الشيخ علي الدرويش

الشيخ علي الدرويش
(1872م ـ 1952م)
أصله ونشأته:
هو المرحوم الشيخ علي بن الشيخ إبراهيم الدرويش ولد بحلب الشهباء سنة 1872م وتعلم بمدارسها حتى نال الشهادة الإعدادية، وكان والده أحد أعلام الفن منتسباً إلى الطريقة المولوية، فسار على خطى والده باتباع هذه الطريقة التي رأى فيها غايته المنشودة، وكان مرشدها (عامل جلبي) وهو من أسرة مولانا جلال الدين الرومي، وشاءت الظروف أن تهيىء له الطريق المعبد لدراسة الفن فتلقى عن المرحوم (كوجك عشان بك) مؤذن السلطان عبد العزيز وكان من أبرز المنشدين الأتراك وقد أبعده السلطان عبد الحميد إلى حلب فتعلم المقامات الموسيقية والأبعاد الصوتية ومعرفة كل مقام منها وما يتركب من نغمات ثم معرفة كل مقام وأي الدرجات التي يمكن الابتداء به وكيفية الانتقال إلى مقامات أخرى والرجوع إلى الأصل، ثم على الايقاع وكيفية ضروبه باليدين وباليد الواحدة مع تحليل كل إيقاع منها على أصل قاعدة البسيط والمركب والأعرج، وتلقى الموشحات ورقص السماح عن الفنانين الحلبيين المرحومين أحمد عقيل والحاج أحمد الشعار ومحمد ديبو الأدلبي والشيخ صالح الجذبه وأحمد الشيخ شريف وغيرهم.
بحثه عن الموشحات القديمة:
وعندما تضلع بأصول الفن بدأ يبحث عن الموشحات القديمة بحلب الموروثة عن ورأى من الضروري دراسة النوطة ليتمكن من تدوين هذه الموشحات، فتعلم النوطة على الأستاذ مهران السلانكلي فأخذ عنه الحالات الابتدائية لتعلم قراءة النوتة أي (الصولفيع) وبدأ يمارس ويجتهد حتى تمكن بعد خمس سنوات من ربط أول موشح، ثم باشر بتدوين الموشحات وربطها على النوطة وقد تعهد بعناية ما عبثت به الأيدي بالإصلاح والتهذيب.
أستاذ الموسيقى في قسطموني:
وقبيل الحرب العالمية الأولى عين مدرساً للموسيقى بالمدرسة السلطانية ودار المعلمين والصنايع في بلدة قسطموني بتركيا ومكث مدة أحد عشر عاماً تخللها مدة إقامته في إستانبول وانكب يبحث عن الآثار الموسيقية وإكمال نواقصه الفنية وشرع في ذاك الوقت بتأليف كتاب قيم وعهد إلى الأستاذ الشيخ عبد العزيز من بلدة جبله بإصلاح عبارته اللغوية.
مؤلفاته:
وخلال مدة أربع سنوات أنجز المؤلف وسماه (النظريات الحقيقية في علم القراءة الموسيقية) ومحتويات هذا الكتاب مؤلف من ستة أجزاء الأول والثاني يبحث عن علم قواعد النوتة وعلم الأصوات وما يلائمها من بعضها والجزء الثالث يبحث عن علم الإيقاع وأزمنة ضرورية على النوطة والرابع يبحث عن آلة الناي وكيفية العمل بها والعود والقانون أيضاً والخامس مدون بعض الموشحات القديمة والسادس تمارين لكل الأبحاث ضن الأجزاء الثلاثة.
سفره إلى العراق:
وبعد انقضاء هذه المدة التي أمضاها في تركيا رجع لمسقط رأسه بحلب وبعد سنين سافر إلى العراق مع فرقة موسيقية حلبية مؤلفة من الفنانين المرحومين عمر البطش وعبدو بن عبدو ومحمد طيفور وكان المترجم له من أفرادها عازفاً على الناي وأقام مدة شهرين في بغداد ثم سافر إلى المحمرة وأقاموا مدة سنتين عند الأمير خزعل، ثم عاد المترجم إلى حلب يحمل ثروة اشترى فيها عقارات وسافر مرة أخرى إلى العراق للتدريس في معهد الفنون الجميلة في بغداد وأمضى سبع سنين عاد بعدها إلى حلب في عام 1951م وعين أستاذاً للمعهد الموسيقي الشرقي بحلب وخبيراً موسيقياً في محطة الإذاعة الإضافية.
سفره إلى مصر:
ثم سافر إلى مصر بدعوة من المرحوم مصطفى رضا بك رئيس المعهد الملكي المصري فأخذ معه مؤلفاته وألحانه، وبعد دراسة مؤلفه أقر مجلس إدارة المعهد ابتياعه للمعهد مع بقاء حقوق التأليف للمؤلف وعقدوا معه عقداً لمدة ثلاث سنوات قام خلالها بكتابة الموشحات والأدوار القديمة المستعملة في مصر وتدريس النوطة لتلامذة المعهد وتدريس الناي والاشتراك معهم بحفلاتهم فقام بتعهداته وعمل أحسن قيام.
اجتماعه بالمستشرق البارون رودولف ديرلنجير:
وحضر هذا المستشرق إلى مصر بطلب من الملك فؤاد الأول لفحص الحالة الموسيقية من الوجهة الفنية بمصر وخاصة في المعهد الملكي، وأشار على الملك بضرورة عقد مؤتمر للموسيقى العربية بالقاهرة، وحضر البارون لمصر للبحث في المواضيع الفنية الموسيقية وعقد المؤتمر بتاريخ 16 آذار 1932م فدعي الفقيد لحضور جلسات المؤتمر وكان يمثل سوريا المترجم له والمرحوم الفنان أحمد الأوبري والأستاذ شفيق شبيب الفنان الدمشقي واطلع المترجم على المباحثات الموسيقية الفنية للمسائل التحضيرية وعين عضواً في لجنة المقامات والإيقاع والتأليف، ولم تثمر اجتماعات المؤتمر عن نتائج فنية مرضية لاصطدام الأبحاث بعقبات عقيمة. كما وأن الكتاب الذي أصدره المعهد الموسيقي الملكي في مصر قد ثبت عدم الاعتماد عليه لاحتوائه على أخطاء فنية فادحة، فأبطل الأخذ بمفعول أبحاثه.
مؤتمر تونس الفني:
وذهب المستشرق المذكور إلى تونس فدعا المترجم له إلى مرافقته فأقام مدة شهرين بمهمة تحليل جميع المقامات المستعملة في الشرق وترتيبها على حسب السلم الصاعد والهابط مع بيان الأجناس أي (النغمات) وكيفية أطوارها وتحليل جميع الإيقاعات إلى بسيط وأعرج، وكلف البارون بكتابة نوبة من الموسيقى الأندلسية التي تسمى (مألوف) فألف (14) نوبة أندلسية ومنحه ملك تونس وسام الافتخار من الدرجة الثانية، ثم عين أستاذاً بمدرسة الموسيقى الغربية وتولى تدريس قواعد علم الصوت واتفق أن يدرس كل سنة أربعة أشهر فقط وله تلامذة كثيرون في تونس.
فنه:
لقد كان المترجم له أستاذاً ومؤلفاً في علم الموسيقى، أما مواهبه في ميدان التلحين فمحدودة وإن النوبات الأندلسية التي اقتبسها من الألحان التونسية وألفها فقد اتسمت بطابع الجمود الفني والأغلب أن الفن التونسي الشائع هناك هو على هذه الوتيرة الجامدة.
وفاته:
وفي يوم الخميس 7 ربيع الأول سنة 1372 هجرية الموافق 27 تشرين الثاني سنة 1952م هوى هذا الكوكب الساطع من برجه الفني ليلحد الثرى مع أسرار فنونه وخسر المجتمع الفني أقوى فنان أنجبته البلاد الشرقية ودفن بمقبرة عائلته بحلب وشيع جثمانه باحتمال يليق بمآثره وتراثه الفني.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عبدو بن الحاج محمد عبدو

عبدو بن الحاج محمد عبدو (1864 ـ 1939م) ولد هذا الفنان بحي قسطل الحرامي بحلب ...