الهدنة بين روسيا والعثمانيين

الهدنة بين روسيا والعثمانيين
ولما حل فصل الشتاء لم ترد روسيا أن توقف رحى الحرب لئلا تنتهز تركيا هذه الفرصة فتجمع جيشاً جديداً فتصدت لفتح ودين وروسجق وشمله قبل اختراق البلقان فأحيل ذلك على الجنرال تولتين وتقدم الجنرال غوركو لاختراق البلقان فتلاقى بشاكر باشا فهزمه وأخذ صوفيا وسلمت الجنود التي كانت تحمي شبقة. ثم زحف الجنرال غوركو فالتقى بسليمان باشا فحدثت وقعة دامت ثلاثة أيام أظهر الترك فيها من مدهشات الصبر والجلد مع قلة عددهم وفساد عِددهم ما خلد لهم الذكر العاطر في تاريخ الوطنية ثم تقهقروا إلى رودب. واحتل الجنرال أسكوبيليف أدرنة ثم تقدم الروس حتى لم يبق بينهم وبين الآستانة غير (50) كيلومترا فاضطرت تركيا لطلب هدنة للمكالمة في الصلح فعين السلطان نامق باشا وسرور باشا لأداء هذه المهمة فذهبا وقابلا الغراندوق نيقولا في بلدة قزانلق فأشار عليهما بالانتظار لحين مجيء جواب القيصر فلما جاء صار التوقيع على اتفاقين أحدهما بين الغراندوق نيقولا ونامق باشا وسرور باشا مفاده استقلال البلغار استقلالاً إدارياً واستقلال رومانياً والجبل الأسود استقلالاً سياسياً تاماً مع تعديل حدودهما وتقرير غرامة حربية لروسيا تدفع نقداً أو يستعاض عنها ببعض البلاد.
والاتفاق الثاني كان بين المندوبين العسكريين العثمانيين وبين المندوبين الروسيين وفيه بيان شروط الهدنة وبعد ذلك وقفت الحركات العسكرية وأمر الباب العالي برفع الحصار عن سواحل روسيا التي على البحر الأسود وعاد الغراندوق نقولا إلى بطرسبورغ.
ولما علمت إنكلترا بحصول هذه الهدنة والشروط الأولية خافت أن تقع الآستانة في يد الروس فأمرت أسطولها الذي كان بخليج شبقة فدخل بحر مرمرة خلافاً لمعاهدة باريس فاكتفت تركيا بإقامة الحجة على هذا العمل وطلبت بعض الدول أن تعرض شروط الصلح عليها خشية أن يكون فيها إخلال بمعاهدة باريس فلم تقبل روسيا.
بعد هذا اجتمع مندوبو الدولتين ببلدة سان استفانوس التي اتخذها الجيش الروسي معسكراً له فكان من قبل الدولة كل من صفوت باشا ناظر الخارجية وسعد اللّه بك سفير الدولة في برلين، وكان من قبل روسيا المسيو نيليدوف والكونت أغناتيف فوقع المندوبان العثمانيان على معاهدة مؤلفة من (29) مادة أهمها ما يأتي:
أن تزداد أراضي الجبل الأسود أكثر من الضعفين وأن تستولي على ثغر أسبيتزا وأنتيفاري. ويزاد على بلاد الصرب التي أصبحت مستقلة لواء نيش وأن تأخذ رومانيا التي استقلت أيضاً جهات دوبرويجة بدلاً من بسارابيا التي استولى عليها الروس. وأن تكون بلغاريا إيالة ممتازة وأن تمد حدودها من نهر الدانوب إلى بحر الأرخبيل بحيث لا يترك للدولة التركية بأوروبا إلا الآستانة وغالبولي وسلانيك وضواحيها وبلاد أيبر وتساليا وألبانيا والبوسنة والهرسك.
أما بجهات آسيا فتستولي روسيا على قارص وأردهان وباطوم وبايزيد وأن تدفع الدولة العثمانية غرامة حربية قدرها (910،170،245) جنيهاً تركياً.
لما شاعت هذه المعاهدة بين الدول بعد التوقيع عليها كبر عليها هذا الأمر لأنها تعطي روسيا نفوذاً كبيراً في البلقان وبلاد الترك فينهدم ما بنته بسياستها في قرن فأمرت إنكلترا بجمع جيشها الاحتياطي فأسرعت أساطيلها بالاجتماع في مالطة حيث أحضرت قوة عسكرية من الهند ولكنها مع ذلك كله لم تجرأ على مقاتلة روسيا لعدم إقدام دولة أوروبية لمساعدتها ولم تنجح في حمل الأتراك على استئناف القتال فأخذت تخابر روسيا وألمانيا والنمسا حتى تدخل البرنس بسمارك في الأمر فعقد اتفاقاً سرياً بين روسيا وإنكلترا والنمسا فقبلت روسيا أن تعرض معاهدة سان استفانوس على مؤتمر دولي، وفي الوقت عينه تمكن اللورد بيكونسفيلد وزير إنجلترة من عقد معاهدة مع تركيا مقتضاها أن تكون الدولتان يدا واحدة في صد هجمات الروس لو تقدمت نحو بلاد الأناضول. وتعهد الباب العالي في مقابل ذلك بإصلاح حال المسيحيين الموجودين بتركيا خوفاً من أن ينقادوا إلى تسويلات روسيا وتسمح تركيا لإنجلترا باحتلال جزيرة قبرص وجعلت جلاءها عنها موقوفاً على ترك روسيا لمدينتي قارص وباطوم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

معاهدة برست ليتوفسك

معاهدة برست ليتوفسك معاهدة صلح منفرد عقدت بين الاتحاد السوفياتي ودول الوسط في مدينة برست ...