القرامطة

القرامطة
في الوقت الذي كانت فيه حركة الزنج تحتضر ظهرت دعوة الإسماعيلية ودعوة القرامطة، وكلها تنبع من منبع واحد وهو إطلاق العنان للشهوات واصطياد الشباب. وأساس هذه الدعوة أن أسرة عمر بن إسماعيل الطالبية قد انتقلت إلى السلمية في بلاد الشام، وفي الوقت نفسه فقد انتقلت أسرة ميمون القداح إلى السلمية وكان الأخير قد عاصر محمد بن إسماعيل، فأوصى ميمون أن يسمي أولاده بأسماء أحفاد ابن إسماعيل كي يختلط الأمر، وهذا ما حصل فعلاً وأصبحت السلمية مركزاً لدعوة هذه الأسرة القداحية أو الميمونية.
وازداد النشاط وانتشر دعاتهم، وكان ممن جملتهم رجل اسمه «أبو عبيد الله الشيعي» وكان يدعو في العراق لأبناء محمد بن إسماعيل، كان من أنصاره «رستم بن الحسني بن حوشب»، وكان في اليمن رجل كثير المال والعشيرة من رؤوس الشيعة يدعى «محمد بن الفضل» وكان في العراق يزور كربلاء فرآه أبو عبد الله الشيعي وأحبا كسبه إلى دعوتهما، فتجاوب معهما وأخذهما معه إلى اليمن وهناك انطلقت الدعوة وكثر أتباعها. ثم زار «أبو عبيد الله الشيعي» السلمية والتقى «بإمامهم المستور» ووصلت الأخبار إلى المغرب أن الأرض هناك صالحة لنشر هذه الدعوة فسار إليه أبو عبد الله الشيعي، وبدأت الدعوة تأخذ طريقها نحو النجاح وأسس رستم بن الحسين بن حوشب إمارة له في اليمن.
وكان من أهم دعاة العراق «مهرويه» وهو فارسي يخفي مجوسيته، وكان عبد الله بن ميمون القداح رأس الدعوة الاسماعيلية الظل، فأرسل ابنه أحمد ليقيم في بلاد خراسان، ثم أعلن أحمد عن موت ابنه حسين، ولم يمضي وقت طويل حتى خرج من تلك البلاد حسين هذا باسم «حسين الأهوازي»، وقد عرف كداعية إسماعيل في جنوبي العراق وهناك التقى ب ـ حمدان بن الأشعث أو حمدان قرمط وضمه إلى دعوته، وقد كان المحيط الذي يعيش فيه حمدان حاقداً على الحكم العباسي فتوسعت الدعوة وترقى حمدان في سلمها.
وعندما قضي على ثورة الزنج عام 270 هـ. استطاع حسين الأهوازي أن يجدد دعوته فوضع عن أتباعه الصوم والصلاة وجميع الفرائض وأحل لهم أموال المخالفين ونظمهم بدقة وكان أبرز رجاله حمدان قرمط. الذي خلفه عند وفاته فبنى لجماعته داراً بالكوفة عام 277 هـ ، وقد اختار حمدان دعاته وكان أهمهم ابن عمه وصهره «عبدان» وزكرويه ابن مهرويه الذي أخذ الدعوة عن أبيه «أبو الفوارس» الذي قاد الثورة عام 289 هـ.
كان القرامطة دعاة للإسماعيلية ثم انحرفوا عنهم عندما علموا أن الدعوة في السلمية لم تعد لأولاد محمد بن إسماعيل إنما لأولاد عبد الله بن ميمون القداح وأصبح الاختلاف واضحاً بين الفريقين في العقائد التي غدت للقرامطة وعدّهم الإسماعيليون ملاحدة.
وعندما حدث هذا التغير في طريقة «قرمط» حضر احد أبناء ميمون القداح من الطالقان إلى الكوفة فعاتب «عبدان» وهو مفكر القرامطة على النهج الخاص الذي يسيرون عليه فما كان من عبدان إلا أن طرده غير أن «زكرويه بن مهرويه» قد استقبله وتآمر الاثنان على قتل عبدان فثار أهل السواد لأن أكثرهم من أتباع عبدان فهرب القداحي واختفى زكرويه.
ثم ظهر زكرويه في جنوبي العراق وعمل على التخلص من عبدان وذلك بقتله والذي قام بهذه المهمة هو يحيى بن زكرويه ثم أكمل المهمة وتخلص من حمدان.
عند ذلك بدأ زكرويه بإرسال أولاده لإعادة نشاطه، فبعث يحيى بعد أن بايعه أتباع أبيه زكرويه في سواد الكوفة عام 289 هـ ولقبوه بالشيخ كما عرف بأبي القاسم وادعى نسباً إسماعيلياً وزعم لهم مزاعم باطلة وأسماهم بالفاطميين، فأرسل لهم هارون بن خمارويه جيشاً بقيادة «طغج بن جف» فهزمته القرامطة وسارت صوب دمشق فحاصرتها عام 290 هـ ولكنها عجزت عن دخولها وأرسل الطولونيون جيشاً آخر بقيادة بدر الكبير غلام أحمد بن طولون فانتصر على القرامطة وقتل زعيمهم يحيى بن زكرويه.
وكان زكرويه قد أرسل ابنه الثاني الحسين ابن زكرويه الذي ادعى هو الآخر نسباً إسماعيلياً قبل مقتل أخيه سنداً له، وعندما علم يحيى أنه مقتول لا محالة وعلم بقرب وصول أخيه أخبر جماعته أنه سيطلع إلى السماء وأنه سيعود بعد أربعين عاماً وأن أخاه الحسين سيأتيه في نجدة غداً.
وكما اشتدت وطأة المعتضد على القرامطة في جنوبي العراق اشتدت في السلمية على أسرة ميمون القداح ففر عبيد الله ابن الحسين بن أحمد بن عبد الله بن ميمون القداح واتجه إلى الرملة وبنفس الوقت كان الحسن بن زكرويه في طريقه للكوفة لمساندة أخيه يحيى فعرج إلى الرملة والتقى بعبيد الله وحاول استرضاءه وإظهار الطاعة له، فأظهر عبيد الله رضاءه عنه وموافقته على عمله خوفاً من أن يقتله وما إن غادر الحسين الرملة إلى دمشق حتى تركها عبيد الله أيضاً إلى مصر. وعندما وصل الحسين بن زكروية إلى دمشق وجد أخاه قد قتل فالتف القرامطة حوله وحاصر بهم دمشق وحاول فتحها إلا أنها استعصت عليه فرجع إلى حمص الذين أطاعوه وانتقل بعد ذلك إلى السلمية فامتنعت عنه ففتحها عنوة وأعمل بها خراباً وتحريقاً وتقتيلاً ببني إسماعيل الذين يدعون نسبهم وببني القداح الذين يدعون موالاتهم، ثم عاد بعد ذلك إلى حماه وبعلبك وكان يعمل القتل والحرق في كل مدينة ينزل فيها ثم توجه إلى الكوفة وهناك قاتله الخليفة المستكفي فوقع الحسين بن زكرويه أسيراً فاقتيد إلى بغداد حيث قتل وصلب هناك عام 291 هـ.
عند ذلك خرج زكروية بنفسه من مخبئه الذي اختباء فيه مدة ثلاث سنوات وسار بأتباعه نحو بلاد الشام فأمعنوا في القتل والسلب ونهب القوافل والحجاج إلى أن قتل عام 301 هـ وتشتت جماعته فمنهم من انتقل إلى البحرين ومنهم من سار إلى بلاد الشام. وهكذا انتهى أمر القرامطة من جنوبي العراق وذابوا في بلاد الشام. وأما عبيد الله بن الحسين القداحي فقد علم ما حصل بالسلمية وما نزل بآل إسماعيل فنسب نفسه لآل إسماعيل واتجه نحو المغرب حيث كانت دعوة أبي عبد الله الشيعي قد قويت.
وفي اليمن كانت دعوة رستم بن الحسين بن حوشب تلق رواجاً وكان من أكبر أعدائه علي بن الفضل الذي اختلف معه وافتتن كثيراً بالتفاف الناس حوله فسار شوطاً بعيداً في الفساد وادعاء النبوة، وقد دخل اليمن وكان فيها بنو زياد وبنو يعفر ثم مات مسموماً عام 303 هـ وانطفأت معه دولة القرامطة في اليمن.
وفي البحرين كان قد قدم إليها عام 281 هـ رجل اسمه يحيى بن المهدي الذي دعا لبيعة المهدي وبدأ الناس يستجيبون له وكان ممن استجاب له بدعوته أبو سعيد الجنابي وكان من صاحب عبدان وحمدان قرمط، وقد تزعم أبو سعيد هذه الجماعة بعدما ادعى يحيى بن المهدي النبوة وانفرد بمجموعة أخرى أيضاً.
وكبرت جماعة أبي سعيد الجنابي وأغواهم بجمع الأموال واتباع الشهوات وظهروا عام 286 هـ وعاثوا في الأرض الفساد ثم أظهر أبو سعيد أنه يريد البصرة فوجه له الخليفة المعتضد جيشاً بقيادة العباس بن عمرو الغنوي فانتصر القرامطة وأسروا الجيش العباسي كاملاً مع قائده ثم قتل أبو سعيد جميع الأسرى وكان عددهم عشرة آلاف مقاتل واستمر نشاط أبي سعيد الجنابي القرمطي حتى قتله خادمه بالحمام كما قام بقتل خمسة من كبار قادته.
فقام ابنه سليمان الجنابي أبو طاهر وقاد القرامطة، وقد عاث في المنطقة فساداً وأرهب الناس وارتكب المنكرات، وهتك المحارم. ودخل البصرة عام 311 هـ ثم الكوفة عام 313 هـ. وفعل بالأهالي الأفاعيل، ثم انتقل إلى مكة فضج المسلمون من أفعاله وأعماله المنكرة حتى انقطع الحج، وقد انتصر على جيش المقتدر بالله وذلك عام 316 هـ. وفي العام التالي دخل مكة أثناء موسم الحج وقتل الحجاج ورمى جثثهم في بئر زمزم واقتلع الحجر الأسود من مكانه وحمله معه إلى هجر وبقي هناك حتى عام 339 هـ.
وقد استمر أبو طاهر على فساده، وقد استطاع المحافظة على مركزه والتخلص من خصومه ثم تمكن الحجاج من الذهاب إلى الحج عام 327 هـ بوساطة من الشريف أبي علي محمد بن يحيى ولكن تحت شروط خاصة وضعها القرامطة وضريبة مالية عن كل شخص يريد التوجه للحج ومات أبو طاهر بن أبي سعيد الجنابي عام 332 هـ فخلفه إخوته الثلاثة سعيد أبو القاسم وأحمد أبو العباس ويوسف أبو يعقوب، وكانت كلمتهم واحدة في البداية، سار القرامطة عام 353 هـ إلى طبريا ليأخذوها من يد الأخشيد ولما لم يستطيعوا طلبوا النجدة من سيف الدولة فأمدَّهم وتمكنوا من دخول دمشق عام 357 هـ. وأجلي القرامطة عن عمان عام 355 هـ ، ورجع القرامطة إلى دمشق عام 360 هـ. وكانت مع العبيديين فتمكنوا من دخولها. ثم ساروا إلى الرملة فأخذوها أيضاً واتجهوا نحو القاهرة غير أنهم هزموا على أبوابها.
وفي عام 366 هـ توفي مقدم القرامطة أبو يعقوب يوسف بن أبي سعيد الجنابي وقام من بعده ستة لم يختلفوا فيما بينهم أبداً وكانوا يعرفون باسم السادة، كما توفي في العام نفسه الحسين بن أحمد بن أبي سعيد الجنابي زعيم جيوش القرامطة إلى الشام.
وفي عام 375 هـ دخل القرامطة منطقة الكوفة فأرسل إليهم صمصام الدولة جيشاً طردهم من منطقة الكوفة وقتل احد سادتهم وبذلك يكون قد أنهى وجودهم في هذه المنطقة، ولم يبق إلا قرامطة البحرين وقد ضعف أمرهم كثيراً بزوال حكم آل بويه فخرجت جزيرة «أوال» عن طاعتهم عام 458 هـ وخضعت للعباسيين وكان أول الأمر أن بنى المسلمون مسجداً لجذب التجار لمنطقتهم وخطبوا فيه للخليفة العباسي دون العبيدي فعزل القرامطة واليهم على الجزيرة وفرضوا على أهلها ضرائب كبيرة الأمر الذي أثار السكان فهبوا ضد القرامطة واستطاعوا الانتصار عليهم، وقد هيأ هذا الانتصار أن يتصل المسلمون في البحرين بالخليفة العباسي ويطلبوا منه الدعم إذ اتصل عبد الله العيوني زعيم قبيلة عبد القيس بالخليفة العباسي القائم بأمر الله وبالسلطان السلجوقي ملكشاه عام 462 هـ ووجد عندهما تجاوباً وأرسلا لدعمه يوشا فاستطاع أن يهزم القرامطة عام 467 هـ ، وتجمع المسلمون من كل ناحية في تلك الجهات وهزموا القرامطة في معركة الخندق عام 470 هـ في شمال الإحساء وقضوا عليهم.
وبعد زوال القرامطة حكم العيونيون على البحرين وكان عبد الله بن علي العيوني أول أمرائهم وينتسب إلى بلدة العيون من قبيلة بني عبد القيس.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الصليحيون

الصليحيون قامت دعوة الإسماعيلية عام 439 هـ على يد علي بن محمد الصليحي بعد أن ...