توفيق الشيشكلي الحموي

توفيق الشيشكلي الحموي
(1303هـ ـ 1359 هـ/ 1884م ـ 1940م)
أصله:
هو المرحوم الدكتور محمد توفيق بن الحاج عبد الرحمن وجده الأعلى محمد آغا المشهور بـ (الشيشكلي) بن عبد القادر بن خليل بن المنلا خليل، حضرت هذه الأسرة لحماه في أوائل القرن الحادي عشر هجري من معمرة النعمان وهي وآل المطوح في المعره وآل الغزي في أدلب أبناء عم عصبيون، وللعائلة أبناء عم أيضاً في إنطاكية وهم آل المعصرجي، وينقل شيوخ أسرتي الشيشكلي وآل الجندي أن بين الأسرتين في المعرة صلات قرابة وأنها عصبية، وأن الجدين الأعليين كانا أخوين أو على درجة من القرابة لا يعلم مداها وكان أحدهما مفتياً والآخر قاضياً في مدينة المعره بعهد السلطان سليم العثماني الأول، ولدى آل عبد الرحمن الشيشكلي حكم من قاضي المعره الشرعي يثبت اتصال العائلة بالنسب الشريف الطاهر.
نشأته:
بزغ نجم الفقيد في سماء حماه سنة 1303هـ و1884م وابتدأ دراسته الابتدائية في مدينة حمص حيث كان والده مستنطقاً فيها، ومن رفاقه في الدراسة المرحوم مظهر باشا رسلان والدكتور الشهير عزة الجندي وغيرهما. وبعد أن نال الشهادة الثانوية في حماه وانتقل إلى مدرسة عنبر بدمشق، ثم انتسب إلى كلية الطب العثمانية بدمشق وقد تخرج منها سنة 1911 وكان في مراحل دراسته مثالاً يقتدى في الجد والاجتهاد ومحبوباً من رفاقه وأساتذته وجميع معارفه. وقد وضع رسالة في الصرف والنحو وترجم عن التركية القوانين المتعلقة بالأوقاف والكاتب بالعدل.
في العهد التركي:
لقد كانت الحالة الاجتماعية والثقافية في العهد العثماني متأخرة في البلاد العربية، فكتب فقيد العروبة إلى عارف بك المارديني والي الشام يرجوه العناية بالمدارس والثقافة وبدأت حماه ترى في ولدها البار غايتها المنشودة في قيادة زعامتها، واشتهر بخدماته الإنسانية أيام وجوده رئيساً للمستشفيات العسكرية في زحلة خلال الحرب العالمية الأولى، فكان يضع علمه وخبرته ومهارته والأطباء الذين تحت إمرته ومخازن الأدوية العسكرية لخدمة الأهلين، وما زال أهل زحلة يذكرون عهده بالخير ويترحمون على جهوده وإخلاصه وإنسانيته، وقد أشاد الأستاذ اسكندر الرياشي صاحب الصحافي التائه عن حياة الفقيد في زحلة وفضله ومآثره الاجتماعية النبيلة.
الفقيد الطبيب:
لقد تخصص في معالجة العيون ولعل ما حمله على ذلك انتشار مرض العيون في حماه، وقد كافح هذا المرض ونجح في عمله، وكان لطفه ومؤانسته لمرضاه وعطفه على الفقراء من أكبر العوامل في نجاحه في عاطفته الإنسانية.
أدبه السياسي:
لم يكن الفقيد أديباً بالمعنى المعروف، بل كانت خطبه السياسية ومقالاته الاجتماعية تدل على أنه أديب سياسي بليغ، ولذا فهو يعتبر في زمرة الأدباء اللاحقين وقد أصدر جريدة التوفيق في حماه وكان يحررها بنفسه وهدفها تأييد العهد العربي ونشر الإصلاح، ولكنها لم تعمر طويلاً وأوقفها لأسباب سياسية. وقد ظهرت فيه موهبة الخطابة عندما برز إلى الميدان السياسي، فكان الخطيب الشعبي الألمعي يدعو إلى مكارم الأخلاق والتآلف بعاطفة صادقة ولسان ساحر وأسلوبه في خطابته يمتاز بالقوة والرشاقة والضرب على الوتر الحساس في أهدافه الوطنية، مما جعلته هذه الموهبة أن يكون خطيب الكتلة الوطنية تعتمده في كثير من المواقف الحاسمة والمناسبات القومية العظيمة.
مآثره الاجتماعية والسياسية:
كان رحمه الله صاحب فكرة اجتماعية نبيلة وعقيدة سياسية مثالية، ويرى بضرورة الإصلاح الاجتماعي وتقديمه على العمل السياسي وأن لا استقرار ولا استقلال إلا بإصلاح اجتماعي شامل ينظّم الأمة ويقرب بين طبقاتها من بعضها، ويمحو الفوارق والعنعنات التي تسبب المشاكل الاجتماعية وتمزق وحدة الأمة، ويرى في إحداث الجمعيات والنوادي والمدارس وسيلة لبلوغ هذه الأمنية القومية.
خدماته الاجتماعية:
انتظم في نادي الكلية في معهد الطب وانتخب رئيساً له، وكان مع زميله الدكتور الشهيد العربي المرحوم صالح قنباز في طليعة المؤسسين لدار العلم والتربية، وقد جعلا من هذا المعهد العتيد مصدر الإشعاع الوطني والاجتماعي، وكان من مؤسسي النادي العربي أيام المرحوم الملك فيصل ورئيساً للنادي الأدبي المؤسس في عام 1924، وهذا النادي الذي لعب دوراً كبيراً في توجيه الشباب الحموي واشعال جذوة الوطنية ونار السخط ضد المستعمرين وأنشأ مكتبة ضخمة فيه، وفرعاً لتعليم الأميين، وجمعية للإسعاف الخيري ترأسها رفيقه وزميله في العمل المرحوم محمد البارودي، وقد قضت ثورة عام 1925 على هذه المؤسسة العلمية، وانتخب عضواً في لجان الأوقاف والمعارف والبلدية، واستقال منها لأسباب سياسية معلومة، لقد كان حريصاً على الفكرة الاجتماعية واختيار الطرق الناجعة المجدية لدعم فكرته وتأييد رأيه في الإصلاح الاجتماعي المنشود.
مواقفه السياسية:
لقد عمل في السياسة منذ صباه المبكر، ولكن الفكرة الاجتماعية كانت تسيطر عليه في عمله السياسي أيضاً، فقد ساهم في الحركة العربية الأولى وحاول الالتحاق بالثورة العربية حينما كان في المدينة المنورة طبيباً في الجيش التركي، ولكن القيادة التركية أسرعت بنقله فحالت بينه وبين أمنيته. واشترك في كثير من الجمعيات الوطنية السرية التي كانت تعمل لإضرام الثورة ضد الفرنسيين وكان من أركان حزب الاستقلال في حماه وأسس في حماة (الحزب الديمقراطي) ورشح نفسه للنيابة عن حماه عام 1928 وحال التزوير والتلاعب في الانتخاب دون نجاحه، وأخذت الحركة الاجتماعية في حماه تنمو وتتسع واليقظة الشعبية تقوى وتشتد حتى كانت المعركة الفاصلة عام 1931 ـ 1932 إذ دحرت القوى الشعبية عناصر الرجعيين اندحاراً ساحقاً بزعامته رحمه الله.
زعيم حماه:
ومنذ هذا الظفر الوطني أصبح الفقيد زعيم حماه دون منازع وظل بعدها ينتقل من انتصار إلى انتصار في الميادين الاجتماعية والسياسية والقومية، حتى غدا علماً من أعلام العرب البارزين الذين يمثلون وجهها الحقيقي في المجالس والمؤتمرات والمواقف الوطنية الحاسمة، وانتدب رحمه الله مع الوفد الذي ذهب إلى إصلاح ذات البين بين عاهلي الجزيرة واليمن.
أوصافه:
كان رحمه الله ذو وجه جميل، يملك شخصية قوية جذابة، حببته إلى الجمهور في كافة أعماله ومراحل حياته، إذا تحدث سحر بنطقه الألباب لا يعرف الخور ولا المهادنة والالتواء وقد أعدته العناية الآلهية لزعامة مدينة حماه، وفيها من المشاكل والمصاعب والعقد الاجتماعية ما لا يقوى على تذليلها غيره، فقد كان رحمه الله كامل الصفات والأهلية للزعامة الحقيقية بفضل ما تحلى به من سجايا جوهرية، جاءه الشعب الحموي منقاداً طائعاً فوضع بين يديه قضيته الوطنية وألقى له زمامه ومقاليد أمره، يناديه فيلبي، ويدعوه فيجيب وقد اعترف له بذلك خصومه من الأجانب ومنافسوه من الوطنيين.
وكان رفض الفرنسيين تصديق معاهدة 1936 فكان درساً بليغاً للشعب السوري فحدثت الفوضى في الصفوف في دمشق وحمص وحلب، أما حماه فقد ظلت أمينة لزعيمها، مخلصة لقائدها فسميت حماه (قلعة الوطنية أو قلعة الدكتور شيشكلي) وقد اعترف له الجميع بالتجرد والنزاهة والإخلاص والبعد عن المنافع الشخصية، وكان خصوم الكتلة الوطنية يقبلونه حكماً في قضايا الخلاف ويرضون بحكمه وينزلون عند رأيه.
ومن أبرز مزاياه وفاءه النادر لأصدقائه وشممه وإبائه، وقد كان صديقاً حميماً لزميله الدكتور عزة الجندي.
مرضه:
أصيب الفقيد بمرض القلب، وظل نجمه يتألق وصحته تنحدر رويداً، ولما وقعت حوادث شباط عام 1936 في سوريا كان طريح فراشه ولكن وحشية المستعمرين أبت إلا اقتلاعه من سريره وقذفه في معتقل الشرفة العسكري، وقد اشتد المرض عليه ودام سنة كاملة، وأنقذته العناية الإلهية من تلك الغمرة، فاستعاد كثيراً من نشاطه وأدار معركة الانتخابات النيابية سنة 1936 وانتخب في المجلس النيابي أميناً للسر في سائر الدورات وكان له الأثر البارز في تسيير شؤون المجلس النيابي والكتلة الوطنية.
وفاته:
وفي صباح يوم 3 تشرين الأول 1940م و1 رمضان 1359هـ استأثرت به المنية وهو في سن الكهولة وفي فترة كانت البلاد بأشد الحاجة إلى زعامته وجهوده، فنقل جثمانه الطاهر إلى قاعة دار التعليم والتربية، وشيّعته حماه في اليوم الثاني باحتفال عزّ نظيره وشاركت وفود البلاد العربية في توديعه إلى مقره الأبدي كما قال أحد القراء.
وسارت حماة خلف نعشك كتلة
تشيّع آمالاً وتبكي أمانيا
فأقسم لم تشهد حماه ولا رأت
كرزئك يوماً أو كيومك باكياً

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

زيد بن علي

زيد بن علي (79 ـ 122هـ ـ 697 ـ 750م) زيد بن علي بن الحسين ...