المرابطون

المرابطون
كانت القبائل التي تقيم في صحارى المغرب كثيرة، وكلها تدين بالإسلام، لكنها لم تعرف منه: إلا القليل من أحكامه. وحدث أن ارتحل احد أمراء هذه القبائل وهو يحيى بن إبراهيم إلى الحج، وأثناء عودته التقى في تونس بعالم يعطي دروساً، وقد لاحظ هذا العالم أن أمير القبيلة جاهل فساءه ذلك فبعثه إلى احد فقهاء المغرب كي يزوده بأحد تلاميذه وهذا ما حدث فقد وجه العالم «واجاج بن للو» عبد الله بن ياسين الجزولي إلى قبيلة لمتونة ومسوفة وجدالة الصنهاجية، وبدأ يعلمهم الدين الإسلامي ونزل قرب نهر السنغال حيث أسس هناك رباطاً للمحافظة على الدين والبعد عن العادات المخالفة للإسلام، وسرعان ما انتشرت دعوته هناك وزاد أتباعه عن الألف، فأثار فيهم روح الجهاد في سبيل الله فانضمت ديار الملثمين تحت لواء الأدارسة وأصبحت جزءاً من أملاكهم، وقام تحالف بين قبائل الملثمين جميعاً برعاية لمتونة وزحفوا جنوباً ذلك لأن دولة الأدارسة كانت قوية بالشمال، وتمكن هذا الحلف أن يستولي على مدينة أودغشت التي اتخذها قاعدة له. وقد سقطت هذه المدينة من أيديهم أكثر من مرة، وكانت كل مرة تسبب صدعاً وانشقاقاً داخل الحركة. إلى أن عاد عبد الله بن ياسين وفتحها عام 446 هـ وحملوا أهلها على الإسلام وقد كان زعيم قبيلة جدالة يحيى بن إبراهيم وهو زعيم المرابطين فاستشهد في المعركة فخلفه يحيى بن عمر زعيم لمتونة، ثم سار المرابطون نحو سجلماسة بعد أن استنجد أهلها بهم واستطاعوا تخليص هذه المنطقة من حكم المغراوية ثم استشهد يحيى بن عمر فانتقلت قيادة الجيش إلى أخيه أبي بكر بن عمر اللمتوني الذي عين ابن عمه يوسف بن تاشفين على مقدمة جيشه فاستولى المرابطون على بلاد السوس وفتحوا جزولة وماسة ثم فتحوا نفيس.
ثم سار إلى أغمات وفيها يوسف بن علي الفراري فهرب منها وذلك عام 449 هـ. ثم استشهد الشيخ عبد الله بن ياسين في قتال قبيلة برغواطة عام 451 هـ واستمر أبو بكر بن اللمتوني في قتال برغواطة حتى خضعوا له، وانصرف إلى الصحراء لمقاتلة القبائل في حين أوكل لابن تاشفين مقاتلة المغراوية في الداخل، وعندما انتهى أبو بكر من حروبه عاد من الجنوب فوجد أن يوسف بن تاشفين قد نظم أمره وقوى جيشه ونازل خصومه، فتنازل أبو بكر بن عمر اللمتوني لابن عمه عن إمارة المرابطين وعاد إلى جهاده بالجنوب فدخل عاصمة غانة عام 469 هـ وفرض الإسلام على جميع القبائل التي فتحها وأخضعهم لسلطة المرابطين. وفي عام 480 توفي أبو بكر اللمتوني فضعف أمر المرابطين فاستقلت العديد من القبائل وأعلنت الارتباط بالدولة العباسية.
أما يوسف بن تاشفين فقد أعلن بيعته للخليفة العباسي القائم بأمر الله، وتمكن من القضاء على الدولة المغراوية وبنى مدينة مراكش، ثم طلب مساعدته مسلمو الأندلس فهب لمساعدتهم وكانت له عدة انتصارات على النصارى الإسبان ومن أهمها معركة الزلاقة. إلا أنه عندما وجد تخاذل ملوك الأندلس في نصرته ضد الإسبان وصراعهم فيما بينهم أرسل قائد جيشه سيري بن أبي بكر اللمتوني لإخضاع الإمارات الأندلسية لحكمه وأن يعزل جميع الملوك، فاستولى سيري على جيان وقرطبة وقرمونة ثم دخل أشبيلية وأرسل المعتمد ابن عباد إلى مراكش ثم دخل الابطون بإمرة يوسف بن داوود مدينة مرسية ودانية وشاطبة والمرية وبلنسية وهكذا أخضع أمير المرابطين ابن تاشفين معظم إمارات الأندلس لحكمه، وقد بقي على رأس الدولة المرابطية حتى عام 500 هـ. حيث توفي رحمه الله وخلفه من بعده ابنه علي بن يوسف بن تاشفين الذي أوصاه أبوه بالإحسان إلى أهل الأندلس، وقد نازعه ابن أخيه يحيى بن أبي بكر صاحب فاس فسار إليه علي فهرب من وجهه.
صمم علي على محاربة النصارى الإسبان وخاصة ألفونس السادس صاحب طليطلة فولى علي بن يوسف بن تاشفين أخاه تميم على غرناطة وجعله قائد جيش المرابطين في الأندلس، وجهزه بجيش قوي لمحاربة النصارى، وقد استطاع تميم أن ينتصر على النصارى انتصاراً كبيراً في معركة «اقليش» التي تعد من أكبر المعارك بعد «الزلاقة» وذلك عام 502 هـ وقد قتل في هذه المعركة ابن ألفونس السادس قائد جيش النصارى ومعظم من كان معه من الأمراء ونحو عشرة آلاف من جنده، وقد سُرَّ علي بن يوسف بن تاشفين بهذا النصر فصمم على المسير إلى الأندلس لإكمال محاربة النصارى فاجتاز بحر الزقاق عام 503 هـ وتوجه للجهاد واستطاع أن يفتح ثمانية وعشرين حصناً من حصون النصارى من بينها حصن مجريط (مدريد) كما أنه سار للجهاد مرة ثانية عام 504 هـ واستطاع أن يفتح عدة حصون أيضاً أهمها أشبونة (الشبونة) وأسر عدداً كبيراً من النصارى الإسبان، غير أن النصارى استطاعوا أن يدخلوا مدينة سرقسطة عام 513 هـ وأن يدخلوا قلعة أيوب شرقي الأندلس التي تعد من أمنع القلاع وأحصنها، وكان لسقوط هذه القلعة بيد النصارى أثراً كبيراً لضعف المرابطين. وفي عام 514 هـ حدثت فتنة بين أهل قرطبة وجند المرابطين أدت إلى فرار الوالي المرابطي، ثم عاد علي بن يوسف من المغرب وعقد صلحاً مع أهل قرطبة وتم له الأمر.
وقد بقي الأمر كذلك حتى بداية دعوة الموحدين عام 514 هـ وقد التقى علي بن يوسف بن تاشفين بابن تومرت مؤسس الموحدين واختلف معه بالرأي إلا أن ابن تاشفين رفض أن يلحق به الأذى لتقواه وورعه، فكبرت جماعة ابن تومرت وألف جيشاً كبيراً ضم عدة قبائل، ثم التقى الطرفان بمعركة البحيرة فانتصر فيها المرابطون، وقتل قائد الجيش الموحدي وعدد كبير من جيشه، وكان جيش المرابطين بقيادة أبي بكر علي بن يوسف بن تاشفين وفي عام 537 هـ توفي علي ابن يوسف بن تاشفين فخلفه ابنه تاشفين، الذي ولى ابنه إبراهيم على مدينة مراكش وأخذ بنفسه يتابع الموحدين بقيادة أميرهم عبد المؤمن بن علي وسار تاشفين إلى مدينة تلمسان فدخلها، ثم انتقل تاشفين إثرها إلى مدينة وهران ليتخذها قاعدة له فسار وراءه عبد المؤمن بن علي وحاصره فيها، فحاول تاشفين النجاة فهوى عن صخرة بجواده فقتل عام 539 هـ.
وقد تولى بعد تاشفين أخوه إسحق بن علي فسار إليه عبد المؤمن بن علي وتمكن من دخول مراكش والقضاء على دولة المرابطين عام 541 هـ.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الصليحيون

الصليحيون قامت دعوة الإسماعيلية عام 439 هـ على يد علي بن محمد الصليحي بعد أن ...