الزنى

الزنى
وطء المرأة في قبلها من غير ملكٍ ولا شبهة ولا نكاح.
شعر النوع البشري بفظاعة الزنى من أول عهده بالحياة الأدبية ووضع له العقوبات الصارمة.
أما حد الزنى في الشريعة السمحاء فالرجم على الذكر والأنثى إذا كانا محصنين، وإذا لم يكونا محصنين فيجلدان مئة جلدة.
ويثبت الزنى عند الحاكم بشهادة أربعة رجال يشهدون عليه بلفظ الزنى لقوله تعالى {واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم}[النساء: 15].
ولقوله تعالى {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء }[النور: 4].
ولقوله: للذي قذف امرأته إئت بأربعة شهداء يشهدون على صدق مقالتك.
وحكمة كون الشهود أربعة تمام الستر لأنه قلما يتفق وجود أربعة شهود على جريمة سرية.
ولا بد أن تكون الشهادة من الأربعة في مجلس واحد وإلا كانوا قاذفين فيحدون حد القذف لقول عمر لو جاوؤا بمثل ربيعة ومضر فرادى لجلدتهم.
ولو كان أحد الشهود الزوج قبلت شهادته لأنه يتضرر بزنى امرأته لإقراره بزناها فكان بعيدا عن التهمة كشهادة الوالد على ولده.
ويستفسرهم القاضي عن نفس الزانى وحاله وموضعه ووقته وعن المرأة التي زنى بها. وحكمة الاستفسار رفع الاحتمال ولتمام الاحتياط ولعله يندرىء الحد. فإن قالوا رأيناه فعل كيت وكيت وإنه كان طوعا وإنه كان في وقت كذا وقتا غير متطاول وإنه في دار الإسلام في البيت الفلاني وإنه كان بالغاً عاقلاً وإن المزني فيها فلانة وهي ليست أمته ولا شبهة له فيها فإن كان بين الشهود تمام البيان وظهرت عدالتهم أوجب القاضي الحكم بالزنى ووجب على القاضي حبسه حتى يعدل الشهود لاتهامه بالجناية.
ويثبت الزني أيضاً بإقرار الجاني أربع مرات في أربعة مجالس كلما أقر مرة رده القاضي. ثم بعد الأقارير يسأله القاضي كما يسأل الشهود عن الزنى وكيف هو وأين هو بمن زنى احتيالاً للسقوط لينجو.
ثم يسأله عن الاحصان فإن كان محصنا حكم برجمه. ولو لم يعرف التي زنى بها أحد لأنه أقر ولم يذكر ما يسقط تحقق فعله بل تضمن الإقرار عدم الملك له فيها.
وإذا أقر بامرأة غائبة حده ولو أقرأنه زنى وسئلت فأنكرت فلا حد عليه لأن إنكارها شبهة ولو رجع المقر ولو في أثناء إقامة الحد ترك وخلي له السبيل لأن رجوعه أورث له شبهة وبها تدرأ الحدود.
ويندب للقاضي أن يلقنه الرجوع بقوله لعلك لمستها لعلك قبلتها لعل الوطء كان شبهة أو بملك أو نكاح.
كيفية الحد:
إذا تحقق الحد وكان الزاني شخصاً محصناً بأن كان حرا عاقلا بالغاً مسلماً تزوج امرأة مسلمة بنكاح صحيح ودخل بالمرأة وهما على هذه الصفة تعين رجمه بالحجارة إلى أن يموت ويكون ذلك قضاء. وقد أمر رسول اللّه برجم رجل اسمه ماعز وامرأة اسمها الغامدية أقرا بالزنى. فأخرج ماعز إلى البقيع ففر إلى الحجرة فرجم بالحجارة حتى مات فيبدأ الشهود بالرجم ثم القاضي الذي حكم بالرجم ثم الناس وتصف الناس صفوفا كصفوف الصلاة لما روي عن علي أنه قال حين رجم شراحة الهمدانية أن الرجم سنة سنها رسول اللّه ولو كان شهد على هذه أحد لكان أول من يرمي، الشاهد يشهد ثم يتبع شهادته حجرة، ولكنها أقرت فأنا أول من رماها بحجر.
فإن تأخر الشهود عن الرجم أو أحدهم سقط الحد لأن امتناعهم دليل رجوعهم فكان في البدء بهم احتيال للدرء. وكذا لو خرج الشهود أو أحدهم عن أهلية أداء الشهادة قبل الإستيفاء بل اعتراهم أو أحدهم جنون أو عمى أو قذف أو ارتداد ولو كان في الشهود ذا رحم محرم من المرجوم لا يقصد قتله بالضرب لأنه مأمور بصلة الرحم ولا داعي إلى قطعها لأنه يكفيه غيره.
وإذا كان الزاني ثبت زناه بإقرار بدأ القاضي بالرجم ثم الناس لما ثبت عن علي أنه رمى الغامدية بحصاة مثل الحمصة ثم قال للناس أرموا وكانت قد أقرت بالزنى.
ثم بعد موت المرجوم يغسل ويكفن ويصلى عليه لأنه قتل بحق فلا يسقط به الغسل كالقتل.
ولو أمر القاضي بالحفر للمرأة التي وجب رجمها جاز لأنه أستر لها ولأنه حفر للغامدية إلى ثندؤتها.
ولا يطلب الحفر للرجل لأن مبني العقوبة على التشهير.
واحصان الرجم مشترط بشروط سبع العقل والبلوغ والحرية والإسلام والنكاح الصحيح وشرط الدخول والإصابة.
ولو كان الزاني حرّاً غير محصن جلده القاضي مائة جلدة لقوله تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة}[النور: 2]ونسخ عموم هذه الآية بالنسبة للمحصن وبقي معمولا بها في حق غيره.
ولو كان الزاني رقيقا كامل الرق أو مكاتبا أو مستسعى أو مدبرا أو أم ولد جلد خمسين جلدة لقوله تعالى: {فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب}[النساء: 25]. والمراد به الجلد لعدم تصور تنصيف الرجم ولفقد شرط الإحصان ولأن الرق منصف للكرامات وتنصيفه للعقوبة بدلالة النص الوارد في أحد المثلين يكون واردا في المثل الآخر.
ويجوز للقاضي إذا رأى المصلحة في نفي الزاني أن ينفيه.
ولو زنى المريض وكان محصناً رجم لأنه لا فائدة في انتظاره.
ولو زنى وكان غير محصن أخر عنه حتى يبرأ لأن الغرض من الحد الزجر لا الإتلاف حتى أن الحد لا يقام في شدة الحر ولا في شدة البرد.
ولو كان الزاني ضعيف البنية ولا يرجى شفاؤه من مرضه ولو أقيم عليه الحد هلك جلد جلداً خفيفاً. ولما روي أن رجلا ضعيفا زنى فذكر ذلك سعد بن عبادة للنبي وكان ذلك الرجل مسلما فقال عليه السلام اضربوه حده. فقيل يا رسول اللّه إنه ضعيف مما تحسب ولو ضربناه مائة قتلناه. فقال عليه الصلاة والسلام خذوا عثكالا فيه مائة شمراخ ثم اضربوه ضربة واحدة. قال ففعلوا رواه أحمد وابن ماجة.
ولو كانت الزانية حاملاً غير محصنة أخر حدها حتى تلد وتخرج من نفاسها وإن كان حدها الرجم رجمت بعد الوضع إن وجد للولد من يرضعه ويربيه.
ولو أقر أحد الزانيين وأنكر الآخر لا يجب الحد عليهما معاً لأن الزنى فعل مشترك بينهما قائم فانتفاؤه عن أحدهما يوجب شبهة في الآخر والحد يدرأ بالشبهة.
كيفية الجلد يكون بسوط وسط لا عقدة له وأن يكون الضرب متوسطا لأن الغرض الزجر لا الإهلاك ولو كان شديدا أفضى إلى تلفه.
ويجب في حالة إقامة الحد نزع ما عليه من الثياب غير الإزار لأن المطلوب إيصال الألم. وقد صح أن عليا كان يأمر بتجريد المحكوم عليه من الثياب.
ويطلب ممن يقيم الحد تفريق الضرب على أعضائه لأنه نال اللذة بكل عضو فيجب أن ينال الألم بكل عضو كذلك ولأن تركيز الضرب في عضو واحد قد يفضي إلى تلفه.
إنما يستثنى من الأعضاء الرأس والوجه والفرج.
ويضرب الرجل في الحدود من قيام من غير مد والمرأة من قعود.
الشهادة على الزنى لو شهدت الشهود بسبب حد مضى عليه شهر لغير مرض أو خوف أو بعد مسافة رد القاضي شهاداتهم.
ولو شهد أربعة رجال اثنان منهما على أنه زنى بها ببلد والآخر على انه زنى بها ببلد آخر فلا حد عليهما لأن الزنى بالبلد الأول غير الزنى بالبلد الثاني ولم يتم على كل حال زنى نصاب شهادته ولا يحد الشهود للقذف لأن كلامهم وقع شهادة صورة مستجمعة الشرائط فلا يقع الحد اعتبارا للصورة كما اعتبرنا نقصان العدد في المشهود به فأسقطنا وجوب الحد على المرأة والرجل.
ولو شهد أربعة اثنان منهم يشهدان بأنه زنى بفلانة في زاوية البيت الشرقية والآخرين يشهدان بأنه زنى بها في زاوية البيت الغربية قبلت الشهادة وحد الرجل والمرأة حد الزنى إن كان البيت صغيرا لأنه يمكن أن يكون ابتداء الفعل في الجهة الشرقية وغايته بالجهة الغربية أو بالعكس وكذا الحكم في الساعتين المتقاربتين.
ولو شهد أربعة على امرأة بالزنى ووجدت بكرا فلا حد على الزاني ولا المرأة المزني بها ولا حد على الشهود. أما عدم الحد عليهما فلان الزنى غير ممكن مع البكارة وأما عدم حد الشهود فلتكامل عددهم خصوصا والبكارة تثبت بشهادة النساء وشهادتهن حجة على سقوط الحد وقد علمنا بها بالنسبة للرجل والمرأة لا في إيجاب الحد فلذا لا تحد الشهود.
ولو وجدت المرأة ثيبا ولكن الشهود كانوا فسقة فلا حد أيضاً على أحد لأن في شهادتهم قصورا لتهمة الكذب فلا حد على الزاني والزانية. ولأن الشهود من أهل التحمل والآداء فلذا لا يحدون.
ولو شهد أربعة رجال على شهادة أربعة غيرهم فلا حد على الزاني والزانية لزيادة تحقق الشبهة في تحميل الأصول وفي نقل الفروع ولا حد على الشهود لنقلهم كلام غيرهم ولو جاء الأصول وأدوا الشهادة فلا حد أيضاً لأن شهاداتهم ردت من وجه بسبب رد شهادة الفروع. ولا حد على الشهود لأن عددهم متكامل.
ولو شهد على الزنى أربعة وكانوا عميانا أو كانوا محدودين في قذف أو كانوا ثلاثة فلا حد على الرجل والمرأة وحد الشهود لأن شهادة العميان والمحدودين في القذف لا تثبت المال مع أنه يثبت بالشبهة فلا نثبت الحد لسقوطه بالشبهات من باب أولي وشهادة الثلاثة قذف محض لعدم تكامل النصاب.
ولو شهد أربعة بالزنى وأقيم الحد ولو كان جلدا ثم ظهر أن أحد الشهود عبدٌ أو محدودٌ في القذف حد الجميع لأنه يتبين أن الشهود ثلاثة وأثر الضرب هدر.
وإن كان حده الرجم ونفذ فديته من بيت المال لأن الموت بسبب خطأ القاضي وخطأه على بيت المال لأنه عامل للمسلمين فيجب الغرامة في مالهم إجماعا.
ولو رجع أحد الشهود الأربعة بعد الرجم حد حد القذف وحكم عليه القاضي بربع دية المرجوم. وكذا الحكم كلما رجع واحد منهم كأن تلف النفس كان بسبب شهادتهم وفي رجوعه إقرار بالإتلاف فتجب الغرامة بحسابه من الدية والحد لأنه المنقول.
ولو كانت الشهود خمسة فرجم بشهادتهم ثم رجع أحدهم فلا شيء على الراجع من ضمان وحد لاعتبار بقاء الباقين لا الراجع.
ولو رجع واحد آخر حكم القاضي بربع الدية عليهما وحدهما حد القذف. أما الحد فلانقلاب شهادتهما قذفا وأما الغرم فلأنه بقي ثلاثة أرباع الدية والمعتبر الباقي لا الراجع.
هذه زبدة ما أتي في الشريعة الإسلامية عن الزنى وأحكامه ومنه يتضح للقارىء أن الإسلام مع شدة استفظاعه لهذا الإثم الكبير وتقريره الرجم عقوبة له سعى في تخفيف هذه العقوبة بما اشترطه من الشهود والقيود جريا على سنة الرحمة التي هي أساس شريعته السمحاء.
ومما يؤسف له أن جريمة الزنى أخذت في الإنتشار وزاد مرتكبوها في هذا القرن زيادة كبيرة بما قام في وجه الزواج من العقبات بدخول النوع البشري في أدوار من العادات لا تتفق مع الحياة الصحيحة.
أصبح الشبان اليوم يمتنعون عن الزواج عند بلوغهم السن المناسبة له بحجة أن الزواج يشغلهم عن الكد والعمل وبأنهم لو أقدموا عليه وهم بعيدون عن مركز عال في الهيئة الاجتماعية فلا يستطيعون مصاهرة البيوتات الرفيعة من الأمة فينتظر الواحد منهم حظه في الترقي والشهرة والإثراء حتى يجتاز الأربعين ثم يشرع في الزواج فيقضي عشرين سنة من حياته سارحا في مسارح الفسق مفتنا في أساليبه على قدر ما أوتي من حول ومن حيلة.
فعلى الهيئة الاجتماعية التي يحيق بها ويل هذا الإثم الفظيع أن تنظر في علاج هذا الداء الوبيل الذي ما فشا في أمة إلا ضربها اللّه بالهوان وأذاقها الذل والخسران وليس يبعد على الأمة الرشيدة أن تضع من القوانين ما يرد الفاسقين عن غيهم ويحفظ على الأسر كراماتها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

النفقة

النفقة حق الزوجة في النفقة أو الانفاق على الزوجة: والمقصود بالنفقة هنا: توفير ما تحتاج ...