الذِمة

الذِمة
العهد والأمان جمعها ذمم. وأهل الذمة المعاهدون من النصارى واليهود ممن يقيمون بدار الإسلام. المطلع على ما قرره الإسلام في حق الذميين من الرعاية وحسن المعاملة والمساواة بالمسلمين في القضاء يدهش ويعد ذلك من المعجزات التي خص بها أهل الإسلام دون سواهم فان القرن السابع من الميلاد المسيحي وما بعده إلى عهد الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر كانت كلها قرون خيمت فيها الجهالة على أهلها وكانت الأحقاد الدينية تغلي مراجلها في قلوب الأمم كافة حتى بين أبناء الدين الواحد في مذاهبه المختلفة. فظهور المسلمين في عصور نشوتهم بخمرة النصر مع ما شهر عنهم من الحب الكبير لدينهم بهذه المعاملة الحسنة حيال مخالفيهم في الدين يعد ولا شك من العجائب التي لا يكفي لها التعجب.
هذه المعاملة استندت على مقررات دينية سامية واعتمدت على اصول من الكتاب عالية لم تطف بمخيلة فلاسفة أوروبا إلا بعد اكثر من ألف سنة ولما جالت بفكرهم ودونوها في كتبهم عدوها من أكبر الأصول العمرانية وأدل دليل على رقي العواطف الانسانية وغفلوا عن أنها في كتاب المسلمين وقد عملوا بها قبل ألف سنة. تلك الاصول القرآنية التي اكسبت المسلمين هذه الروح العالية من التسامح مع أهل الذمة وغيرهم هي:
أولاً ـ قوله تعالى: {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم}[هود: 119]فدلت هذه الآية على أن اختلاف الأمم في منازع الدين والعواطف مراد للّه وقد اقتضته حكمته لتتميم كمال يريده للعالم الإنساني.
ثانياً ـ قوله تعالى {وادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ان ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين}[النحل: 125]فدلت هذه الآية على أن الواجب على المسلم محض الدعوة الى الدين الحق بوجوهها السلمية لا الإكراهية.
ثالثاً ـ قوله تعالى {لا ينهاكم اللّه عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا اليهم أن اللّه يحب المقسطين}[الممتحنة: 8]فدلت هذه الآية على أن المسلم مأمور بالعدل والقسط مع من لا يدين بدينه بل إنه أمر بالعدل حتى في مواطن القتال قال تعالى: {وقاتلوا في سبيل اللّه الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن اللّه لا يحب المعتدين}[البقرة: 190].
فلما علم المسلم أن الأختلاف في الأديان مراد اللّه وإن ذلك لحكمة وإن اللّه يأمر بالعدل والقسط مع كل فرد من أفراد الطائفة البشرية وإنه خاطب رسوله بقوله {إنك لا تهدي من أحببت} وبقوله {أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين} تعلم المسلم من مجموع هذه الآيات أدبا لا يدانيه أدب من أي فلسفة كانت واهتدى بها الى اكبر نواميس العمران والسعادة الاجتماعية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

النفقة

النفقة حق الزوجة في النفقة أو الانفاق على الزوجة: والمقصود بالنفقة هنا: توفير ما تحتاج ...