الدولة العثمانية عام(950)هـ

الدولة العثمانية عام(950)هـ
وفي سنة (950) هـ الموافقة لسنة (1543)م تعدى شارلكان على فرنسوا الأول ملك فرنسا فطلب الأخير نجدة من السلطان العثماني فأرسل إليه خير الدين باشا على أسطول مؤلف من مائة سفينة ففتح للفرنسيين حصوناً كثيرة ولما أقبل الشتاء عاد الأسطول العثماني لمياه طولون بفرنسا ليمضي بها فصل الشتاء فكانت سفنه على تمام الأهبة ليلاً ونهاراً فخاف الفرنسيون من هذا الأمر وكانوا من قبل يتلاومون على الاستعانة بالمسلمين فرأت الحكومة أن تتخلص منه فأعطته (800,000) كورون كنفقات سفرية وطلبت إليه العودة بعدما زودته بالشكر.
حروب الأسطول العثماني ببحر الهند:
كان البرتغاليون في القرن السادس عشر مشتغلين بمد فتوحاتهم في البلاد الهندية ولم يكفهم ذلك بل عطلوا طريق مصر التجاري فبدلاً من نقل بضائع الهند إلى السويس ومنها إلى الإسكندرية لتبحر إلى أوروبا صاروا يقصدون رأس الرجاء (الذي يسمى رأس الرجاء الصالح) في جنوب أفريقيا ومنها إلى المحيط الأطلانتيكي فخسرت تركيا من هذا التحويل التجاري خسارة كبيرة فأصدر السلطان أمره إلى والي مصر سليمان باشا بأن يرسل من السويس أسطولاً لمحاربة البرتغاليين في الهند وإعادة الطريق التجاري إلى ما كان عليه فلما وصلت هذه السفن إلى عدن سنة (945) هـ استدعى سليمان باشا أميرها المدعو عامر بن داود فقبض عليه وصلبه في سارية من السفن بعد أن وعده بالأمان وبذلك استولى على إمارة عدن بلا حرب فرتب فيها حكومة تحت رعاية بهرام بك احد ضباطه ثم أقلع قاصداً الهند فوصلها وأخرج جنوده إلى كجرات بعدما اتحد مع ملكها محمود بن بهادر شاه على قتال البرتغاليين فاستولى منهم على قلعتي كوله وكات ثم شرع في حصار ميناء ديو فقاوم محافظها المدعو انطون مقاومة عنيفة فطلب سليمان باشا من الملك محمود أن يمده بالذخائر الحربية لقلة ما عنده منها فامتنع واتحد مع البرتغاليين مخافة أن يصيبه منه ما أصاب أمير عدن من الغدر به فاضطر سليمان باشا إلى العودة إلى مصر وعند عودته مر بعدن فأتاه أمير الشحر طائعاً وضم بلاده إلى الأملاك العثمانية ثم مر على سواحل اليمن وأخضعها.
ثم إن الملك فرديناند ملك النمسا تحرش بالعثمانيين سنة (950) هـ فأصدر السلطان أمره إلى صوقلي محمد باشا بمقابلته فقابله بثمانين ألف مقاتل وافتتح مدناً كثيرة فلما رأى ملك النمسا اندحار جيوشه اتحد مع ملك بولونيا فنجحا الاثنان في صد جيش صوقلي محمد باشا فأسرع السلطان بإنجاده بجيش تحت قيادة قرة أحمد باشا فاسترد جميع ما فقده وفتح مدناً أخرى وعاد بأسرى ومغانم لا تحصى.
تجريده بحرية ثانية إلى بحر الهند:
إن العدنيين كانوا تأثروا من قتل سليمان باشا لأميرهم عامر بن داود غدراً فثاروا على الحكومة التركية بالاتفاق مع البرتغاليين. فلما وصل الخبر إلى الدولة أرسلت سنة (1551)م الموافقة لسنة (959) هـ كتيبة إلى البحر الأحمر تحت قيادة بيري رئيس مؤلفة من ثلاثين سفينة فاستردت عدنا واستولت على مدينة مسقط وجزيرة هرمز ودراخت في وقعتين عند مدخل الخليج العربي ثم أقلع يريد البصرة وهناك بلغه أن أسطول البرتغال قادم لمحاربته فرأى أن أسطوله لا يقاوم ذلك الأسطول فعاد إلى مصر وعين السطان مراد بك قبودانا على أسطول مصر فقصد البصرة فتقابل مع البرتغاليين بمضيق هرمز فدارت الدائرة على العثمانيين وقتل من جنودهم وضباطهم عدد عديد فاضطر مراد بك للاتجاه إلى البصرة فعين السلطان البحري المشهور سيد علي رئيس، قائداً للأساطيل المصرية بدله فلما وصل إلى جهات هرمز قابل البرتغاليين وكانت سفنهم ثلاثة أضعاف سفنه ورغماً عن ذلك انتصر عليهم انتصاراً مبيناً ولكن هبت عليه الأنواء الشديدة فحطمت سفنه فالتجأ إلى الملك أحمد بن محمود ملك كجرات بالهند ثم رجع مع خمسين من رجاله في حالة سيئة إلى البلاد العثمانية.
محاربة الترك للفرس: في سنة (955) هـ التجأ أخو الشاه طهماسب إلى السلطان سليمان مستجيراً من تعدي أخيه على حقوقه وكان السلطان ينتظر سبباً يسوغ له قتال الفرس فخرج جيشه حتى وصل إلى تبريز ثم عاد منصوراً وفي عودته استرد مدينة وان.
فلما وصل السلطان إلى مقر الملك عاد الشاه طهماسب إلى شن الغارات على البلاد العثمانية فاضطر السلطان لمقابلته على عدوانه بجيش تحت قيادة رستم باشا. ولكن اتفق أن هذا الوزير كان تزوج ابنة السلطان ولها شقيق اسمه بايزيد وكان يطمع أن يتولى بعد سليمان فرأى أن يحتال على قتل الأمير مصطفى ولي عهد السلطان فعمد إلى حيلة دنيئة وذلك أنه كتب إلى والده بأن الأمير يحرض الجنود على الثورة ضد أبيه كما فعل السلطان سليم الأول ضد أبيه بايزيد وكانت والدة الأمير بايزيد بن سليمان قد تمكنت من تحويل فكره نحو ابنها فخرج السلطان من الآستانة كأنه يريد أن يتولى قيادة الجيش بنفسه فاستقبله ابنه الأمير مصطفى في الطريق وكان والياً على بلاد القرمان فلما دخل السرادق السلطاني أمر والده بالقبض عليه وقتله فكانت هذه الحادثة سبباً لإثارة أكدار الناس وأحزانهم فإن الأمير المذكور كان متصفاً بكريم الصفات وحميد الخصال.
ثم تقدم السلطان إلى بلاد العجم ففتح مدينة (وان) وخربها ثم تقدم فافتتح عدة مدائن فنهبها وخربها ولم يدع لها عامراً إلا أتي عليه ثم فتح تبريز ونهبها بعد أن قتل عدداً عظيماً ومن ثم أغار على مدينة مراغة فأحرقها وقتل خلقا كثيراً وانتصر بجوارها على جيوش العجم انتصاراً عظيماً وبعد هذا كله وصل إلى السلطان مكتوب من الشاه يطلب منه فيه الصلح.
وقع بين إمبراطور ألمانيا وفرنسوا ملك فرنسا جفاء مثل ما وقع أولاً فطلب فرنسوا مساعدة سليمان ثانية فأمر السلطان (طرغود بك) البحري المشهور الذي كان من رجال خير الدين باشا المتوفي سنة (953) هـ أن يذهب بكتيبة لمساعدة فرنسا سنة (960 هـ ـ 1553)م فاتحد مع الأميرال الأسطول الفرنسي وقهرا الأسطول الألماني وفتحا عدة مدن ساحلية أضافاها إلى أملاك فرنسا ثم خلص طورغود بك نحو 7 آلاف أسير من المسلمين كانوا عند الإسبانيين ثم حدث بينه وبين أميرال أسطول فرنسا خلاف أدى إلى انسحابه ففقد الفرنسيين أكبر عضد كان لهم فاضطر الملك فرنسوا استئناف طلب المعونة من سليمان فأرسل إليه بياله باشا على رأس أسطوله وأمره بأن يأخذ معه طورغود بك ليستعين بآرائه فقام الباشا المذكور بأسطول مكون من ستين سفينة حربية فلما وصل إلى إيطاليا غزا عدة مدن وقلاع وأخذ منها مغانم كثيرة وأسر عدداً وافراً من أهلها ثم لقي الأسطول الفرنسي فاتحد معه وفتح لفرنسا عدة مدن وقلاع ثم حدث بعدها خلاف بين جنود فرنسا والترك فاضطر بياله باشا للانسحاب.
واقعة جربة البحرية
هذه واقعة من أكبر الوقائع التي جعلت مركز الترك من الوجهة البحرية لايرام. وتحرير الخبر أن بياله باشا خرج سنة (966) هـ بعمارة «كتيبة» مؤلفة من (88) سفينة فتقابل في الطريق بسفينة إيطالية فأسرها فعلم من رجالها أن حكومات أوروبا لما خشيت ازدياد خطر الأتراك في البحر اتفقوا على تدمير أسطولهم فنقل بياله باشا هذا الخبر إلى السلطان سليمان فأمر في الحال تعزيز أسطوله باثني عشرة سفينة وكلفه بالتربص في سواحل بلاد ألبانيا فقام هذا الأميرال بالأمر ثم غادر ألبانيا في الشتاء لتمضية هذا الفصل بالآستانة وبعد وصوله بقليل ورد خبر من طرغود باشا بطرابلس بأن الأساطيل المتحدة وصلت إلى جزيرة جربة وأخذت في إقامة الاستحكامات لتستعد لمهاجمة طرابلس فأمر السلطان ببناء أسطول جديد ولم يمض غير قليل حتى أعدت له دار الصناعة (120) سفينة كاملة العدة فأبحر بها بياله باشا سنة (967 هـ ـ 1560م) بأساطيله حتى وصل إلى جزائر كبون فالتقى بسفينة أرسلها طورغود باشا حاملة للبريد ثم تابع سيره حتى وصل إلى جزيرة غوزة بقرب طرابلس وعلم أن عمارة الدول مكونة من (200) سفينة بقيادة أكبر بحري في العالم أندريا دوريا خصم خير الدين باشا المشهور. فسار بياله إلى خليج سفاقس وفي اليوم التالي وصل قرب جربة فاستقبل أسطول الأعداء فلما تراءى الجمعان ابتدأت السفن العثمانية بإطلاق مدافعها فدمرت للأعداء جملة سفن ثم تقدمت فرقة من الأسطول حتى دخلت بين صفوف سفن الدول وفرقتهم إلى شطرين وبذلك التجأ من الجناح الأيمن (14) سفينة إلى مياه جربه وخرجت السفن التي كانت تحت قيادة الأميرال أندريادوريا إلى البحر فترك بيالة باشا فرقة من سفنه في جربه وخرج بباقي السفن لتعقب العدو ومازال يطارده حتى استولى منه على سبع وأربعين سفينة غرق أكثرها مما أصابها من المقذوفات وفر الأميرال أندريادوريا تاركاً في أسر العثمانيين كثيراً من أمراء أوروبا الذين كانوا رافقوه تصديقاً لوعوده لهم.
وكانت الدول المتحدة في هذه الموقعة البحرية هي حكومات جنوة وفلورنسا وصقلية ومالطة وأسبانيا.
وقد ترك هذا النصر في أوروبا وبلاد الترك آثاراً مختلفة وبلغت حماسة الترك مبلغها حتى أنه يوم دخول الأساطيل العثمانية الآستانة أشرف عليها السلطان من قصره على البحر وكان قد دعا الأمراء والسفراء لهذا الاحتفال فدخلت الأساطيل رافعة أعلام النصر تجر خلفها ما استولت عليه من أساطيل الأعداء وكان الأميرال العثماني قد علق العلم الإسباني في وسط السارية علامة الحداد وأصعد الأمراء الأسرى إلى أعلى مكان بمؤخر السفينة المسماة (كبمانا). عند ذاك قام سفير ألمانيا وهنأ السلطان على ما حازته جنوده من النصر فأجابه السلطان بما معناه: إذا علمنا أن هذا النصر العظيم قد ساقه إلينا المولى بمحض فضله فلا محل للتفاخر والغرور.
محاصرة مالطة: كان فرسان القديس يوحنا الذين كانوا يملكون رودس قد أووا إلى مالطة فكانوا لا يتركون فرصة تمر دون التعرض للتجارة العثمانية فأمر السلطان بياله باشا بأن يحاصرها ويفتحها فذهب بأسطوله إليها سنة (972 هـ 1565 م) فأنزل جنوده فقابلها فرسان القديس يوحنا المذكورين وبعد قتال عنيف ارتدوا مدحورين فتقدم الترك وحاصروا المدينة من جهة سانت ألمو ولكن كانت مدافع قلعتي سانت ميشيل وسانت أنجلو قوية وسريعة فاضطر الترك للقهقرى وفي أثناء ذلك أصيب القائد المشهور طورغود بجرح بليغ مات منه ثم اجتمع القواد الترك وقد رأوا أن فتح هذه القلاع غير ممكن فرجعوا إلى الآستانة.
أخذ جزيرة ساقز: كانت جزيرة ساقز ذات حكومة ممتازة يديرها أهل جنوة مع تبعيتها للدولة فبلغ السلطان أنهم يحرضون أهلها على التمرد فأرسل بياله باشا فانتزعها منهم وأبطل امتيازها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

دولة الكويت

دولة الكويت تقع دولة الكويت في غرب آسية على الجانب الشمالي الغربي للخليج العربي، وعاصمتها ...