بلاد العرب الجنوبية قبل البعثة المحمدية

بلاد العرب الجنوبية قبل البعثة المحمدية
يقول العلامة سديو في كتابه خلاصة تاريخ العرب:
وبعد انقراض ملوك سبأ المؤسسين لمدينة مأرب وظفار وعدن ونجران وغيرها أحدثت الحميرية من بني قحطان التابعين لسلطنة ملوك التبع عمارات كثيرة في جنوب بلاد العرب وأولهم الحرث الرائش المتسلطن سنة (167) قبل الميلاد على ما ظهر وأما ما زعمه بعض متأخري الفرنج أن هذه العمارات لم تحدث إلا بعد سنة (974) قبل الميلاد فتوهم لا يسعنا الحكم بصحته وقد تغلب هذا الملك على حضرموت ومهرة وعمان زيادة على اليمن وبقيت سلطنة التبابعة حتى تغلب عليهم ملوك الحبشة سنة (525) بعد الميلاد.
ونقل أن الخط القديم الحميري المسمى مسنداً كان يتركب من حروف متقطعة ولا مانع أن يعتبر ما استكشفه بعض الفرنج من العناوين القديمة نموذجاً لذلك الخط.
وكان التبابعة ذوي شوكة مكينة وأرضهم خصبة من طيب الهواء وكثرة الماء واشتغال الرعية بالفلاحة والتجارة فيما ينقل من بلادهم من البهار والعطر والبخور وحسن طرقهم في توزيع مياه الري المستمدة من سد مأرب وهو جسر جسيم بين جبلين تجتمع إليه الأمطار المنحصرة بينهما حتى يتكون ما يكفي ري زراعتهم فيصرفوه من منافذ هذا الجسر على حسب احتياج زراعتهم ثم غلبت المياه الجسر سنة (120) بعد الميلاد فأتلفته وأغرقت مزارعهم ولم يصلحوا الجسر فبقيت بلادهم معرضة كل سنة للغرق بتلك المياه الدورية فرحل أغلبهم عن اليمن فأسس بعضهم مملكة الحيرة وبعض آخر مملكة غسان وصرفت التبابعة هممهم في إدخال ما خرج عن شبه جزيرة العرب في ملكهم فعجزوا وحافظوا على حدود مملكتهم حتى انقرض ملكهم سنة (525) بعد الميلاد التي أغار فيها ملوك الحبشة والفرس على اليمن فنزلوا بلا صعوبة ووجدوه خالياً عن الحكم والثروة الأصلية لارتحال المزارعين بعد أن كان لملوكه أعصر معروفة بالفخار والعز حتى غالى مؤرخو العرب وجعلوهم نموذجاً للدول العظيمة حيث ادعوا أن أحدهم سلك مسلك إسكندر ذي القرنين وفتح مثل فتوحاته وأن أفريقش المنتصر سنة خمسين قبل الميلاد العيسوي على البربر الذين هم أصل المغاربة سار إلى غرب أفريقية حتى بلغ سواحل الأقيانوس الأطلنطيقي وأن منهم شمر المؤسس لسمرقند وغير ذلك من الترهات الناشئة عن توالي نصرات العرب زمن البعثة المحمدية الذي هو عصر عظمتهم وشوكتهم فإن ذلك بعثهم على دعواهم أن آباءهم الأول كانوا ملوكاً فاتحين متسعي الممالك إعلاء لنسبهم الأصلي وحفظت تلك الدعوى ببلادهم ونقلها المؤرخون مع أن آباءهم ربما لم يخرجوا عن شبه جزيرة العرب ولم يوقعوا إلا سلسلة حروب وسطوات على العرب الأخرى داخل بلادهم وقد نسبت إليهم حوادث أخرى بعيدة عن الصواب غير مطابقة للحوادث التاريخية التي بين قطع سد مأرب وإغارة ملوك الحبشة على اليمن وأعظمها ما قيل أن التبع أبا كرب غزا الفرس سنة (206) بعد الميلاد فغلبهم ورجع بوافر السلب والغنائم ثم استولى على الحجاز وحاصر المدينة ثم الكعبة ودخل في دين اليهودية ونقل التدين به إلى اليمن وأغلبه وثنية ثم بعثه الإمبراطور قسطنطين سنة (343) بعد الميلاد (تيوفيل) ليدعو أهل اليمن إلى دين النصرانية وتهود أبو نواس المتسلط على الحميرية آخر القرن الخامس ودعا إلى دين اليهودية نصارى نازلين بنجران سنة (524) بعد الميلاد فأبوا فأمر بقتلهم ووصل هذا الخبر إلى العاهل (جوستين) الأول فأمر النجاشي صاحب الحبشة المتدين بدين النصرانية بالانتقام من أبي نواس فبعث القائد (أرياط) بسبعين ألف مقاتل فدخل اليمن بلا مشقة وانهزم أبو نواس فألقى نفسه في البحر سنة (525) بعد الميلاد ومات خليفته (علس دوجدن) فتولى أرياط اليمن نيابة عن النجاشي ونفذت كلمته فغار منه الضابط المسمى أبرهة الأشرم فقتله غدراً وتولى بدله نيابة عن النجاشي بعد أن جعل سائر الحبشة تحت قيادته وحارب عدة حروب كان له فيها الظفر وكتب بأمر (غريجنطيوس) أسقف مدينة ظفار قوانين نسختها الأصلية المدونة باليونانية محفوظة بكتبخانة ويانة.
وبنى أبرهة بصنعاء كنيسة في غاية الزخرفة ليصرف العرب إلى حجها بدل الكعبة المشرفة التي سار بعد إلى هدمها فخذل ومات عقب هزيمته وخلفته أولاد فعسفوا وجاروا وعجز اليمنيون عن كفهم فاستغاثوا بقيصر القسطنطينية فأبى حيث كانوا على وثنية وهو نصراني واستغاث ملك الحيرة بكسرى أبرويز فتوقف ثم أجابه وبعث سنة (575) بعد الميلاد أسطولاً هزم الحبشة وأجلاهم إلى اليمن سنة (597) بعد الميلاد فانقاد اليمنيون للفرس كما كانوا منقادين للحبشة غير أن الفرس لم تجبرهم على أعمال دينية ثم تغلبوا على حضرموت وعمان والبحرين.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

أصل العرب

أصل العرب أصل العرب من اليمن من بنو قحطان العرب العاربة ولكن يقول العلامة سديو ...