراد باشا بالهجوم عليه فدارت معركة بحرية انجلت عن هزيمة البندقية بعد أن أسر العثمانيون منهم خمس سفن بما فيها واحترق خمسة. ولكن البنادقة أعادوا الكرة وهاجموا العثمانيين فلم ينالوا منهم شيئاً. ثم عادت أساطيلهم سنة (1065) هـ فدارت بينهم موقعة كانت خسارة الطرفين فيها جسيمة وذهب العدو ولم يبلغ مقصده.
ثم تعين على الأسطول جركس كنعان باشا فقصد، عبور الدردنيل فصادف أسطول البنادقة يحاصره في تلك الأثناء فطلب بعض الجنود مرتباتهم فوعدوا بها بعد الحرب فتركوا السفن ومضوا لسبيلهم فقرر القبودان باشا الهجوم رغماً من هذه الحال فتمرد عليه بعض الجنود فأصر على الهجوم بمن بقي معه فحدثت موقعة سحق فيها الأسطول التركي سحقاً.
هذه الهزيمة الكبرى قوت ساعد البنادقة فحدثتهم أنفسهم بالهجوم على الآستانة فصار رجال الدولة في هم وكرب ولم يسعهم إلا بذل الوسع في بناء السفن وفي تلك الأثناء أسند منصب الصدارة إلى كوبريلي محمد باشا وهو أكفأ رجل لهذا المنصب فأخذ في إصلاح ما أفسدته الإدارة السيئة.
ولما رأى أن البنادقة سدوا الطرق البحرية في وجه العثمانيين رأس أسطولاً وخرج به وسلح القلاع التي على جانبي الدردنيل فتمكن من طرد سفن العدو بعيداً ثم صمم على سحقها فخرج إليها ودارت حرب شديدة انهزم فيها الأسطول العثماني وتبعه أسطول البندقية إلا أن كوبريلي محمد باشا كان قد أعد الاستحكامات القوية على الشاطئين بالدردنيل لمقاومته فظل أسطول العدو يقذف قنابله على الأسطول العثماني وهو يجيبه والقلاع تساعده ثلاثة أيام ثم رأى الأميرال البندقي (توماسينيغو) أن يهاجم العمارة العثمانية ليأسرها فأظهر بعض الجنود التركية التمرد والخيانة وبينما الأميرال يضطرب من الحيرة إذ تقدم جندي يدعى قره محمد فأطلق مدفعاً على سفينة الأميرال البندقي فصادفت مخزن البارود فنسفت نسفا ومات ذلك الأميرال وهو أشهر قواد البحر البنادقة حارب الترك خمس عشرة سنة انتصر عليهم في غالبها وانهزم أسطول الأعداء ثم وجه كوبريلي محمد باشا أسطولاً إلى جزيرة بوغجة أطه فاستردها من البنادقة وأرسل عمارة أخرى إلى جزيرة ليمنوس فاستردها منها.
ثورة أهلية: كان في أثناء هذه الحركات الحربية رجل يقال له أباظة حسن باشا بجهة الأناضول يعيث فيها الفساد فكون حزباً قوياً من عدة باشوات وانضمت إليه الجنود التي فرت من عقاب كوبريلي محمد باشا وطلب الجميع عزله عن الصدارة ومعاقبته وتوجيه هذا المنصب إلى طيار زادة أحمد باشا فأرسل إليهم السلطان بجيش فدحرهم وسلم أباظة حسن باشا نفسه إلى مرتضى باشا بعد أن أخذ منه عهداً على الإبقاء عليه فلم يف بوعده وقتله هو ورجالاً من زملائه.
وفي هذه الأثناء ثار أمير ترانسلفانيا على السلطان وقهر جيوشه في ليبا فأرسل السلطان كوسه علي باشا فقاتله حتى قهره فضايق هذا الأمر النمسا وطلبت مطالب لم يقرها كوسه باشا بل تقدم بجيوشه ورد قلعة وارات وكانت استولت عليها النمسا.
ثم وقعت أوراق رسمية في يد الصدر كوبريلي محمد باشا تثبت أن فرنسا كانت تمد البنادقة في حربهم مع تركيا فأمر الصدر بالقبض على ابن سفير فرنسا وسجنه لمخالفة وقعت منه وفي هذه الأثناء توفي الصدر المذكور وكان نابغة من الترك فعين السلطان ابنه فاضل أحمد باشا مكانه وكانت سنه عشرين سنة فنهج منهج والده. وكانت النمسا تدخلت في أحوال ترانسلفانيا واحتلت جزءا منها فتقدم كوسه علي باشا وهزم جيوش كيمانوس الذي عينته النمسا على تلك البلاد وقتله وطرد جيوش النمسا من الولاية المذكورة وأوعز إلى الدولة بأن تكلف النمسا بإزالة قلعة زه رينوار ولما لم تقبل أعلنت تركيا عليها الحرب وقلد السلطان فاضل أحمد باشا الصدر القيادة العامة فتقدم بجيش يبلغ عدده (120,000) إلى قلعة (أيوار) فسلمت له بعد حصار شديد ثم عبر نهر الدانوب وتلاقى مع جيوش النمسا فهزمها هزيمة منكرة وأسر منها ثمانين ألف أسير وغنم غنائم كثيرة فارتاع إمبراطور النمسا لهذا الخبر وحار في أمره من انتشار جيوش الترك في بلاده وفتحهم نوفيغراد وكانت حيرة أوروبا أشد إذ كانت تعتقد أن الترك قد ضعفت شوكتهم بأوروبا فأسرع إمبراطور النمسا يطلب مساعدة لويس الرابع عشر ملك فرنسا بواسطة البابا فلبى هذا الملك الدعوة وأرسل جيشاً لمساعدة النمسا فتقدمت الجيوش العثمانية تحت قيادة الصدر فاضل أحمد باشا واستولت على قلعة رينوار وهدمها وعبر نهر (مور) وهزم الأعداء المتألبين عليه شر هزيمة وقتل في هذه الموقعة قائد الجيوش النمساوية الجنرال (سترزي) فيئس النمساويون من النصر فطالبوا الصلح وتعهد الإمبراطور بدفع جزية قدرها ثلاثون ألفا من الذهب فماطله الصدر لزيادة إرغامه وتقدم إلى قلعة يانبق وتقابل مع الجنرال النمساوي (مونتيكو كولي) الذي كان يقود جيشاً نمساوياً عظيماً فحدثت موقعة هائلة انتصر فيها العثمانيون ولكن بعد أن قتل منهم نحو من عشرة آلاف جندي وبعدها قبل الصدر أن يعقد الصلح الذي كان من مقتضاه أن النمسا لا تتدخل في شؤون ترانسلفانيا وأن تهدم قلعة زه رينوار وأن تبقي قلعة (أيوارونو فيغراد) وأربع مقاطعات من بلاد المجر للدولة العثمانية.
إتمام فتح كريت: كانت الدولة لاشتغالها بالحروب التي سبق ذكرها لم تستطع إمداد جيش كريت لإتمام فتحها وكانت قندية لا تزال مستعصية فذهب الصدر الأعظم بنفسه إلى ميدان القتال وخرجت الأساطيل البحرية فارتاعت مملكة البندقية لذلك وأرسلت تطلب نجدة الدول فلباها البابا بسفن عديدة وأرسلت إليها فرنسا بجيش فرنسي وأنجدتها مالطة ودلماسيا وحدثت في أثناء ذلك حرب بحرية دارت فيها الدائرة على العثمانيين.
ورد آنفاً أن فرنسا ساعدت النمسا ثم ساعدت البنادقة في حرب كريت فأغضب ذلك الدولة التركية فأرسلت فرنسا بلسان سفيرها المسيو (لاهي) بأن يعيد الصلات الودية بين المملكتين فلما فاتح الصدر الأعظم في ذلك انتهره وأخشن له في الكلام فاضطرت فرنسا إلى إرسال المركيز دونوانتل بدله فتمكن هذا بدهائه ولينه من استرضاء السلطان فعادت الصلات الحبية بين المملكتين كما كانت.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

دولة الكويت

دولة الكويت تقع دولة الكويت في غرب آسية على الجانب الشمالي الغربي للخليج العربي، وعاصمتها ...