الروح القدس

الروح القدس
هو أحد الأقانيم الثلاثة المؤلفة للّه تعالى في اعتقاد النصارى.
تاريخه:
قالت دائرة معارف القرن العشرين الفرنسية ما ملخصه:
«جاء لفظ روح اللّه ونفخة اللّه في التوراة ولم يقصد بها إلا أصل القدرة الإلهية أو طريقة تأثير تلك القدرة فجاء في التوراة أن الأرض في مبدأ تكونها حين كانت خالية خاوية مجللة بالظلمات كان روح اللّه يتحرك على مياهها فلما سوى اللّه الإنسان من الطين نفخ فيه من روحه فاستوى بشراً سوياً ثم سحب روحه منه فعاد طيناً كما كان أولاً. ولكن اللّه أعاد إليه روحه ثانية. ومن نفخة اللّه أو روحه نشأت جميع الكائنات الأرضية.
«وجاء في مواطن أخرى من التوراة ما يدل على أن روح اللّه كانت تعني في معرض آخر؛ أصل حكمة اللّه وتنزهه. ولم يرد في كتب اليهود ما يؤخذ منه أنهم يعتقدون بأن لروح القدس شخصية متميزة أو أنه أقنوم من الأقانيم المركبة للّه كما هو عند النصارى.
«وقد جاء في الأناجيل ذكر الأب والابن والروح القدس ولكن لا يوجد فيها إشارة ما إلى التثليث ولا إلى ما يشير إليه العلم اللاهوتي اليوم. فالإله الذي كان يتكلم عنه عيسى عليه السلام وحواريوه هو اللّه الواحد رب الأنبياء والأولياء الذي تجب له العبادة وحده وكان عيسى عليه السلام يدعو هذا الإله بالآب ولا يدعو ربا سواه.
«وقد ورد في أكثر النصوص المسيحية حتى في كتابات يوحنا ما يدل على أن الروح القدس هبة يهبها اللّه لمن يدعوه بإخلاص فيعمل في الإنسان كقوة أو فضيلة معطاة من اللّه.
«ولكن جاء في مواطن أخرى من الأناجيل ما يسوغ هبة الروح القدس شخصية مستقلة كما ورد في تعميد المسيح فقد ذكر فيه الآب والابن والروح القدس كثلاث شخصيات متميزة. وخص الروح القدس بالذكر فقيل إنها نزلت على عيسى في شكل حمامة.
ثم قالت دائرة المعارف الفرنسية:
«الكلام على الروح القدس ظل مدة طويلة كثير التخالف ومرتبكا فقال هِرْمَس الجزء الإلهي في عيسى هو الروح القدس يعني الابن المخلوق قبل أن يخلق شيء في العالم.
«وكان جوستان (100 ـ 167) م وتيوفيل (120 ـ 180؟ م يعتبران الروح القدس تارة كشكل خاص لمظهر الكلمة وتارة كصفة من صفات اللّه ولكنهما لم يعتبراها قط شخصاً إلهياً.
«وقال أتيناغورا (110 ـ 180) م إن روح القدس هو قوة من اللّه تخرج منه وتعود إليه كشعاع الشمس.
«وكان أيرينيه (130 ـ 202) م يعلم الناس بأن اسم السيد لا ينطبق إلا على اللّه الآب وعلى ابنه الذي تسلم من أبيه كل سلطان. ولم يأت بشيء يذكر عن الروح القدس. ولكن يؤخذ من كلامه أنه كان يعتبره كأقنوم له وجود خاص ولكنه خاضع للابن.
«وكان تيرتوليان (160 ـ 245) م يعتبر الروح القدس ذاتاً مميزة. فكان يقول: الآب شيء والابن شيء وروح القدس شيء ولكنه كان يضعه في المرتبة الثالثة. وكان يقول إن اللّه أنتج الكلمة كما ينتج الجذر الساق والروح القدس نشأ من الكلمة كالثمرة تنشأ من الساق.
«وقال سان جيروم أن لاكتانس (250 ـ 300) م كان يهب للروح القدس شخصية متميزة.
«وكان كليمان الإسكندري (150 ـ 220) م يقول إنه ليس للروح القدس تحديد مضبوط.
«وكان أوريجين (175 ـ 254) م يعتبر روح القدس شخصاً متميزاً ولكنه كان يعتبر أحط من الابن ومخلوقاته وكان يقول إن الآب يعمل في جميع المخلوقات ولكن الابن لا يعمل إلا في الكائنات العاقلة. ولا يعمل روح القدس إلا في القديسين دون غيرهم فقدرة الآب أكبر من قدرة الابن وقدرة الابن أكبر من قدرة الروح القدس، وقدرة الروح القدس أكبر من قدرة القديسين.
«ولما اجتمع مجمع (نيسيه) سنة (325) م وجدد وحدة أزلية الآب والابن ترك للناس الحرية في الاختلاف على الروح القدس.
«وقال غريغو اردونازيانس (300 ـ 389) م بأنه وإن كان هو نفسه يعتبر الروح القدس ذاتا متميزة إلا أن جماعة من معاصريه اللاهوتيين كانوا يعتبرونه قوة أو فضيلة، وكان آخرون يتحرجون من الحكم بشيء في حقه مقلدين في ذلك الكتاب المقدس فإنه لم يبت فيه بحكم».
ثم قالت دائرة المعارف الفرنسية:
«ومع كل هذا فإن فكرة تشخيص الروح القدس غلبت على المسيحيين. وما بقي إلا الجدال في تحديد طبيعة هذه الذات وعلاقاتها مع الآب والابن.
«فالآريون يقولون إن الروح القدس كائن خلقه الابن.
«والسمباريون يقولون بهذا الرأي أيضاً.
«ومن القسيسين كثيرون من أتباع الكنائس الشرقية يعلنون بأن الروح القدس ماهو إلا مخلوقاً وعبدا للّه لا يمتاز عن الملائكة إلا في الرتبة.
«وفي سنة (360) م جاء أتاناز فأثار حرباً على هؤلاء القائلين بعدم شخصية الروح القدس وساعده غريغوار دونازيانس وباريل الأكبر وديديم واتفق الجميع على إثبات أن الروح القدس يؤلف باتحاده مع الآب والابن الثالوث الإلهي وأنه يساويهما في الطبيعة. ولكن الأكثرين اعتبروه أحط منهما في الرتبة.
«وفي سنة (362) م اجتمع مجمع بالإسكندرية فقرر بأن روح القدس ليس بمخلوق ولا هو بغريب عن طبيعة الآب والابن.
«وجاء مجمع القسطنطينية سنة (381) م فأيد مذهب المجمع الإسكندري وزاد في رمز نيسيه فصلاً هذا نصه: أنا أعتقد بالروح القدس الذي هو أيضارب ويعطي الحياة ويعمل بالآب ويعبد ويعظم مع الآب والابن وأنه هو الذي تكلم بواسطة الأنبياء» انتهى ما نقلناه عن دائرة معارف القرن العشرين الفرنسية ملخصاً.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الغنوصية

الغنوصية هذه الكلمة Gnosticisme يونانية الأصل معناها: المعرفة الباطنية لعلم ما فوق الحس. فهي فلسفة ...