الدولة العثمانية عام(1277)هـ

الدولة العثمانية عام(1277)هـ
عبد العزيز بن محمود الثاني: من سنة (1277 ـ 1293) هـ.
عمل هذا السلطان على تنفيذ رغبات سلفه في الإصلاح ووجه عنايته لتقوية الجيوش البرية والبحرية وأمر بشراء عدد من السفن الحديثة الطراز من معامل أوروبا وجمع جنوداً مختلطة من أولاد القبائل والعشائر وجعل لهم ألبسة خاصة ثم التفت للقلاع والحصون فرممها وسلحها تسليحاً جيداً وأدخل إلى الطوبخانة كثيراً من الآلات الحديثة حتى أصبح في مكنتها عمل جميع الأسلحة على الطراز الحديث.
وأخد أتش محمد باشا يرسل بالتلاميذ إلى مدارس أوروبا لإتقان فنون الحروب البحرية وأوجد في المدرسة البحرية علم الميكانيكا وعمل المدرجات وشيد عدة مصانع لصنع السفن الضخمة وخلفه في البحرية رجال من طرازه فتمموا عمله المجيد فلم يمض زمن حتى أصبح لدى تركيا أسطول قوي مؤلف من (25) سفينة مدرعة غير السفن الكثيرة الأخرى.
وقوى شواطىء الدردنيل والبوسفور فصارت تركيا منيعة الجانب لا ترام.
وكان هذا السلطان كثير الشغف بترقي دولته فشرع في سياحة إلى القطر المصري فزاره في سنة (1279)هـ ومعه الأمراء مراد أفندي وعبد الحميد أفندي (وقد توليا الخلافة) ورشاد أفندي (وقد تولى الخلافة) ويوسف عز الدين أفندي. ومن الوزراء محمد فؤاد باشا وأتش محمد باشا وغيرهما فاحتفل الخديوي إسماعيل باشا به احتفالاً لا مثيل له.
حوادث الجبل الأسود: كانت أوروبا تنظر إلى تقدم تركيا في الحربية بنظر الحقد لميلها إلى جلائها عن أوروبا فثار الجبل الأسود بإغراء بعض الدول فأرسلت الدولة العثمانية إليه ثلاث فرق عسكرية تحت قيادة عبد الكريم نادر باشا ودرويش باشا وحسين عوني باشا فأوقعوا بالثوار وزحفوا على عاصمة الجبل فطلب الأمان وقبل الشروط كلها ولكن تدخلت فرنسا وروسيا وقبل الترك إعطاء الجبل الأسود استقلالاً إدارياً وكان ذلك سنة (1280) هـ (1864) م.
حوادث الصرب: من لدن سنة (1856)م كانت الصرب تتمتع بامتياز داخلي تحت سيادة الدولة التركية لم يكن للدولة بتلك البلاد إلا ست قلاع فيها جنود ولكن البوسنة لم تقتنع بذلك فثارت عقب ثورة الجبل الأسود فاجتمع سفراء الدول على هيئة مؤتمر فقرر أن يخلي الترك قلعتين من تلك القلاع الست فلا يبقى معهم إلا أربعة فقط ولكن روسيا ما زالت تلح حتى حملت الدولة على ترك بقية القلاع. ولما خرجت الدولة من الصرب خرج معها جميع الأسر الإسلامية، ولم يبق لتركيا من أثر للسيادة على تلك المملكة إلا العلم العثماني يرفع بجانب العلم الصربي.
حوادث المملكتين: أخذ أمير المملكتين (الأفلاق والبغدان) المدعو جان الكسندر يسعى في فصل كنيسته عن بطريرك الآستانة وبعد مذكرات كثيرة قبل الباب العالي ذلك. ثم تآمر عليه أهل بلاده فعزلوه فتدخلت الدول لانتخاب من يخلفه فرشحت الدول (ماعدا روسيا) شارل هوهانزولرن البروسي ووجدت المملكتين تحت اسم رومانيا فعارض الترك أشد المعارضة وساقوا جيوشهم على الحدود لمنع هذا الانتخاب فظهرت في هذه الأثناء ثورة في كريت حملت الباب العالي للرضاء بقرار الدول.
حوادث كريت: ثارت كريت بإيعاز من روسيا لطلب انضمامها إلي اليونان وكان ذلك سنة (1283) هـ (1866)م ثم ظهر فيما بعد أن مصلحة الدول تقضي بأن تكون كريت تابعة لتركيا فبعثت عليهم الدولة جيشاً تحت قيادة مصطفى باشا الكريتي وأرسل الخديوي إسماعيل باشا نجدة عسكرية مصرية مكونة من ستة آلاف بيادة وبعض بطاريات طوبجية تحت قيادة شاهين باشا ثم خلفه على قيادتها ناظر الحربية إسماعيل سليم باشا الفريق وبعد وفاته خلفه عبد القادر باشا الطوبجي ثم إن الدولة أبدلت قائد جيوشها معمر باشا وهو مجري الأصل فأظهر نشاطا في قمع الثورة ولكن كانت الأسلحة والذخائر ترد للثائرين من كل صوب فأمرت الدولة بتشديد الحصار على سواحلها وكانت اليونان اشترت سفينتين سريعتي السير لإسعاف الثائرين بالسلاح إحداهما تسمى أركاديا والأخرى تسمى أنوسيس فاتفق أن التقت السفينة عز الدين بأركاديا فطاردتها حتى دخلت إلى جون قوكريو فأتلف اليونان ما لديهم من الأسلحة ثم تركوا السفينة هاربين فاستولت عليها الدولة أما السفينة نوسيس فصادفتها سفينة أخرى وتعقبتها حتى دخلت إلى ميناء بيرية من بلاد اليونان فطلبت الدولة تسليمها فأبت جمعية الثورة اليونانية فعدت الدولة ذلك مساعدة من اليونانيين للكريتيين وقطعت معها علائقها السياسية وكادت المسئلة تفضي إلى حرب وعند ذلك طلبت فرنسا إرسال لجنة دولية إلى كريت لبحث مسألتها فأبى الترك ذلك لعدم اتفاق الدول على الطلب وأرسلت الدولة علي باشا لتسوية هذه المسئلة فأول عمل عمله أن عزل عمر باشا الصربي لأنه ثبت عليه الإهمال والتقصير.
ثم اتفقت الدول على عقد مؤتمر بباريس فعقد وكان مندوب تركيا فيه هو محمد فؤاد باشا فأظهر مهارة فائقة فخففت الدول من مطالبها فاضطرت الدول لمنح الجزيرة امتيازات فانتهت الثورة.
وكان للدولة وال حازم بولاية الطونة (الدانوب) وكان قائماً بوظيفته خير قيام باذلاً جهده في تحصين تلك الجهات وجعلها أمنع من عقاب الجو على روسيا فحقدت عليه هذه الدولة لما رأت أن أعماله ستحول دون أمانيها فطلبت إلى الدولة عزله فامتنعت فأخذت روسيا تهيج بلغار تلك الجهات وبثت فيهم روح التمرد فحالت همة مدحت باشا دون أغراضها وقبض على زعماء الفتن وعاقبهم.
حوادث العراق: هبت ثورة ببلاد العراق من العرب كادت تبلغ حداً بعيداً لولا الهمة التي بذلها رجال الدولة في إخمادها.
حوادث العسير ونجد: بعد أن حاربت الدولة العثمانية الحركة الوهابية بواسطة محمد علي باشا: خففت من مراقبتها للعرب فأصبحوا في شبه استقلال فحدث خلاف بين مشايخ العرب هنالك سنة (1287) هـ فقام أمير العسير محمد بن عايض فأخذ في إخضاع القبائل لسلطانه طمعاً في الاستقلال فشكا أمره المشايخ الآخرون فاضطرت الدولة لحمله على الطاعة فساقت فرقتين إحداهما إلى العسير تحت قيادة الفريق محمد رديف باشا ومعه المير لواء أحمد مختار باشا (هو الغازي مختار باشا الذي يعرفه المصريون) بوظيفة رئيس أركان حرب. فقاتلت هذه الفرقة عرب اليمن في مواقع عديدة وفتحتها فتحاً جديداً.
فوجهت الدولة رتبة المشيرية إلى أحمد مختار باشا وجعلته والياً على اليمن فأحدث فيها من العمران وسهل بها من التجارة ما أمال القلوب إليه وإلى دولته.
أما الفرقة الثانية فأرسلتها الدولة إلى نجد تحت قيادة أحمد مدحت باشا (هو واضع الدستور العثماني) فخضع لها الناس بدون قتال وكان مدحت باشا من الملكيين إلا أنه بحسن تبصره ومهابته نظم في تلك البلاد هيئة عسكرية تكفل سيادة الدولة الفعلية.
زيارة عبد العزيز لأوروبا: لما أقام الإمبراطور نابليون الثالث معرضاً عاماً في باريس سنة (1867)م دعا السلطان عبد العزيز مع من دعاهم من ملوك أوروبا فلباه السلطان فاستقبله نابليون استقبالاً لم يعمله لملك سواه وهذه أول مرة نزل فيها سلطان عثماني بأوروبا ثم سافر السلطان من هنالك إلى فيينا ولندن وعاد إلى قصر الخلافة.
حدثت أحداث اضطرت السلطان عبد العزيز إلى التساهل مع بعض أمم البلقان كهدم القلاع حول الجبل الأسود وتخلية قلاع الصرب وظهور ثورة كريت وعدم الاهتمام بإطفائها حتى نال الكريتيون بسببها امتيازات تقربهم من الاستقلال إلخ كل هذه الأغلاط أنتجت تكون حزب قوي مؤلف من كثير من رجال السياسة ضد عبد العزيز، وقد زاد هذه الحركة من السخط عليه سعيه في تغيير نظام الوراثة في المملكة العثمانية وحصرها في الابن الأرشد بدل الأرشد من الأسرة.
زاد عدد أشياع هذا الحزب وانضم إليه كثير من أهل البصر مثل علي سعاوي بك وضيا بك ونامق كمال بك وغيرهم وهجر الجميع الآستانة وسكنوا أوروبا ينشرون فيها مذهبهم السياسي ويشهرون بسوء حكومة عبد العزيز.
ولما توفي محمد أمين عالي باشا الصدر وخلفه محمود نديم باشا سنة (1288) هـ ازدادت الأحوال ارتباكاً واختلت المالية واقترضت الدولة أموالاً وفيرة واستبد الحكام في الجهات فكثر التبديل والعزل في الولاة حتى حدث أن بعضهم عزل بعد خمسة عشر يوماً من تعيينه ثم عزل محمود نديم باشا عن الصدارة وكثر تداول الرجال لهذا المنصب الأخير بسرعة حتى أنه تولاها مدحت باشا ورشدي باشا وأسعد باشا وشيرواني رشدي باشا وحسين عوني باشا وأسعد باشا ثانية في مدة ثلاث سنين.
ثم أعاد السلطان نديم باشا فازداد السخط عليه ومما أهاج الكافة أن صارت للجنرال أغناتيف الروسي مكانة عند السلطان دونها كل مكانة حتى أنه ما كان يأتي عملاً بغير مشورته وتنازل لروسيا بسببه عن حقه في معارضة بنائها لأساطيل البحر الأسود. فتمكنت روسيا بذلك من بث الفتن في ممالك البلقان فثارت أكثرها أولاً ثم سكنت بمعالجة قليلة ثم رجعت فثارت وطلبت خروج جنود الدولة من بلادها وأن تعطي امتيازات تشبه امتيازات الصرب.
وفي أثناء هذه القلاقل حدث أن فتاة بمدينة سلانيك أسلمت وحضرت إلى المحكمة لإشهار إسلامها فتجمهر اليونانيون واختطفوها عنوة وأدخلوها تحت حماية قنصل أمريكا فعز ذلك على الأتراك وعدوا هذا الأمر شائناً بكرامتهم فاجتمع بضعة ألوف منهم في جامع سليم باشا بسلانيك وأخذوا يتداولون في طريقة استرداد تلك الفتاة وبينما هم كذلك إذ حضر قنصلا فرنسا وألمانيا وأرادا دخول المسجد فمنعهما الناس ثم تمكنا من الدخول وتفوها بألفاظ جارحة فقتلهما الحاضرون فلما نما الخبر إلى الباب العالي أرسل لجنة للتحقيق وأرسلت فرنسا وألمانيا أسطولهما وبعث كل من إنكلترا وإيطاليا وروسيا والنمسا واليونان سفناً حربية ثم انتهى الإشكال بنفي الوالي وبعض المأمورين وبقتل الجانين وأن يضرب باسم كل من الدولتين 21 مدفعاً ترضية لهما.
ثم تجرأت دول روسيا والنمسا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا على تقديم لائحة للباب العالي طلبوا منه إحداث إصلاحات في مقدونيا وتعيين مجلس دولي لمراقبة تنفيذها فرفض الباب العالي هذا الطلب وازداد كراهة الناس للصدر محمد نديم باشا.
ومما زاد في هياج الناس إشاعة مؤداها أن السلطان عبد العزيز طلب من روسيا ثلاثين ألف جندي لحفظ حياته إذ أصبحت ثقته بجنديته معدومة فقامت طائفة طلاب العلوم الدينية واسمهم عند الترك ـ صفطا ـ وانضم إليهم جماهير من الأهالي وذلك سنة (1293) هـ وأحدثوا مظاهرة فطلب السلطان إلى شيخ الإسلام أن يهدىء خواطرهم الثائرة وينصحهم بالإخلاد إلى السكينة، وكان شيخ الإسلام من الميالين لسياسة روسيا فحكموا عليه بالخيانة ولم يسمعوا له قولاً.
فاضطر السلطان لعزله هو والصدر وعين للمشيخة خير اللّه أفندي وللصدارة رشدي باشا الكبير وللسر عسكرية حسين عوني باشا.
خلع عبد العزيز: اختلف الناس في تحديد السبب الذي حدا بالوزراء إلى خلع السلطان فقال بعضهم: إن السبب في ذلك هياج الأفكار على السلطان إذ أغراه سفير روسيا المدعو أغاتيف على نفي المقاومين لسياسته ليخلو له الجو ليفعل ما يريد.
وقال البعض الآخر السبب في خلعه تحريض دولة إنكلترا حين خشيت أن زيادة تقرب روسيا من تركيا يضيع عليها ثمرة سياستها في الشرق الأدنى.
ومال جمهور آخر إلى القول بأن السبب هو أن الوزراء خافوا من بطش السلطان بهم حين يئس من هدوء الأحوال، كما يفعل كل من يمنى باليأس والقنوط.
والأقرب للحقيقة أن السبب هو هياج الرأي العام عليه وعدم وجود أمل لسكونه مادام سلطاناً فحمل هذا الهياج بعض الوزراء على التألب على خلعه لتحسين الأحوال واتقاء شر الفتن.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

دولة الكويت

دولة الكويت تقع دولة الكويت في غرب آسية على الجانب الشمالي الغربي للخليج العربي، وعاصمتها ...