النمل

النمل

النملة من الحشرات التي تعيش مجتمعة تتعاون في شؤون حياتها وتتساعد في أمور بقائها فهي أمم وشعوب كأمم وشعوب النوع البشري لها نظام كنظاماته، وحكومات كحكوماته وشؤون عامة كشؤونه فهي من أعجب الحيوانات وأدعاها للتأمل. وقد انقطع كثير من علماء الحيوانات لدراستها سنين في الجهات التي تكثر فيها فرجعوا بمعارف ثمينة جدا على أحوالها التي تكاد لا تصدق لولا أنها من مصادر علمية لا يشك في صحة مقرراتها.
يعتمد النمل لقيام أموره على الاجتماع والتعاون لا يعيش إلا في قرى صغيرة يتخذها فيسكن كل قرية منها عدد من الذكور ذوي الأجنحة ومن أنثى واحدة أو عدة إناث ذوات أجنحة كذلك، ومن عدد كبير من نمل آخر لا أجنحة له هذا النصف الأخير ينقسم إلى قسمين: قسم العملة وتمتاز بصغر رؤوسها وقسم الجنود وهي أضخم رؤوسا وأقوى أيدي وقوائم.
وقد شوهد أن الذكور تموت بعد تلقيح الإناث وتفقد هذه أجنحتها.
وتختلف قرى النمل اختلافا عظيما من جهة حجومها وأشكالها على حسب أنواع النمل. فبعض هذه القرى يكون تحت الأرض فتبني من الطين ومواد أخرى وبعضها يكون فوق الصخور والحوائط والأخشاب أو مبنية بمواد نباتية أحيلت بواسطة النمل إلى مواد تصلح للبناء.
متى تلقحت النملة ومر عليها زمن معين تلد ديدانا صغيرة فتتولى العملة من النمل تربيتها وتغذيتها وأحيانا تكون تلك الديدان مشمولة في أكياس يسميها الناس خطأ بيض النمل. فلما تخرج هذه الديدان من هذه الأكياس يكون بعضها من العملة وبعضها ذكورا وبعضها إناثا.
إن أعمال النمل تدل على أنها متمتعة بدرجة رفيعة من العقل وبغرائز عظيمة للاجتماع والتضامن في الحياة. فأعمالها الاجتماعية لا تقتصر في بناء مساكنها والعمل على قانون التعاون، والقيام بتربية الصغار، ولكن يرجح أن لها لغة خاصة تتفاهم بها وهو ما لم يشاهد مثله لغيرها من الحيوانات. ثم شوهد أن لدى مجتمعات النمل غرائز استعمارية تدفعها لشن الغارات على قرى النمل المجاورة لها إما بقصد الاستيلاء على القرية للانتفاع بها أو بقصد توسيع نطاق أملاكها أو الاستيلاء على صغارها.
ومن الغريب أنها تأسر الأسرى من أعدائها فتقودهم إلى معسكرها وتقتلهم أو تتخذهم أرقاء وتكلفهم بأشق الأعمال في القرية.
النمل كثير الميل إلى الحلوى فتراه يتحرى مواضعها ويهاجمها بكل شراهة وينقل قطعا منها إلى قريته لإدخارها لوقت الشتاء.
وهذه الحشرة تتغذى عادة بالمواد السائلة وبين السيولة واليبوسة سواء كانت حيوانية أو نباتية.
ومن أعجب ما في النمل عاطفة الإدخار فتراه دائبا طول الصيف على جمع الأغذية لإدخارها في قريته فإذا جاء وقت الشتاء أوى إليها واغتذى بما جمعه فيها وقد شوهد أن له عناية خاصة بمخازن أغذيته فيبني حجراتها مرتفعة عن بقية الحجرات التي لا يلحقها الماء إذا سال إلى القرية فيتلفها وشوهد أنه يفتت القمح لكيلا ينبت.
على أن بعض النمل لا يدخر شيئا لفصل البرد ويقضيه مثل الحيوانات التي تشتي بدون طعام.
(عجائب النمل الأبيض)
من النمل نمل أبيض يوجد بآسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية وهو أعجب أنواع النمل وأكثرها في أعماله شبها بالإنسان.
وهو يعيش على الحالة الاجتماعية في ممالك. كل مملكة تتألف من ذكور وإناث لتكثير النسل، ومن جنود للحراسة والحرب ومن عملة للبناء والترميم والتموين.
يخرج هذا النمل بعد بلوغه كمال نموه زاحفا ملايين ملايين طالبا للرزق ثم يشرع في الطيران فيملأ الجو ويداهم البيوت فيلتهم كل ما يصادفه. ثم تزول عنه أجنحته فيصبح عرضة لأعدائه.
تضع أنثاه في كل 24 ساعة 80000 بويضة فهي من أكثر الحيوانات نسلا.
لكل مملكة ملكة تمثلها يعتني بها النمل عناية تفوق الوصف فتراه يملأ غرفها بالمآكل ويحيطها بالحرس والجنود ويحتف بها عدد عظيم من صنف الفعلة للقيام بتربية بويضاتها وصغارها وتراه يحملها في أفواهه ويضعها في أماكن حصينة وله في تربيتها أعمال عجيبة فتجده يكومها أكواما في الأرض ثم يحضرها ليدفئها، وينقلها من حجرة إلى حجرة أو إلى الخارج نحو ربع ساعة لترويضها وتراه يمضغ الطعام ويناولها إياه بفمه بصبر عظيم فتمتصه الصغار بلسانها. فإذا تسنى لأحدنا أن يدخل قرية للنمل يرى عجبا يرى بعضه يغذي الصغار وبعضه يحرس الجماعة وقسما يدافع عن المملكة، وآخر يرمم البناء، وغيره يعلم، وسواه يعمل أو يستريح.
(قرية النمل الأبيض تشبه قرى البشر)
إذا قارب أحدنا قرية للنمل الأبيض ظنها قرية للبشر لأنها تعلو عن الأرض نحو خمس أو ست أقدام أي نحو مترين بيوتها مخروطية الشكل كأقماع السكر ولها قباب متينة.
كل بيت من هذه البيوت مقسم تقسيما يحير الألباب فتجد فيه غرفا للملكات وأخرى لتربية الصغار وكلها محشوة بالمؤن والذخائر.
وقد اعتاد هذا النوع من النمل أن يجعل غرفة الملكة أكثر اتساعا وأكمل زخرفة وهي تكون عادة في مركز البناء متخذة من طفل متين مغطاة بسقف ولها أبواب ومداخل لا تدخلها إلا الجنود والفعلة ولا يستطيع الملك ولا الملكة الخروج منها. وحول غرفة الملكة غرف كثيرة ذات أقدار وأشكال متنوعة ولكلها أقواس وقناطر وهي تتصل بعضها ببعض بمداخل ودهاليز وأقبية وأروقة وجدران وسقوف وأعمدة وطبقات. وكل هذا مصنوع بنظام بديع وشكل جميل.
ومن المدهش أن هذا النمل قد أدرك فائدة تقسيم العمل قبل الإنسان بألوف من السنين فترى لكل فئة منه عملا خاصا لا تشاركها فيه سواها. فمتى داهم عدو قرية للنمل اختفى العملة وخرجت الجنود للقتال والنضال. فيخرج أولا واحد منها للاستطلاع ثم يعود مخبرا بما رأى. وبعد هنيهة تخرج ثلاثة أو أربعة يتبعها عدد كثيف من الجيوش بادية عليها علائم الحنق فتلدغ كل ما صادفته في سبيلها ولا تفلت من تلدغه ولو قطعت إربا إربا فإذا انتهى القتال رجع الفعلة فأعادوا بناء ما تهدم يتخللها عدد من الجنود للحراسة لا للإعانة على العمل.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

العث العقعقي

العث العقعقي Magpie Moth حشرة من عائلة Geometridaeيعيش العث العقعقي في أوروبا واليابان، ويتغذى على ...